علم أن شكوك الجميع تتجه حوله قائلا: سيذبحوننى لو تأكدوا أننى المسئول ووعدته بالحفاظ على سره . معايير كثيرة مهمة فى حياة كل صحفى أراد النجاح والتميز كى يصنع اسمه ويفرض نفسه بين نجوم المهنة على رأس هذه المعايير المصداقية والعمل بلا كلل.. ولكن اكتشفت وأنا استعرض رحلة عمرى المهنية أنه كانت هناك قيمة غالية صاحبتنى مهدت لى رحلة النجاح.. ولم تكن هذه القيمة ليست سوي...... كلمة الشرف. الوزير غاضب.. ولكن!! الوقت بداية فى التسعينيات عندما كان وقتها عبد الحليم موسى وزيرا للداخلية حينما أخبرنى مدير مباحث السياحة عن ضبط مخدرات فى ملهى ليلى يديره فنان سينمائى راحل من خلف الستار وكان معروفا عن هذا الفنان علاقته القوية بقيادات كبيرة فى الشرطة. وأخبرنى مدير مباحث السياحة أن هناك تعليمات عليا بعدم النشر عن القضية. حصلت منه على التفاصيل الكاملة ونشرتها أخبار اليوم ليتكهرب الجو فى وزارة الداخلية فالوزير غضب بشدة لمخالفة تعليماته وأصدر تعليماته بتحديد الشخصية التى سربت الخبر.. أسقط فى يد مدير المباحث الذى أصبح مرعوبا بعدما علم أن شكوك الجميع تتجه حوله قائلا: سيذبحوننى لو تأكدوا أننى المسئول ووعدته بالحفاظ على سره ولن أبوح به أبدا مهما كان. ولكن لإثبات الاتهام كان لا بد من وجود دليل.. ولم يكن هذا الدليل سوى اعترافى عليه.. وعلى مدار الساعة توالت الاتصالات من قيادات الوزارة تحاول إقناعى تارة بالترغيب ومرة أخرى بالتهديد بقطع أى علاقة لى بأجهزة الوزارة وكان المطلوب منى النطق بكلمة واحدة وهى أن مدير المباحث هو من سرب لى خبر الضبط. ولكن دون جدوى ولم تفلح محاولاتهم واكتفوا بنقله من منصبه لعدم التيقن ولمجرد الشكوك. مكالمة الفجر بداية عام 2003 وفى ليلة الجمعة كانت المكالمة الساخنة من أخى وصديقى الراحل اللواء محمد إبراهيم مدير الإنتربول بالحضور فورا ومعى مصور فلديه لى رصيد ثمين. بعد ساعة كنت وبرفقتى الزميل المصور خالد الباجورى بمكتبه الجديد فى العباسية سألته ملهوفا عن صيده فقال ضبطنا سيدة أعمال خطيرة من جنوب شرق آسيا كانت هناك 132 دولة تترقب ظهورها بعد إصدار منظمة الإنتربول الدولى نشرة حمراء بشأنها لضلوعها فى قضايا فساد مالى وسياسى ضخمة على مستوى دولى متورط فيها شخصيات وأنظمة دولية وفوجئنا بقدومها على قوائم إحدى الرحلات الجوية فى مطار القاهرة منذ ساعات فتم القبض عليها. انبرى خالد الباجورى ساخنا بعدما علم بحقيقة الصيد وأخرج كل عدساته وفلاشاته وارتدى على غير العادة نظارته ليلتقط عشرات الصور فيما قام العميد جمال عثمان ضابط الإنتربول بترجمة حوارنا معها.. أسرعنا للجريدة وكتبت الحوار وطبعا الصور وتنفيذا لتعليمات رئيس التحرير تم رسم ماكيت جديد لصفحة الحوادث.. ولكن عند الفجر تلقيت مكالمة من مدير الإنتربول كان نصها أرجوك أوقف النشر تماما.. وإلا تعرضت لما لا أعلمه.. ليخبرنى أن الجهات السيادية علمت بسقوط هذه السيدة التى يبحث عنها العالم ولخطورة أمرها وحاجتهم لما لديها من معلومات كان لابد أن تنتقل لمقر هذه الجهة للتعامل معها وهذا يتطلب إخفاء ضبطها عن المنظمة الدولية ولو لفترة زمنية وهى فى حوزتهم.. استشعرت بحساسية الموقف وحرجه وتأثيره على مصير مدير الإنتربول ولم يكن أمامى سوى النزول للجريدة لسحب الماكيت موضوع الحوار وإخفائه وإعداد مادة صحفية جديدة.. وعندما وصل رئيس التحرير صباحا وأخبرته بالتفاصيل اقتنع بما قمت به وأقره أمام الجميع حرصا على الصالح العام. ورد بليغ حمدى عام 1990 حصل بليغ حمدى على حكم ببراءته فى قضية مقتل المغربية سميرة مليان. كان ذلك عقب عودته من باريس بعد غربته بها سنوات منذ صدور الحكم الابتدائى بسجنه. ذهبت إليه فى شقته بميدان سفنكس لإجراء حوار معه وحدث نوع من الأريحية بيننا خاصة أن اللقاء تم بتوصية شديدة من صديق عزيز عليه والذى قدمنى إليه بصورة مثالية.. كان الحوار فيه فضفضة كبيرة أفرغ فيها بليغ الكثير من مشاعر المرارة داخله بسبب مواقف نذالة من أشخاص كان له فضل عليهم وكانوا أكثر من أصدقاء له.. ولكنهم وقت القضية تخلوا عنه مما تسبب فى إدانته وذكر لى نماذج لبعض هؤلاء دون تسميتهم.. عدت إلى الجريدة عرضت على الأستاذ إبراهيم سعدة محتوى الحوار بما فيه من انفرادات جديدة جدا ليقرر النشر على صفحة كاملة مصحوبا بصورى معه.. ولكن فى المساء وللصدفة أيضا كنا ليلة الخميس حيث تلقيت مكالمة من سويتش الجريدة يخبروننى بأن شخصا يلح فى الاتصال عدة مرات ويطلب منهم توصيله بى وهو ما تم فعلا لأكتشف أن المتصل لم يكن سوى بليغ حمدى الذى طلب منى وبرجاء شديد أن أحذف من الحوار كل ما يخص هؤلاء الذين أنتقد مواقفهم السيئة أثناء محنته.. قلت له ما تريد أن تبقى عليه فقط فقد ذكرته من قبل لكل الصحفيين وما تريد حذفه هو فقط الجديد الذى يستحق فعلا النشر. ولكنه قال هذا ما قلته بالفعل ولكن قلته فى لحظة شعور بالمرارة ولكن طبيعة شخصيتى ألا أحرج أحدا رغم استحقاقه ذلك.. ويستطرد لو تمسكت بالنشر وهذا حقك فقد ذبحتنى وأنهينا المكالمة بقولي: سأحاول التصرف.. كان فى قرارة نفسى بالفعل رفع الحوار كاملا فالحذف الذى أراده بليغ يجعل الحوار باهتا بلا قيمة.. أخبرت رئيس التحرير بالأمر ليسألني: ما رأيى؟ فقلت: بليغ الأستاذ.. بليغ حمدى قيمة إنسانية وفنية كبيرة ولابد من مراعاة مشاعره. فوجئت برئيس التحرير يبتسم بهدوء ويخبرنى بأن مكافأتى التى قررها عن الحوار سارية رغم رفعه.. وفى صباح السبت فوجئت بوصول مكتبى باقة ورد بيضاء فاخرة باسمى من بليغ ويعقبها مكالمة منه كانت مصحوبة بضحكة رنانة وهو يقول صدقنى لم أنم الليل كنت خائفا من النشر ولكنك أثبت لى أن الأخلاق لم تغادرنا. دموع فنان الوقت عام 1989 كنت مشاركا رجال الإدارة العامة لمكافحة المخدرات فى كمين لضبط الفنان السينمائى الشهير قرب كوبرى العروبة بمصر الجديدة كان الفنان قادما من الباطنية وبحوزته طربة حشيش. اقتيد الفنان مباشرة لمقر الإدارة بالعباسية ليعرض على مدير الإدارة وقتها اللواء دكتور فتحى عيد لمناقشته وأثناء المناقشة قدم الضباط لمديرهم خطابا ضبطوه فى ملابس الفنان أثناء تفتيشه، كان الخطاب الذى كتبه الفنان وينوى إرساله لزوجته بمثابة اعتذار لها عما سببه لها وللأسرة من إحراج حيث كان قد سبق ضبطه منذ شهور بحيازته مخدرات أيضا فى قضية شهيرة. وفور ظهور الخطاب انهار الفنان باكيا متوسلا لمدير المكافحة التغاضى عن الخطاب وعدم ضمه بمحضر الضبط حرصا على مشاعر زوجته وأسرته لما به من حقائق محرجة عائليا. وفوجئنا جميعا بموافقة مدير المكافحة على طلبه من باب الإنسانية قائلا: من الممكن أن يدعم هذا الخطاب موقفنا فى إدانتك ولكن إجراءاتنا كافية ضدك. وأردف قائلا: سنستبعد الخطاب حفاظا على بناء أسرتك التى ظلمتها، وعقب اقتياد الفنان لمحبسه نظر لى اللواء فتحى بنظرة ذات معنى قائلا: طبعا أنت لم تشاهد ولم تسمع شيئا بخصوص هذا الخطاب، أجبته: طبعا طبعا.. وأثناء المحاكمة تعرضت لتهديدات من أنصار الفنان سواء فى مواجهتى أو عبر مكالمات تليفونية عقابا لنشرى تفاصيل عملية الضبط.. كان يمكن لى دفاعا عن نفسى الإشارة لقصة الخطاب المضبوط بما يحويه من اعترافات واضحة والتعاطي.. ومطالبتى إظهاره للجهات القضائية ولكن رغم ذلك التزمت الحفاظ على كلمة الشرف لمدير المكافحة رغم ما تعرضت له.