بقلم : د. أيمن الرقب تكييف القضاء الدولى بما يتماشى مع مصالح الدول القوية، يعنى خروج القضاء الدولى عن رسالته، وتحوله إلى هيئات صورية لا حول لها ولا قوة. بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية ضد شعبنا الفلسطينى فى غزة، حيث كشفت هذه المقتلة الوجه الحقيقى للقضاء الدولي، الذى ظل عاجزا عن اصدار قرارات ناجزة توقف المقتلة الكبرى ولو لعدة أيام، ولم تتمكن كل مؤسسات المجتمع الدولى فرض وقف للمقتلة لعدة أيام لإدخال الغذاء والدواء لقطاع غزة رغم التقارير المرئية التى نقلت حقيقة ما يحدث فى قطاع غزة من تجويع وقتل. عامان من العربدة الإسرائيلية ضد شعب أعزل يقتل بالآلاف وشعوب تنتفض فى كل أرجاء الكرة الأرضية تطالب بوقف القتل، وتطلب من حكوماتهم ومن المجتمع الدولى التدخل لوقف هذه الجرائم التى تحدث فى قطاع غزة، لتظهر بشكل جلى حقيقة عجز المؤسسات الدولية لإنقاذ المستضعفين والأبرياء فى العالم، لتظهر أن هذه المؤسسات تعمل برتابة بيروقراطية بطيئة، أو مشلولة بوصف أدق، فعلى سبيل المثال محكمة عدل دولية مازالت تنظر فى هذه الجرائم رغم كل الأدلة الموثقة، وجنائية دولية يتم ابتزازها من دول غربية وشخصيات نافذة فى العالم لمنعها من إصدار مذكرات اعتقال ضد قيادات إسرائيلية جديدة بعد إصدارها مذكرتى اعتقال مع وقف التنفيذ ضد رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالنت. عند إجراء مقاربات بين ما قامت به هذه المحاكم الدولية ضد دول كبرى مثل الجمهورية الروسية، ودول ضعيفة بالتحديد دول جنوب العالم وما قامت به ضد جرائم الاحتلال الإسرائيلى تظهر تجليات اعتلال ميزان العدل الدولي، حيث يظهر العجز عندما يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلى وتظهر القوة عندما يتعلق الأمر بغيره. الخطير برود القضاء الدولى بعد وقف إطلاق النار الذى تم فى قطاع غزة قبل عدة أيام، وكأن جرائم الاحتلال لم تكن قائمة ولم تعد موجودة، كان أجدر بالجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية ومجلس الأمن والأممالمتحدة أن تشكل لجانا لتحرى وتوثيق الجرائم التى حدثت فى قطاع غزة، وإرسال هذه اللجان والطواقم لزيارة قطاع غزة للاطلاع على معاناة الشعب الفلسطينى وما تعرض له من عمليات إبادة جماعية. إن شلل القضاء الدولى عندما يتعلق الأمر بدول الجنوب المستضعف يجب أن يدفع للإعلان عن تشكيل محاكم جديدة لا علاقة لها بمؤسسات الأممالمتحدة العاجزة عن محاسبة القتلة والبدء بالعمل على توثيق جرائم الاحتلال الإسرائيلى ومحاكمته أمام قضاء لا يتعرض للابتزاز المالى والسياسي، قضاء قادر على نصرة الشعوب المستضعفة. نحن بعد تجليات ما حدث فى قطاع غزة، وما حدث قبله فى دول عدة، وما سيحدث بعده، نجد من الضرورة البحث عن بدائل دولية تحدث حالة من التوازن وتحمى دولنا ومنطقتنا من هذا الفشل الدولي، ولا نبقى رهينة قضاء دولى يبتزه من يدفع له ويموله، ورغم صدق نوايا بعض القضاة وقد يكون أغلبهم، إلا أن المؤسسة الأم تظل رهينة التدخلات الكبيرة والتى تشل عمل هذه المؤسسات، لدينا نماذج ما تعرض له المدعى العام الحالى والتى سبقته من ابتزاز إسرائيلى وأمريكى وأحيانا أوروبى من بعض الدول الأوروبية، لثنيهم على إصدار مذكرات اعتقال ضد القتلة فى دولة الاحتلال، وذهبت بعض الدول للانسحاب من اتفاقية روما كما فعلت دولة المجر حتى لا تلتزم بتنفيذ قراراتها المتعلقة باعتقال قادة الاحتلال الإسرائيلي. تكييف القضاء الدولى بما يتماشى مع مصالح الدول القوية، يعنى خروج القضاء الدولى عن رسالته، وتحوله إلى هيئات صورية لا حول لها ولا قوة. الحاجة أصبحت ملحة لتقييم حقيقى من دول منطقتنا والدول الصديقة ودول الجنوب بشكل عام لرسم آلية لمواجهة هذه الحالة المتكلسة للقضاء الدولي، ووضع آليات إما استنهاض هذه المؤسسات أو تشكيل مؤسسات بديلة، والأمر هنا متعلق بصناع القرار الذين يتوجب عليهم الاستفادة من تجارب الماضى وتحصين منطقتنا مما هو قادم.