هكذا يدار العالم، وتدار قراراته تحت طائلة المصالح لا القانون. فى خطوة صادمة للضمير الدولى وتحدٍ لقوانينه، قررت دولة المجر فى الثالث من شهر أبريل الجارى الانسحاب من اتفاقية روما وبالتالى الانسحاب من الجنائية الدولية، وذلك لحماية صديق رئيس الوزراء المجرى افيكتور اوربان الإرهابى بنيامين نتنياهو، مبررا قراره بأن الجنائية الدولية أصبحت مسيسة، فى حين أن هذه المحكمة نفسها كانت عنوان العدالة عندما أصدرت مذكرات اعتقال سابقة بحق قيادات روسية. الجميع يعلم دوافع رئيس الوزراء المجرى الذى ينتمى لليمين تربطه علاقة صداقة قديمة مع الهارب من القانون الدولى بنيامين نتنياهو، حتى أنه يقيم فى منزله عند زيارته دولة المجر. لم يؤثر إجراء الاحتلال ضد شعوب المنطقة فى ضمير رئيس وزراء دولة المجر لأنه يرى الأمور من رؤية صهيونية ولا يكلف نفسه أن يبحث فى جرائم الاحتلال ضد شعبنا الفلسطيني. لم يكن موقف دولة المجر صادما للمتابعين لأنهم يعلمون خلفيات رئيس وزراء دولة المجر، وما نخشاه هو أن تقدم دول أخرى خاصة أوروبية للانسحاب من اتفاقية روما التى نتج عنها تأسيس الجنائية الدولية، وبالتالى يتحرك بنيامين نتنياهو كما يشاء داخل دول العالم. ما استوقفنى منذ صدور قرار دولة المجر حتى الآن صمت المدعى العام السيد كريم خان خاصة أن الأمر تزامن مع تحقيقات تجريها الأممالمتحدة حول سوء السلوك الجنسى للمدعى العام، خاصة اتهامه بالتحرش الجنسى بمحامية تعمل فى مكتبه. وتشير المزاعم إلى أن السيد كريم خان قام ببعض الإجراءات الانتقامية ضد بعض الموظفين الذين أبلغوا بسوء سلوكه الجنسي، أو انتقدوا اسلوب تعامله مع الأمر، هذا التحقيق. الصمت يثير الكثير من التساؤلات خاصة لتزامن هذا الإجراء مع زيارة بنيامين نتنياهو لدولة المجر، وإقدام المجر على الانسحاب من الجنائية الدولية لم يكن مصادفة، وكل الأمور مرتبة خلف الكواليس لتحقيق مزيد من الابتزاز من المدعى العام، وهذا هو الدافع خلف صمته وصمت محكمته على قرار دولة المجر. هكذا يدار العالم، وتدار قراراته تحت طائلة المصالح لا القانون. فمحكمة العدل الدولية لم تتمكن من تحقيق العدل لشعب أعزل يقتل يوميا أمام مرأى العالم، وجنائية دولية عاجزة عن تحقيق قراراتها وتصمت على تجاوزها، ومجلس أمن مشلول بفيتو يصدر كلما تصادم الموقف الدولى مع مصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي. مؤسسات دولية تصرخ عندما ترى وتتابع جرائم الاحتلال الإسرائيلى ضد شعبنا الفلسطيني، بل وتقوم بسحب موظفيها من قطاع غزة لأنها تدرك أن المجتمع الدولى غير قادر على حمايتهم بعد أن قتل عدد منهم بدم بارد فى قطاع غزة. مشاهد مروعة لمقتل عاملين فى القطاع الصحى والإعلامى بتعمد من الاحتلال الإسرائيلى تصل لكل العالم ولكن دون جدوى لوقف المقتلة الكبرى ضد شعبنا الفلسطيني. لقد آن الأوان ليتغير العالم، ونمطية مؤسساته لوقف هذه الحالة من الظلم، فما يمارس فى غزة سيمارس فى أى مكان فى العالم.