أفهم العلاقة الاستراتيجية بين الولاياتالمتحدةالأمريكية وإسرائيل، وقد كتبت عنها سابقاً، وأعى أن نتنياهو هو الأكثر فهماً للتعامل مع سكان البيت الأبيض، خاصة وأنه الأطول فى منصبه كرئيس وزراء، مما أتاح له التعاطى مع الانتماءات المختلفه لهم سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين، كما أننا يمكن وببساطة شديدة، القول بأن ترامب هو الأكثر دفاعًا وانحيازاً لنتنياهو، لدرجة أنه وافق منذ ولايته الأولي، على نقل السفارة الأمريكية للقدس، واعترف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، كما أن الداعم الوحيد لها فى عدوانها على غزة، وشاركها فى الاعتداء على إيران، ولكن عقلى عاجز حتى الآن، عن فهم السياق الذى دفع الرئيس ترامب إلى الدفاع غير المسبوق عن نتنياهو، ووصل الأمر إلى التدخل فى النظام القضائى الإسرائيلي، والمطالبة بإصدار عفو عنه، من التهم التى يواجهها منذ عام 2019، وبداية محاكمته فى العام التالي، فى ثلاث قضايا تتعلق بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، فى سابقة هى الأولى من نوعها فى تاريخ العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، التى تجاوزت ال 75 عاماً منذ إنشاء الدولة، ووصل الأمر إلى اعتبار ترامب المحاكمة مهزلة مسماة (عدالة)، ودعا إلى إلغائها، أو منح عفو (لبطل عظيم) قدم الكثير، خاصة وإخراجه من ال (كابوس القضائي)، الذى يعيشه مؤخراً، حيث يحاكم وهو فى منصبه. ودعونا نتفق على أن هناك مشتركاًَ بينهما فى هذا المجال، وفى الإحساس بوجود حرب تستهدف إنجازاتهما، وتعوق مسيرتيهما من (الدولة العميقة) والتى تتمثل فى استخدام النظام القضائى ضدهما، والتى اسمها ترامب فى رسالته لنتنياهو (مطاردة السحرة)، والوقائع كثيرة، وفيما يخص ترامب فقد خاض قبل الوصول إلى المكتب البيضاوي، وأثناء المعركة الانتخابية الأخيرة، أكثر من 90 تهمة فى إطار أربع قضايا كبري، من بينها الاحتفاظ بوثائق سرية حصل عليه بموجب رئاسته، وعدم تسليم السلطة بعد إخفاقه فى انتخابات عام 2020، واستطاع تجاوزها جميعاً، وفاز بدورة رئاسية ثانية، وحتى الأول من مايو، واجه أيضاً نتيجة الاستخدام الموسع لسلطته التنفيذية، والإفراط فى إصدار أوامر تنفيذية، ما لا يقل عن 238 دعوى، أوقف القضاء تنفيذ200قضية، وسمح بالمضى قدماً فى سياسات مطعون فيها 43، وما زال معروضاً عليه140، ونجح ترامب منذ أيام فى الحصول على حكم المحكمة العليا، بتقييد صلاحيات قضاة المحاكم الفيدرالية، فى إصدار قرارات تتعلق بالسلطة التنفيذية، الحكم كان على الأمر التنفيذى بتقييد منح حق المواطنة للمولودين فى أمريكا، وكان قد سبقته انتصارات أخرى خاصة بوضع المهاجرين غير الشرعيين، وخدمة المتحولين جنسياً فى الجيش، مما منح الرئيس قدرة فى تحجيم الرقابة القضائية على سياساته، ومثل الأمر انتصاراً هائلاً، سيؤثر بالضرورة على مصير القضايا المعلقة. على نفس المستوي، يمكن رصد مواجهة نتنياهو والقضاء الإسرائيلي، التى مرت بأكثر من مرحلة، الأولى محاكمته فى ثلاث قضايا، الأولى المعرفة باسم القضية 1000، يواجه فيها اتهامات بالحصول على منافع شخصية، والثانية 2000 متهم فيها بتحسين التغطية الإعلامية مع ناشر صحيفة يديعوت أحرونوت، والثالثة القضية 4000 الخاصة بتلقى رشوة مقابل تغطية إعلامية إيجابية من موقع واللا، بالإضافة إلى الاحتيال وخيانة الأمانة، والتى اعتبرها ولدت (بالخطيئة)، وأنها ملفقة، حيث يتعرض للمثول أمام القضاء ثلاث مرات أسبوعياً، ولأول مرة وافقت المحكمة على التأجيل أول أمس، نتيجة انشغاله بملفات سياسية وأمنية حساسة، رغم رفضها السابق للتأجيل منذ ديسمبر الماضى بعد سقوط النظام السوري، ويبدو ذلك كما لو كان أحد توابع طلب ترامب بالعفو، رغم أن هناك صراعاً مفتوحاً بينهما منذ طرحه فكرة الإصلاح القضائي، باقتراح قانون (المعقولية)، فى محاولة لتغيير لجنة اختيار القضاة، وصلاحيات المحكمة العليا، فى إلغاء قرارات الحكومة، ومراجعة القوانين أو إلغاء القوانين الصادرة من الكنيست بأغلبية بسيطة من صوت واحد، والتى استلزمت مظاهرات فى كل أنحاء إسرائيل، رفضاً لها، والتى لم تتوقف سوى بعد عملية طوفان الأقصي. لقد دفع مطلب ترامب بالعفو عن نتنياهو، القضية إلى صدارة المشهد السياسى الإسرائيلي، بين تأييد للفكرة، ورفض لها، مع الإشارة إلى أنها نوع من التدخل غير المقبول فى النظام القضائى الإسرائيلي، والذى يسمح فقط للرئيس إسحاق هرتسوج بمثل هذا العفو، والذى أبدى انفتاحًا على الفكرة، على أن يسبقه طلب مباشر من نتنياهو، وبعد التشاور مع النيابة ووزارة العدل، والعقبات كثيرة منها اشتراط نتنياهو عدم إلزامه بالتنحى عن السلطة، وإلا تلحق به أى وصمة عار بملفه الشخصي، والتى تمنعه مستقبلاً من أى دور سياسي. ودعونا نتفق على أن أمر الطلب الأمريكى بالعفو، أبعد كثيراً من علاقات شخصية بين الرجلين، والتى ظهرت فى حالة الغزل الشديد، وصلت إلى وصفه بأنه أعظم رئيس وزراء لإسرائيل فى زمن الحرب، وأنه محارب قوي، ربما لا مثيل له فى تاريخ بلاده، وهو من قاتل بصلابة وكفاءة، ويستحق أفضل من ذلك بكثير، حسب توصيف ترامب، فالأمر يمثل تحفيزاً له وخلق (مظلة حماية) للمشاركة فى خطة شاملة للتوصل إلى تسوية فى الشرق الأوسط، بعد إنهاء العدوان على غزة، تتضمن إرساء قواعد شرق أوسط جديد، يشهد تعزيز دور إسرائيل فيه، ومزيد من اتفاقيات تطبيع العلاقات من دول مختلفة، ولعل ذلك ما سيتم بحثه أثناء الزيارة المرتقبة له خلال الأسبوع القادم، مع عدم استبعاد، أن ترامب يتحرك وأمامه حلم واحد، يسعى لتحقيقه بكل الطرق، وهو الحصول على جائزة نوبل للسلام.