الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربه تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله.. فى حي الأنفوشي العريق بقلب الإسكندرية وعلى بعد خطوات من صوت تلاطم أمواج البحر ورائحة اليود ولد أحد أبرز الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين عام 1938، إنه الفنان القدير فاروق عبد العزيز حسني وزير الثقافة الأسبق، الذى جلس على كرسى وزارة الثقافة 23 عامًا و3 أشهر و13 يومًا. تخرج فى قسم الديكور بكلية الفنون الجميلة- جامعة الإسكندرية عام 1964، وعقب تخرجه عين موظفًا بوزارة الثقافة فى إدارة المراقبة على الخدمات الفنية، ثم انتقل إلى القاهرة، لكنه تمرد على الوظيفة الروتينية، وسرعان ما عاد لأحضان الإسكندرية للعمل بقصر ثقافة الأنفوشي، ليصبح مسئولًا عن المرسم هناك، وبعد فترة قصيرة أصبح مديرًا لقصر ثقافة الأنفوشي، وكان عمره 26 عامًا. بين باريسوروما رُشّح حسنى للسفر إلى باريس ضمن بعض رؤساء قصور الثقافة للتدريب، وكان وقتها يتقن اللغة الفرنسية، وبالفعل قضى هناك ستة أشهر ثم عاد ليواصل عمله مديرًا لقصر ثقافة الأنفوشى، ونجح فى تحويله إلى ملتقى ثقافى وفنى للشباب.. وفى عام 1979 انتقل إلى روما وعمل رئيسًا للأكاديمية المصرية للفنون حتى عام 1987، وبعد مرور 18 عامًا قضاها بين باريسوروما عاد مرة أخرى إلى القاهرة بعد أن اكتسب خبرات فنية خلال احتكاكه بفنانى أوروبا وثقافاتها، ثم كانت عودته باستدعاء من رئيس الحكومة آنذاك د. عاطف صدقى لتكليفه بمنصب وزير الثقافة. عاصفة فاروق حسنى بمجرد الإعلان عن اختيار فاروق حسنى لتولى منصب وزير الثقافة أثيرت ضجة كبيرة وصفها الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين ب»عاصفة فاروق حسنى» لاعتراض بعض المثقفين عليه، وساهم فى هذا الرفض ثروت أباظة بصفته رئيسًا لاتحاد الكتاب، وهاجمه الكاتب عبد الرحمن الشرقاوى عندما أعلن فى صدر الصفحة الأولى فى جريدة الوفد: «نحن لا نقبل هذا الوزير، ولا نعرف من يكون»، والطريف أن الشرقاوى أقام لحسنى حفل تكريم عندما عرفه عن قرب، وكان من هؤلاء الرافضين الكاتب الراحل وحيد حامد وذلك بسبب صغر سنه وعدم خبرته بالثقافة، ليعلن بعد ذلك أنه وجد فيه وزيرًا بعقل فنان مثقف، وبالفعل قدم الوزير فاروق حسنى خلال فترة توليه الوزارة من «1987 -2011» العديد من الإسهامات المؤثرة منها: إنشاء متحف الحضارة، ووضع حجر الأساس للمتحف المصرى الكبير. تفرغ حسنى عقب تركه الوزارة لمشروعه الفنى، وأسس مؤسسة فاروق حسنى للثقافة والفنون التى أطلقت عدة دورات بهدف الكشف عن المواهب ودعمها ورعايتها، وأثبت فاروق أن حالات الإبداع لا ترتبط بعمر الفنان، وهناك أمثلة عديدة على ذلك، فقد أبدع «فيردى» أوبرا فالستاف وهو فى سن الثمانين، وكتب «مارك توين» جورنال حواء وهو فى سن الواحدة والسبعين، وكذلك «غراهام بل» الذى حل مشكلة التوازن فى الطائرة وهو فى سن السبعين. من أكاديمي إلى تجريدي من اللوحات التى يعتز بها فاروق حسنى لوحة رسمها لحى الأنفوشى وكان عمره 16 عامًا، فقد كان عاشقًا لهذا المكان والجلوس على شاطىء البحر، وكانت تستهويه صناعة المراكب وتقطيع الخشب ومشهد العمال، واستطاع تجسيد ذلك فى عمل أكاديمى يحتفظ به فى مرسمه حتى الآن. والسؤال الذى يفرض نفسه: كيف تحول فاروق حسنى من فنان أكاديمى إلى تجريدى؟ .. لقد ذكر لى فى أحد الحوارات: أنه وجد ضالته عام 1970 فى ترجمة المناظر الطبيعية التى شاهدها فى مدينة نيس بفرنسا إلى مساحات تجريدية، وبدأ التعمق والدراسة فى هذا الفن ذى الأصول الغربية، وأقام العديد من المعارض طوال مسيرته التى كشفت عن فنان تعبيرى تجريدى يمتلك العديد من الإيقاعات الهندسية والتفرد فى مساحات اللون والحوارات المتبادلة على سطح اللوحة وتداعياتها، بخلاف الملامح والرموز ولحظات الانفعال التى أراها فلسفية فى أحيانٍ كثيرة، وتلقائية متحررة فى أحيان أخرى...، الصحراء الشاسعة الصفراء، والسماء بدرجاتها الزرقاء، وصوت تلاطم أمواج البحر هى مفردات تجدها فى لوحات فاروق حسنى. فنان عالمى كتب عنه الإيطالى كارمنى سينسكالكو: فاروق حسنى فنان عالمى، ينتمى لدوائر فنية متسعة، لكنه فى نفس الوقت يظل دائمًا فنانًا مصريًّا يعمل على نشر ثقافة وطنه وتطورها المستمر، و لا يتهيب الانطلاق ليكون مصورًا حرًّا، ومبدعًا وأصيلًا. لذلك لم يكن غريبًا أن تُعرض أعماله فى أهم المتاحف التشكيلية الدولية، منها: متحف متروبوليتان، ومتحف هيوستن للفنون الجميلة، وفورت لودرديل فى ميامى، والمتحف الوطنى فى فيينا، وكاروسيل دو اللوفر فى باريس، ومتحف لو فيتوريانو فى روما، ومتحف طوكيو للفنون.