لو أردنا الخروج من دوامة التيه التي نمر بها, فمن الضروري أن نفتح عقولنا ونشرع أبواب قلوبنا لهواء التجديد, لنستعين ببعض من المنطق والعقلانية والهدوء في معالجة الأمور, فحتما هناك من القضايا والمشكلات التي يجب أن نتناولها بالنقد والتحليل لفرز الصالح والطالح منها, وكما نطالب بتنقية التراث من الشوائب فأولي بنا أن ننقي عقولنا من الأفكار العفنة والمعتقدات البالية ونشفي من عقدنا النفسية التي تتحكم في أفكارنا وقراراتنا, فمشاكل مصر ليست مشاكل مستعصية, وحلولها بسيطة لا تحتاج لأفكار خارقة بقدر ما تحتاج لعقول مدركة وشعب قادر علي انتقاد ذاته وأفكاره بموضوعية, ليلقي بالفاسد منها بعيدا ويحفظه في متاحف لا يعود إليها إلا ليعلم أبناءه كيف استطاع التخلص منها, ويتمسك بالجيد منها لأنه يمثل عناصر قوته وتفرده وتميزه عن بقية شعوب الأرض. لقد مرت شعوب عديدة بمراحل أشد ظلمة ودموية مما نمر به, ولكنهم لم ينجحوا في اجتيازها إلا بالعقل والاجتهاد والتجريب, ولو أبحرنا في التاريخ سنجد من كانوا أشد منا ضياعا, ويكفي أن نتذكر سقراط بعد انتصار السوفسطائيين عليه وقد اختار تجرع السم بدلا من النفي, حين أدرك أنه لن يستطيع الهرب من تخلف وسطوة السوفسطائيين الذين اتخذوا من الشك الجدلي مذهبا لهدم كل الحقائق والعلوم, وطريقة لاكتساب الرزق بالدفاع عن لمجرمين. ولكن كان موت سقراط بداية لانتشار أفكار عاش طوال حياته يحاول نشرها, وأخذ تلاميذه علي عواتقهم استكمال مسيرة معلمهم, حتي استطاعوا تأسيس حضارة يونانية أشعت بنورها علي الكون كله. ولو رجعنا لعصر النهضة الأوروبية, نجد أن ما قبلها سادت عصور حالكة الظلام والتخلف سيطرت فيها الكنيسة علي الدولة والدين وحجرت علي حرية التفكير وأقامت محاكم التفتيش والتكفير, فكانت تصادر حتي الأفكار في أذهان المفكرين وتحرق الكتب التي تحمل دعوات التجديد, فأحرقت بعض المفكرين أحياء وقتلت فلاسفة ومثلت بجثث وسجنت أغلبهم وفر بعضهم هاربا بأفكاره من الموت حرقا. ولكن وسط هذا الظلام كان هناك فلاسفة مثل ديكارت يخططون لحرب البقاء من أجل نشر الأفكار, فهاجر إلي دول لا تمتد لها يد الكنيسة الكاثوليكية الغربية, وآثر ألا يكون هجوميا أو مباشرا في صراعه مع الكنيسة لعلمه بمدي قوتها, فآثر أن يعيش مسالما وركز علي الانتهاء من مشروعه الفكري بسلام وأمان, وكان له ما أراد, فما أن ووري جسده التراب, حتي بدأت أفكاره تنتشر انتشار النار في هشيم أوروبا, ليؤسس لمنهج فكري عقلاني جديد يقوم علي الشك المنهجي الباحث عن اليقين, لخصه البعض في نظرية سلة التفاح والتي تفترض بأن عقل الإنسان كسلة تفاح بها السليم والمعطوب, ولا يمكن لشخص أن يفرز التفاح إلا إذا قام بتفريغ محتويات السلة ليبدأ في فحص التفاح واحدة واحدة, ليعيد السليم منها للسلة ويلقي بالمعطوب بعيدا كي لا يفسد بقية التفاح. لقد مثلت هذه النظرية البسيطة منهجا سارت عليه أوروبا في فرز كل الحقائق والعلوم والأفكار والمعتقدات التي توارثتها, ولم تأخذ منها إلا ما يتقبله العقل ويتسق مع المنطق, فكان الطريق أمامهم واضحا وممهدا لبناء حضارة أوروبية جديدة, وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا حول ماديتها إلا أنها تجربة يجب النظر لها بعين الاعتبار, لنستفيد منها قدر استطاعتنا من أجل رسم منهج خاص بنا كمجتمعات شرقية تتمسك بالدين كمكون أساسي من مكوناتها, ولا شك أن سبب شتات المجتمعات العربية الآن وتحول الثورات العربية للعنات حقيقية, هو افتقادها لمفكرين وفلاسفة مثل سقراط ديكارت والغزالي الذين يوجهون مسيرة البشرية نحو مسار سليم, الأمر الذي يجعلنا في أمس الحاجة للايمان بالعلم الذي حثنا عليه ديننا والشك المنهجي المؤدي ليقين ثابت يكون نواة لبناء حضارة قوية, ولنتوقف عن الشك لمجرد الشك والجدل السوفسطائي العقيم الذي أصبح معولا لهدم كل القيم والثوابت والمعتقدات الطيبة والخبيثة, فهناك فرق هائل بين الشك المؤدي لليقين, وبين ذلك الشك السائد المؤدي بنا حتما إلي أسفل سافلين.