العدوان الإسرائيلي الأخير علي قطاع غزة، الذي أسفر عن استشهاد وإصابة المئات، لن يكون الأخير في مخطط سياسة الأرض المحروقة التي تمارسها دولة الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، مستفيدة من حالة التفسخ العربي وانشغال كل قطر بهمومه الداخلية وما أكثرها هذه الأيام، ومن الميوعة الدولية والعجزعن لجم جنون آلة الحرب الإسرائيلية التي تعاني من فائض قوة، مما يغريها علي التعامل مع الشعب الفلسطيني كفئران تجارب لاختبار كل جديد مما لديها في ترسانة أسلحة الفتك والدمار، إلي جانب التشجيع السافر للقوي الغربية والولايات المتحدة للعربدة الإسرائيلية، باعتبار المقتلة التي تتعرض لها غزة دفاع عن النفس، ضد صواريخ حماس التي أحدثت رعبا في نفوس الإسرائيليين ودفعت الألاف إلي دخول الملاجئ، لكن لا يوجد أدني تكافؤ في عدد الضحايا والدمار الذي شمل انهيار عشرات البيوت علي رأس أطفالها الأبرياء. وواقع الحال أن مجرم الحرب بنيامين نتنياهو كان يتحين الفرصة للإنقضاض علي غزة، ليس بغرض الثأر من خطف ثلاثة شبان إسرائليين والعثور علي جثثهم في الضفة الغربية، لكن انتقاما من المصالحة الفلسطينية، وإعادة اللحمة بين الضفة وغزة، بعد 7 سنوات من الانقسام، بذلت خلالها الدولة العبرية كل جهدها لعرقلة المصالحة، وتحديدا منذ تصالح حماس مع فتح وتشكيل حكومة وحدة وفاق وطني برئاسة رامي الحمدالله الشهر الماضي، وهو الأمر الذي لم تبد إسرائيل ارتياحا إزاءه منذ اللحظات الأولي وخرجت تصريحات نتنياهو لتخير الرئيس الفلسطيني أبومازن بين حماس والسلام علي حد زعمه. والمثير والعجيب أن الحرب الدائرة الآن بين إسرائيل وحماس تعد صورة بالكربون من العدوان الإسرائيلي علي لبنان في يوليو 2006 عندما تذرع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك بواقعة أسر الجنديين الإسرائليين علي الحدود، ليشن عدوانا وحشيا علي حزب الله اللبناني دام 33يوما ولم يتمكن من تحقيق أي نصر عسكري علي التنظيم الشيعي، وانتهي الأمر بوقف إطلاق النار بعد تدخل الوسطاء، وفشلت الدولة العبرية في دحر حزب الله الذي خرج من الحرب أقوي وتزايد نفوذه في المنطقة، بحيث بات أحد الفاعلين الرئيسيين في شئون المنطقة، بدليل الدور الذي يقوم به في الحرب الأهلية السورية، وما يتردد عن مشاركته في الحرب ضد تنظيم داعش في العراق، إلي جانب هيمنته علي الضاحية الجنوبية ومجمل المشهد اللبناني. وإذا كان نتنياهو وجنرالاته يملكون من القوة المسلحة التي تؤهلهم لحرق غزة وإبادة نحو مليوني فلسطيني، إلا أن تجربة ضرب غزة من الجو والبحر لم تستطع أن تكسر إرادة المقاومة لدي الشعب الفلسطيني الذي حافظ بدماء شهدائه وحرية أبنائه في السجون علي وهج وعدالة قضيته باعتباره آخر الشعوب المحتلة في عالم اليوم، وتظل مأساته ومعاناته شاهدا علي موت العدالة والإنسانية في عالمنا ولا يتعين أن يراهن نتنياهو علي إعادة احتلال غزة، فهذه العملية التي صدق عليها مجلس الحرب الإسرائيلي تظل محفوفة بالمخاطر، لأسباب عديدة في مقدمتها الكثافة السكانية العالية بالقطاع التي تعد الأعلي علي مستوي العالم، مما يعني ارتكاب مجزرة وحمامات دم لن يتحملها الرأي العام العالمي، إلي جانب التكلفة البشرية التي يتعين أن تدفعها إسرائيل من جنودها بما يعني أنها لن تكون مجرد نزهة ومهمة مضمون فيها النصر، ولا يخفي أن قوات النخبة فشلت فشلا ذريعا في لبنان 2006 أمام ميليشيات حزب الله، وتكرر الأمر في غزة أواخر 2008ومطلع 2009 في عملية الرصاص المصبوب. والحق أن كل الشواهد تؤكد أن إسرائيل لن تخرج منتصرة من عدوانها الأخير علي غزة مهما ألحقت بالجانب الفلسطيني من خسائر بشرية ومادية، حيث انطوي رد المقاومة الفلسطينية علي مفاجآت نوعية وحوي أكثر من رسالة، إذ وضح للكافة أن صورايخها باتت أبعد مدي وتمثل تهديدا حقيقيا للعمق الإسرائيلي، بدليل قصف تل أبيب وديمونا والقدس وحيفا ومطار بن جوريون مما يعني أن العدوان علي الفلسطينيين لم يعد نزهة لقوات الاحتلال، وهو ما يفتح الباب أمام معادلات جديدة للصراع بين قوات الاحتلال والفصائل الفلسطينية، تظل في الحد الأدني خاضعة لميزان توازن الرعب، ورفع التكلفة علي مغامرات الاحتلال وعدوانه ضد الفلسطينيين. ولا يمكن قراءة ما يحدث في غزة بمعزل عما تشهده المنطقة من تحولات كبيرة، أبرزها ظهور تنظيم داعش كلاعب جديد علي مسرح الشرق الأوسط بعد استيلائه علي أجزاء واسعة من سورياوالعراق، وإعلانه دولة الخلافة، إلي جانب سعي إسرائيل للاستفادة من ظروف عدم الاستقرار التي تعيشها الدول العربية بتأثير تداعيات الربيع العربي، وذهاب نظم ومجيء أخري، فضلا عن محاولة إرباك المشهد الداخلي الفلسطيني وتصوير المصالحة في صورة تجر الكوارث علي الشعب الفلسطيني. واللافت أن إسرائيل التي شنت عدوانا ضد غزة في الأيام الأولي من حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، وتوسطت مصر لإبرام هدنة، لا تنهي الصراع بقدر ما تمهد لجولة جديدة من المواجهات، أبدت هي وحماس قدرا هائلا من التعنت مع الجهود المصرية الرامية للتوصل إلي تهدئة تحقن دماء الفلسطينيين في محاولة منهما لإحراج القيادة المصرية الجديدة واختبار صبرها، خصوصا وأن ما يحدث في غزة وثيق الصلة بأمن مصر القومي. وإحقاقا للحق فإن البحث عن تهدئة جديدة بين إسرائيل وحماس ليس حلا لمعاناة الشعب الفلسطيني الذي يدافع بلحمه ودمه عن حقه المشروع في إقامة دولته المستقلة، وهو ما يفرض علي القيادة الفلسطينية أن تفكر خارج الصندوق، وتنقل صراعها مع الاحتلال بعيدا عن الوساطة الأمريكية التي لم يجن منها الفلسطينيون سوي قضم وابتلاع المزيد من أراضيهم ولم يتبق لهم سوي 22% فقط من أرض فلسطين التاريخية، ويتعين علي أبومازن أن يفكر جديا في أسلوب جديد لإدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي سواء عبر شكوي تل أبيب أمام المحكمة الجنائية الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، وهو الأمر الذي يكتسب حجية قانونية في ضوء حصول فلسطين علي عضو مراقب بالأمم المتحدة، وليس ما يمنع أيضا من أن يدرس جديا خيار حل السلطة الفلسطينية، بعدما أفرغت إسرائيل اتفاقيات أوسلو من مضمونها واستغلت المفاوضات لكسب الوقت وإلهاء الفلسطينيين، لتكريس أمر واقع جديد عبر بناء المستوطنات، مما يجعل عمليا إقامة دولة فلسطينية متصلة الأجزاء شبه متعذر. إن اللحظة هي لحظة لتوحد قادة الفصائل الفلسطينية، بحثا عن أفضل السبل لإدارة صراعهم مع الاحتلال الذي يبدو من خلال عدوانه الهمجي والوحشي علي غزة أنه يستهدف تصفية القضية الفلسطينية بالحديد والنار مستفيدا من التطورات التي تمر بها المنطقة، ومن الدعم السافر والسافل لإدارة أوباما الذي عرض التوسط لإبرام هدنة فيما كان الكونجرس يبارك بجناحيه الديمقراطي والجمهوري العدوان الإسرائيلي، وليت أبومازن يدرك أن البحث عن السلام مع إسرائيل عبر الوساطة الأمريكية ليس أكثر من سراب.