رشا عامر شغلت طريقة «الاستجوابات» التى تمت تحت رئاسة جورج دبليو بوش جزءا كبيرا من النقاشات، خصوصا أن كثيرا ما أيدها أنصاره برغم وصفها بأنها «تعذيب» عندما تم استخدامها من قبل بلدان أخرى، وقد كتبت «آمى ديفيدسون» فى جريدة «نيويوركر» قائلة: «فى عالم «ديك تشينى» لا يمكن اتهام الأمريكيين بارتكاب جرائم تعذيب مهما حدث - حتى لو كانت محاولات إغراق المتهمين - لأنهم فى النهاية المحققون الأمريكيون - ليسوا أعضاء فى القاعدة كما أنهم ليسوا اليابانيين فى الحرب العالمية الثانية ولا حتى داعش! فليست العدالة الأمريكية هى التى سمحت بذلك ولكنها أمريكيتنا». بالطبع ليست الولاياتالمتحدةالأمريكية هى الدولة الديمقراطية الوحيدة التى تمارس التعذيب، لكن لتبرير ذلك فإن مؤيديها يقولون إنها استقت طرق الاستجواب هذه من أقرب حليفتين لها فكما يشير تقرير التعذيب الصادر يوم 9 من الشهر الجارى فإن السى آى إيه استعانت بإسرائيل كمرشد لها فى كيفية استخدام أساليب الاستجواب القسرى وهو ما سبق وأشارت له فى الماضي صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية. فبعد وقت قصير من هجمات 11 سبتمبر كتب المحامى العام للسى آى إيه قائلا: إن النموذج الإسرائيلى يمكن أن يساعدهم كأساس قوى بشأن استجواب الإرهابيين تحديدا فيما يخص عمليات التعذيب المعنوية استنادا على كونها مهمة لتجنب الإيذاء البدنى المباشر، ما لم يكن هناك حاجة له. وفى إسرائيل لا تزال قضية التعذيب كوسيلة لمكافحة الإرهاب هو موضوع نقاش دائر. فبعد 1987 وبعد وفاة اثنين من السجناء الفلسطينيين، عقدت لجنة حكومية برئاسة «موشية لاندو» الرئيس السابق للمحكمة العيا الإسرائيلية أوصى فيها بأنه فى بعض الحالات لا يمكن تجنب ممارسة درجة معتدلة من التعذيب البدنى! ووفقا لجماعة "بتسيلم" وهى جماعة معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان فإن جهاز الأمن الداخلى الإسرائيلي «الشين بيت» وفقا لتقرير "لاندو" الشهير يستخدم القوة البدنية ضد 850 شخصا على الأقل فى العام الواحد، وتتراوح طرق التعذيب بين حرمان المساجين من النوم وإجبارهم على الوقوف أو الجلوس فى أوضاع مؤلمة أو تهديدهم أو إخضاعهم لدرجات حرارة عالية جدا أو منخفضة جدا أو إجبارهم على سماع موسيقى صاخبة، وهى نفس طرق التعذيب التى استخدمتها السى آى إيه دون أى تغيير. استجواب قسرى وفى عام 1999 أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارا بمنع الشين بيت من استخدام العنف المفرط ضد المساجين، كما أعلنت أنها ستسمح لهؤلاء المساجين باستدعاء هيئة دفاع عنهم إذا ما مثلوا أمام المحكمة، لكن مع حلول الانتفاضة الثانية استأنفت الشين بيت استجواباتها القسرية. وعندما تم انتقاد ذلك من قبل جماعات حقوق الإنسان، فإن معظم الإسرائيليين ومثلهم الأمريكيون فيما بعد هبوا للدفاع عن مسألة التعذيب بأنها الوسيلة الوحيدة لمنع الهجمات الإرهابية. الغريب أن الذين كانوا يدافعون عن أساليب الاستجواب الإسرائيلية العنيفة هم أنفسهم الذين اتهموا الولاياتالمتحدة، بأنها لم تأخذ سوى الدروس الخاطئة فقط من إسرائيل، فقد أقر جون شندلر المؤرخ والموظف السابق بوكالة الأمن القومى بأنه حتى لو كان الشين بيت استخدم أساليب يمكن وصفها بالتعذيب، فإن ذلك تم تحت سيطرة السلطات القضائية، فضلا عن كون المحققين الإسرائيليين مدربين على أعلى درجة إضافة إلى إجادتهم التامة للغة العربية. وفى المقابل فإن المحققين الأمريكيين افتقدوا لأى خبرة أو مهارة لغوية بل إنهم لم يعملوا من قبل فى هذا المجال. النموذج البريطانى لم تكن إسرائيل هى الدولة الوحيدة التى تم الاستعانة بها من قبل إدارة بوش لمعرفة طرق الاستجواب، فلقد كشف باتريك كوليجان مدير منظمة العفو الدولية لإيرلندا الشمالية أنه فى مذكرات التعذيب التى صدرت عام 2002 فإن هناك وثائق أرسلت لإدارة بوش والسى آى إيه تكشف له طرق الاستجوابات العنيفة، وقد أشار مساعد النائب العام الأمريكى «جى بيبى» إلى تقرير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن المعاملة التى انتهجتها بريطانيا العظمى تجاه سجناء إيرلندا الشمالية فى حقبة السبعينيات! وأثناء الاضطرابات وضعت قوات الأمن البريطانية خطتها الشهيرة للاستجواب والتى اشتهرت فيما بعد باسم «التقنيات الخمسة» لاستجواب المساجين المشتبه فى انتمائهم للجيش الجمهورى الإيرلندى، وتتمثل هذه التقنية أولا فى "وقفة الجدار" وهى تقنية مؤلمة جدا يجبر فيها السجين على الوقوف على أصابع يديه وقدميه بجوار الجدار مع إجباره على الصمود وحفظ توازنه، ثانيا الموسيقى الصاخبة جدا، ثالثا الحرمان من النوم، رابعا الحرمان من الطعام، خامسا الحرمان من الشراب، وفى عام 1972 عندما تم الكشف عن هذه التقنيات التعذيبية أعلن إدوارد هيث رئيس الوزراء آنذاك عن إدانته، لذلك نظرا لعدم مشروعيته، وبعد فترة وجيزة تقدمت الحكومة الإيرلندية بشكوى ضد بريطانيا فى المحكمة الدولية بتهمة الاشتباه فى قيامها بتعذيب مواطنيها، وفى عام 1978 فإن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أقرت بأن هذه الأساليب المستخدمة تعد أساليب مهينة وغير إنسانية، لكنها لا ترتقى إلى مستوى التعذيب! تشويه الحقائق وأخيرا قدمت الحكومة الإيرلندية طلبا للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لمراجعة هذا الحكم الصادر بشأن التعذيب فى حق السجناء الإيرلنديين، خصوصا بعد الوثيقة البريطانية التى تم الكشف عنها والتى تؤكد أن الحكومة البريطانية لجأت إلى تشويه الحقائق أمام المحكمة. وكانت المذكرات التى نشرت عام 2002 بشأن طرق الاستجواب قد استندت إلى هذا الحكم لتبرير أساليب الاستجواب الأمريكية وعدم اعتبارها تعذيب، والدليل على ذلك أن السى آى إيه استخدمت بالضبط طرق الاستجواب الخمسة التى سبق واستخدمتها بريطانيا، ويبدو أن "جى بيبى" مساعد النائب العام الأمريكى قد تناسى عن عمد حقيقة أنه حتى لو لم يتم إدانة ما حدث من قبل المحكمة الأوروبية وحتى لو كانت الحكومة البريطانية قد عمدت إلى تشويه الحقائق مخالفة للقوانين التى يطبقها «بيبى» فإن ما اقترفته السى آى إيه يرتقى إلى وصف التعذيب وهو ما يتناقض أيضا مع القانون الذى يطبقه «بيبى»! الهروب من الإدانة وبناء على كل هذه الأمثلة فإن أنصار الاستجواب العنيف الذى مارسته الولاياتالمتحدة قد استندوا إلى إمكانية إفلات الحكومة من تهمة الاعتداء أو التعذيب ووصف ما اقترفوه بأنه عمل غير إنسانى فقط، وقد استندوا أيضا على التجربة الإسرائيلية والتى تلجأ فيها قوات الأمن إلى إيجاد ثغرات قانونية تنفذ منها للهروب من الإدانة. ويبقى رفض إدارة أوباما اتخاذ أية إجراءات قانونية حول مسائل التعذيب والسجون السرية فى السى آى إيه يبقى مدعاة للقلق فإذا كانت إسرائيل وجدت ثغرات قانونية للهرب من الإدانة وإذا كانت بريطانيا لا تزال إجراءتها موضع جدل برغم مرور أربعة عقود عليها، فإن الولاياتالمتحدة حتى لو تم إدانتها بالتعذيب فإن وضع نهاية لذلك لا يزال بعيد المنال.