الوفد يعلن جاهزيته لتقديم مشروعه المتكامل لقانون الأحوال الشخصية    وزير التعليم العالي يعلن صدور قرارات جمهورية بتعيين قيادات جامعية جديدة    «طوق نجاة».. قرار «توسيع الأنشطة الصناعية» يشعل تفاعلًا واسعًا    بابا الفاتيكان يرد على ترامب: قلب الله ليس مع المتسلطين والمتكبرين    هيئة التجارة البحرية البريطاني: التهديد البحري في مضيق هرمز عند مستوى حرج    المفوضية الأممية للاجئين: أزمة السودان لم تعد تحظى بالاهتمام    نشرة ½ الليل: تحركات لحماية الأسرة.. جدول امتحانات الثانوية.. قفزة بتحويلات المصريين بالخارج    موعد مباريات اليوم الأربعاء 15 أبريل 2026 | إنفوجراف    سلوت: حصلنا على أقل مما نستحق ضد باريس.. وإصابة إيكيتيكي لا تبدو جيدة    كرة طائرة - ديميتري ياكوفليف: أريد راتبي من الزمالك.. زوجتي دفعت الإيجار    فليك: نشعر بخيبة أمل.. ولكن علينا أن نعود من جديد    أبرزها رحيل أوسكار، شبانة يكشف عن اتفاق تهدئة بين الأهلي والجبلاية من 6 نقاط    القبض على سائق سيارة ملاكي تسبب في مصرع شخص بالشيخ زايد    الأرصاد: ذروة الموجة الحارة الأربعاء والخميس.. وانخفاض تدريجي بدرجات الحرارة الجمعة    خلاف على أولوية المرور يشعل مشاجرة بالأسلحة البيضاء في بورسعيد    البنك المركزي: 9.3 مليار دولار تدفقات استثمار أجنبي مباشر خلال 6 أشهر    وزير الخارجية: مصر تطلع لتعزيز التعاون الثلاثي مع مؤسسة التمويل الدولية لدعم التنمية بأفريقيا    أتلتيكو مدريد يتأهل لنصف نهائي دوري أبطال أوروبا على حساب برشلونة.. صور    رمزي عز الدين.. من هو المستشار السياسي للرئيس السيسي ؟    وفاة مسن بهبوط حاد في الدورة الدموية داخل فيلته بمدينة أكتوبر.    متحدث التعليم يُعلن موعد امتحانات الثانوية.. تبدأ 21 يونيو وتنتهي منتصف يوليو    أزهري: نفقة الزوجة واجبة حتى لو كانت غنية(فيديو)    وزارة الصحة: قدمنا 50 ألف استشارة نفسية عبر الخط الساخن لزيادة الوعى    خبيرة بالشأن الإيراني: ترامب ساعد إيران في تجاوز خط أحمر يتمثل في إغلاق مضيق هرمز    المطرب عمرو عادل ل كلمة أخيرة: الأوبرا بوابتي للنجاح وعبدالحليم حافظ قدوتي    محافظ القليوبية يوجه باستكمال حملة الإشغالات بشارع 23 يوليو بحي شرق شبرا الخيمة    محافظ الإسكندرية: ضبط 6 أطنان دواجن غير صالحة للاستهلاك الآدمي    توقيع بروتوكول تعاون بين الرقابة على الصادرات والواردات ومعهد التخطيط القومي    نائب محافظ الإسكندرية تتفقد مركز التدريب وتتابع عمل منظومة الشكاوى الحكومية    طرح بوستر شخصية أحمد داود وسلمى ابو ضيف في "إذما"    زيارة لقدماء المصريين منيخانوف فى المتحف الكبير    كان نفسي أبقى معاكم في مصر.. نورا ناجي تحتفي بفوز بيت الجاز بجائزة الشيخ يوسف بن عيسى للكتاب    وزير الخارجية: إطلاق آلية مصرية لتمويل مشروعات حوض النيل وتعزيز التعاون المائي    القبض على ممرض بتهمة التحرش بطالبة داخل مستشفى في الشيخ زايد    خريطة مصرية تساعد على فهم الجينات    تامر حسني يؤكد ريادته على المسرح في العين السخنة.. أداء يليق بعالمية نجم الجيل    بوليتيكو: وزير الحرب الأمريكي يتغيب مجددا عن اجتماع مجموعة الاتصال حول أوكرانيا    عضو الاتحاد الدولي للتوظيف: قانون العمل الجديد أتاح بشكل واضح تنظيم أنماط العمل المرن    وزير البترول: الاستثمار في العنصر البشري يقود تطوير قطاع الثروة المعدنية    وزير الصحة يبحث مع مجموعة إنفينشور إنشاء المدينة الطبية بالعاصمة الجديدة    كومباني: بايرن ميونيخ جاهز ذهنيا وبدنيا لمواجهة ريال مدريد    تشكيل الاتحاد السكندري لمواجهة زد في الدوري    هل يجوز للمرأة أخذ جزء من مصروف البيت دون علم زوجها؟ أمين الفتوى يجيب    بعد نجاح "يوميات صفصف".. صفاء أبو السعود تواصل تألقها الإذاعي    تامر حسني يستعيد ذكريات انطلاقته مع شيرين عبد الوهاب عبر ألبوم "تامر وشيرين"    خالد الجندي: كل الأنبياء تعرضوا لامتحانات وابتلاءات في الدنيا    خالد الجندي: لا تنسب أخطاء فرد إلى الصحابة.. والانتحار كبيرة من الكبائر    تعليم القاهرة: ضرورة تحقيق الانضباط المدرسي واستمرار المتابعة اليومية    بتوجيهات الإمام الأكبر.. "البحوث الإسلاميَّة" يطلق مبادرة "تحدَّث معنا" الدَّعم النَّفسي للجمهور    وزير الكهرباء: محطة الضبعة النووية أحد محاور الاستراتيجية الوطنية للطاقة    التحقيق مع مسجل خطر بتهمة غسل 170 مليون جنيه حصيلة الاتجار بالنقد الأجنبى    استئصال بروستاتا تزن 480 جراما لمسن داخل مستشفى المحلة العام    تأجيل محاكمة شقيقين بتهمة التعدي على جارهما وإصابته بعاهة مستديمة بعين شمس    إسرائيل: ليست لدينا اتفاقية أمنية مع إيطاليا    «الأعلى للإعلام»: استدعاء الممثل القانوني لقناة «مودرن إم تي أي» بسبب برنامج هاني حتحوت    الصحة تُفعّل العلاج على نفقة الدولة ب100 وحدة رعاية أولية    رئيس الشئون الدينية بالحرمين الشريفين: الالتزام بتصريح الحج ضرورة شرعية ونظامية    رئيس تتارستان يدعو السيسي لزيارة كازان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الناقد الكبير عبد الله الغذامى: الثورات العربية نصوص كبرى تكتبها الشعوب بدمائها!
نشر في الأهرام العربي يوم 27 - 02 - 2012

عندما وقف ذات يوم أمام الملك عبد الله وقت أن كان وليا للعهد، مطالبا بتغيير المناهج التعليمية التى لا تؤدى إلا إلى التطرف والإقصاء، كان نموذجا للمثقف الصادق الذى لا يخشى لومة لائم، ويشعر بمسئوليته تجاه مجتمعه ، وكان من نتيجة هذا الموقف المشهود، أن سلقه البعض بألسنة حداد متهمين إياه بالعلمانية مرة وبالانحراف عن جادة الحق مرات.
عبد الله الغذامى المثقف والناقد والأكاديمى يؤمن بأن الأول ترك للآخر أشياء، لذلك وضع على نافذة مكتبه بجامعة الملك سعود عبارة مكتوبا عليها بشكل لافت للنظر «إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للآخر شيئا، فاعلم أنه لن يفلح». عن قراءته للربيع العربى وتوابعه، ورؤيته للحداثة والرجعية فى الفكر العربى، وجوانب إنسانية من شخصيته، وقضايا أخرى، كان هذا الحوار مع د. عبد الله الغذامى الذى يعرض فيه فكره ولا يفرضه، حسب تعبيره الأسير.
هل يمكن أن تبشر الأعمال الأدبية بثورات وأحداث مهمة ؟
لكى أكون صادقا معك، لا شىء فى الوقائع العملية يؤكد ذلك كبرهان، ولو كان الأمر كذلك لقلنا إن روايات نجيب محفوظ مثلا على مدى ستين سنة كان من المفروض أنها صنعت ستين ثورة، لكننا لو نظرنا إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية مثلا، ولو نظرنا إلى الربيع العربى، سنجد أن هذه نصوص كبرى ، لا يسبقها ولا يتقدم عليها نص صغير أبدا، هذه نصوص كتبتها شعوب بدمائها، وليست بخيال أدبى، ويمكننا أن نقول إن الخيال الأدبى له واقعه وله إنجازاته وله قيمته، لكن أن نقول إن أعمالا معينة صنعت الثورات، فهذا لا يمكن أبدا أن نجد عليه دليلا واحدا لا فى الواقع الحالى ولا فى التاريخ القديم.
يقول أوسكار وايلد: الأدب لا يحاكى الحياة، بل هى التى تحاكى الأدب؟
عبارة بها رنين جميل ولكنها تقوم على ادعاء، ظل المبدعون على مدى التاريخ يدعونه لأنفسهم ، لأن المبدعين فى السابق كانوا الوحيدين الذين يملكون الكلمة، لأنهم الذين يكتبون، وغيرهم بمثابة الأمى والمستقبل، فكانوا بسبب تملكهم للكلمة يمارسون سلطات عليا عبر هذا النوع من الادعاءات ، وهذا ادعاء لا يزيد على كونه جملة بلاغية ادعائية، مثل أن نقول إن الشاعر سمى شاعرا، لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، وكأن غيره جماد،لا يبكون ولا يتأثرون ولا يسحقون، الفارق أن الشاعر استطاع أن يعبر عن مآسيه، والآخرون إما لم يعبروا عنها بالكلمة، وإنما عبروا عنها بالدمعة ، أو عبروا عنها بأمراضهم ، ارتفاع ضغط الدم والسكر، هذه كلها من صيغ التعبيرات عن المآسى أيضا .
هل الحس السياسى من الأمور اللازمة للأديب؟
ليس شرطا، وليس أيضا أمرا محظورا عليه، الحس السياسى مثل استنشاق الهواء، لست فى خيار أن تستنشق الهواء أو لا تستنشقه، الحس السياسى موجود حتى ولو بمجرد الاستماع لنشرة الأخبار.
قلت فى أحد حواراتك «إن أردت البحث فى مصطلحات الاعتدال والتطرف، فابحث عنها فى طوايا الخطاب الدينى»، كيف تجد الخطاب الدينى الآن؟
الخطاب الدينى فيه الاعتدال وفيه التطرف وفيه الغلو والوسطية،فيه الانفتاح ، فيه الانغلاق، والخطاب الدينى فى تاريخ حضارتنا يمتد إلى أكثر من أربعة عشر قرنا، وهو ثرى ثراء تاريخيا وثراء عمق، وكذلك الامتداد الجغرافى وامتداد البشر، فقاعدة الخطاب الدينى عريضة جدا، لذلك التشدد داخل هذا الخطاب أضراره فادحة جدا لأن الأتباع كثيرون، وبالعكس التوسط والاعتدال فوائدها عظيمة جدا،لأن الأتباع كثيرون ، بعكس لو ذهبنا إلى الماركسية ، وقلنا إن هناك ماركسية متشددة وماركسية معتدلة، فسيكون تأثيرها على الشارع العريض ضعيفا ومحدودا جدا، لذلك الخطاب الدينى باعتداله أو بتطرفه يؤثر تأثيرا كبيرا جدا، لهذا لو أردنا البحث عن الاعتدال والتطرف، فيجب أن نبحث فى الخطاب الدينى لكى نعرف توجه المجتمع إلى أين.
إذن برأيك الخطاب الدينى الآن يغلب عليه الآن الاعتدال أم التشدد؟
انتخابات مصر وانتخابات تونس ، تعطيانى مؤشرا على الاعتدال والوسطية،فى تونس تحالفوا مع اليساريين ومع العلمانيين، وفى مصر حزب الحرية والعدالة أقرب للتحالف مع الأطراف الأخرى، وليس رافضا للأطراف الأخرى، حتى السلفيين فى مصر غيروا كثيرا من مفاهيمهم، فسابقا كانوا يرفضون الانتخابات ويقولون إن الديمقراطية مخالفة للدين، والآن قبلوها، إذن هناك خطوات باتجاه الاعتدال، وبالنسبة لى هذا مؤشر إيجابى ومهم يجب أن نندفع ونساعد فيه، لأن الاعتدال هو الذى سينتهى بنا إلى نوع من التوازن الاجتماعي.
قديما كان أى فقيه يجمع بين الفقه والأدب فيقال : فقيه أديب،لماذا حدث هذا الفصام والعداء بين الأدب والدين؟
لما صار هناك انتشار واسع للثقافة الفقهية التى كانت محدودة فى السابق، اتسع عدد من تعلموا وتفقهوا، ومنحوا أنفسهم حق أن يفتوا أيضا، وبالتالى قد يأتيك أحدهم ويصدر حكما على نجيب محفوظ، والأزهر لا يصدر حكما، فنكون أمام حكم ليس فقهيا، وإنما حكم لشخص ظن نفسه فقيها فتصرف، وهذه هى الإشكالات التى صارت، فمع توسع قاعدة التعليم والتعلم، اتسعت قاعدة من يقرأون كتب الدين، ويظنون أنهم بلغوا منزلة الفقيه المفتى ويتصرفون على هذا الأساس، هذه هى الإشكالية وليست انفصاما بين الدين والأدب، عند أهل الاختصاص وأهل المعرفة لا يوجد هذا الانفصام، وجد هذا الانفصام عند القاعدة العريضة التى أسندت لنفسها مهمة هذا الأمر، وألزمت نفسها أنها معنية به ويخصها، وهذا السؤال أنا لا أخطّئ ولا أصوّب، أنا أقرأ الظاهرة فقط وأصفها .
كال د. سعيد بن ناصر الغامدى فى كتابه (الانحراف العقدى فى أدب الحداثة) الاتهامات وشن هجوما وتطاولا على الأديب الكبير نجيب محفوظ.. كيف استقبلت هذا الكتاب الصادر أخيرا فى الرياض؟
الكتاب كله توسيع لشريطه ( الحداثة) الذى توسع فيه وجعله كتابا، والشريط يقوم على سوء فهم وسوء ظن وسوء تقدير للحالة، وينطوى على عدم معرفة، ولا يتأسس على معرفة،والكتاب فى مجمله خطاب فى التجهيل وليس خطابا فى المعرفة.
يرى البعض أن علاقة المثقفين بالسلطة أصبح يحكمها الترغيب والترهيب، فهل خان المثقفون أدوارهم ؟
كانت مرحلة ذهبت وانتهت، الآن الذى يدير الثقافة ويدير الضمير هو الشارع العام، حدث انتقال من النخبة إلى الجماهير، ونحن فى زمن سقوط النخبة وبروز الشعبي، ولى كتاب بهذا المعنى صدر منذ 6 سنوات، ولا أدعى أننى تنبأت بما سيحدث، ولست ممن يلعب هذا الملعوب، لأنه ملعوب غبي، والذى يمارسه - برأيى - يكون متبجحا، فقط أقول إننى قرأت ظواهر كانت واضحة منذ أكثر من ست سنوات، والأحداث يؤكد بعضها بعضا، والحدث عادة إذا صار، يجر أحداثا أخرى، وفى كثير من الأمر تكون الأحداث التالية أكبر بكثير من السابقة .
تقول فى كتابك (اليد واللسان .. القراءة والأمية ورأسمالية الثقافة): أهم تواريخ الثقافة هى قصص المواجهة بين القامع والمقموع.. كيف ترى المواجهة الآن ؟
المقموع ينتصر الآن، وسينتصر، فمثلا ميدان التحرير الآن أصبح رمزا لانتصار المقموع، وميدان التحرير قبل 25 يناير بالنسبة لنا نحن كان يعنى المجمع والباصات والزحام، والتقاء الشوارع والطرقات هذا هو ميدان التحرير فى ذهنى قبل 25 يناير، الآن عندما تطلق كلمة ميدان التحرير ، يتداعى إلى الذهن معنى الرمز للثورة والأمة والتاريخ، ميدان التحرير أصبح مفصلا تاريخيا، والمسميات صارت تحمل معانى كبرى، وهذا هو الذى غير معادلة القامع والمقموع، وأصبح المقموع الآن هو الذى يدير القضايا كلها ، وهو الذى يصنع المعانى.
تقول إن قضيتك الأولى الآن هى اللغة والهوية.. هل تشعر بالخطر على اللغة العربية الآن ؟
عندى تجربة 3 أشهر أراقب اللغة التى يستخدمها الناس فى تويتر، وألاحظ أنها فى أكثر من 90 % هى لغة فصيحة، يشوبها بعض الأخطاء النحوية والإملائية، وهذه أمرها بسيط ، ولكن على مستوى صناعة المفردة وصناعة الجملة سنجدها لغة عربية فصيحة، وهى اللغة العربية اليومية المحكية، لغة التداول اليومى ، ولكنها بشروط الفصحى وبقيم الفصحى وبأساليب الفصحى، ولا أرى خطرا على لغة الضاد ، بل بالعكس أرى أنها تزدهر وتنمو وتتسع دوائرها .
الحداثة حداثات.. فما النموذج الإبداعى للحداثة العربية ؟
الحداثة العربية أنتجت على المستوى الإبداعى منجزات ضخمة، ولكن سلبياتها أنها لم تنجز شيئا على المستوى السياسى ولا الاقتصادى، والحداثة فى هذه المجالات فقيرة جدا ، أو غير موجودة أصلا، وإنجازاتها فى الإبداع الشعرى على وجه التحديد، وفى الخطاب النقدى والنظريات النقدية، أما ما عدا ذلك فلا نجد شيئا ذا قيمة .
يرى البعض أن الثقافة العربية تعرضت للتغريب ولا تزال ؟
أعتقد أن هذا كلام سخيف جدا، فى العلم والمعرفة لا يوجد تغريب ولا تشريق، الفكر الإنسانى هو فكر إنسانى سواء جاء من الغرب أو الشرق، المعرفة لا شأن لها بالحدود الجغرافية،ولا بالحدود التاريخية، امرؤ القيس يعبر إلينا عبر الزمان والمكان، وكذلك شكسبير، وعندما أقرأ روايات غربية لماركيز وغيره من الهند أو اليابان والصين أو أمريكا الجنوبية، أو بريطانيا القديمة، أو عندما أقرأ هوجو أو جوته ، أشعر أننى أتعامل مع نفسي، وكأنه واحد منا لاسيما فى كتاب جوته( الديوان الشرقى للمؤلف الغربي)تحدث عن الخيمة والجمل والصحراء والبدوى والشيرازى تحدث عن القرآن والرسول وعن الإسلام، تحدث عن كل هذه الأمور كأنه منا ، لأنه ترحل بعقله وروحه عبر الزمان والمكان إلى الشرق. إذن القول بالتغريب حماقة ثقافية وكلام بعيد عن الحكمة، وبعيد عن التدقيق المعرفى، وأنت إذا كنت ضعيفا سيأكلك حتى الذباب، وأبو ريشة له بيت جميل يقول فيه: لا يلام الذئب فى عدوانه... إن يك الراعى عدو الغنم.
لك موقف مشهود مع الملك عبد الله يوم أن كان وليا للعهد، طالبت فيه بتغيير مناهج التعليم التى لا تؤدى إلا إلى التخلف.. هل ما زلت ترى ضرورة لتغيير المناهج؟
أنا مع ضرورة تغيير كل شيء، السياسة والاقتصاد والتعليم، أنا نفسى أغير نفسى ، وتحولت من النقد الأدبى إلى النقد الثقافي، إذا لم نتغير مع شروط الزمن، فسيمضى ويتركنا خلفه. لذلك لابد أن نعى المتغيرات ونسير بنفس درجة سرعتها .
كيف ترى قيمة الثقافة العربية الآن عالميا؟
فى (وول ستريت) كانوا يرفعون شعار (الشعب يريد تغيير النظام) وباللغة العربية نطقوها، فالعالم يتطلع إلى الربيع العربى، ويجعله مثالا فى التغيير وفى الإرادة، هذه أول مرة فى العصر الحديث يكون للعرب دور قيادي، ففى السابق كنا نأتى فى كل أمر فى الصفوف اللاحقة، (سواء فى كرة القدم، الفن التشكيلي، الموسيقى، الصناعة، التكنولوجيا). الربيع العربى جعل لنا رمزية ثقافية على المستوى العالمي، وهذا ليس إنجازا على مستوى القاهرة وتونس وحمص فقط ، ولكن على مستوى الضمير الإنساني، مثلما نتكلم عن مانديلا وغاندى ومارتن لوثر كنج، يضاف لهم (الربيع العربى) لذلك هذه إنجازت، وفى اليمن حصلت فتاة يمنية على نوبل بسبب الربيع العربى. وكلمة الربيع العربى فى كل مكان فى العواصم العربية وفى الدوائر الثقافية العالمية تتردد بمعنى عال وكبير جدا، حتى إنها ترعب الأعداء، فإسرائيل مرعوبة من الربيع العربي، والصين مرعوبة من أن يحدث عندها شىء مماثل، روسيا تقف مع الأسد ووقفت مع القذافى، لأنها تخشى أن يأتيها الربيع العربي. الربيع العربى مخيف، لأنه فاعل وإيجابى ومؤثر ويحرك الصخور ويزحزح الجبال، فهذه رمزية ثقافية ليس عادية الآن.
لماذا اتجهت لكتابة مقالة أسبوعية فى صحيفة سبق الإلكترونية ؟
أعتبر هذا جزءا من الالتزام الأخلاقى والثقافى، فمنذ أن طرحت كتابى (الثقافة التليفزيونية.. سقوط النخبة وبروز الشعبى) قبل 6 سنوات وأنا أسأل نفسى: إذا كنت صادقا فى اعتقادى أن الثقافة الآن هى ثقافة الشعب، وليست ثقافة النخبة، إذن ما بالى مستمرا فى الكتابة فى الصحف الورقية النخبوية؟ وجاءت لحظة قررت الدخول فى تويتر ، واتصلت فى الوقت ذاته بصحيفة سبق ، وقلت لهم إننى سأكتب عندكم مقالا أسبوعيا، وكانوا يفكرون فى استكتابى قبلها ،ولكنهم كانوا يعتبرون كتابتى عندهم من المستحيلات، ولكننى فاجأتهم، وتجربتى عندهم ناجحة جدا، ومقالى الأول قرأه أكثر من 60 ألف قارئ، وهذا رقم كبير جدا مقارنة بالصحف الورقية.
ماذا تعنى لك هذه الأسماء : المتنبى، طه حسين،عبد الرحمن منيف،أدونيس؟
المتنبى: مبدع عظيم وشحاذ عظيم. طه حسين: الأعمى البصير . عبد الرحمن منيف: روائى متوسط، ولكننى أتعاطف معه كثيرا على المستوى الوطنى والسياسى، ويغضبون منى فى تعاطفى معه. أدونيس: يمثل الحداثة الرجعية.
ألا يشعر ناقد حداثى كبير مثل الغذامى بالغربة وسط المجتمع السعودى المحافظ ؟ لا، أى إنسان يريد أن يجعل من نفسه جسرا للآخرين، ويجعل لنفسه قيمة ثقافية ومعرفية يجب أن يعيش مع أهله ومع زمانه، وطه حسين كان فى حقيقته الداخلية مختلفا مع مجتمعه، ولكنه اندمج مع المجتمع ، وعاش فيه وعمل بوظائف رسمية، وألف وأبدع ، وأعتقد أن الاندماج مع المجتمع شرط من شروط المثقف الصادق . برأيك ما أبرز آفات الفكر العربى؟ أعطيك فقط مثالا واحدا، عندما يقول عبد الله القصيمى (العرب ظاهرة صوتية) ويجاريه الآلاف والملايين من الشباب العربى، ويرددون هذه المقولة، دون أن يدركوا أنها مقولة غبية، لأن مشكلة العرب كانت فى أنهم ظاهرة خرساء. فمشكلة الفكر العربى فى إعطاء مقولات رنانة بلاغية، ولكنها غبية، ودلالتها غبية، ويتابعها الملايين، هنا المعضلة الحقيقية .
أى الغذامين أخلد: المثقف أم الأكاديمى؟
بصرف النظر عن الخلود من عدمه، فالجانب الأكاديمى هو الأضعف عادة فى أى قيمة معرفية، لأنه نخبوي، بين جدران مغلقة ، ضيق الحدود، بينما المثقف يدخل إلى الجماهير من أوسع الابواب ، فمثلا أنا عرفت طه حسين ليس لأنى درست عنده، وليس لأنى كنت فى جامعة القاهرة، ولا لأنى عشت فى مصر، وعرفته على كل هذه المسافات البعيدة ليس بسبب أنه أكاديمى ، ولكن عرفت طه حسين المثقف. وهذا هو الفرق. ماذا عن عبد الله الغذامى الإنسان.. فلسفتك فى الحياة ؟ أهم شيء أن أكون صادقا مع من هو أنا، الذى عندى لا أخفيه، فأحيانا أقول إننى لا أملك الحكمة التى يملكها بعض الناس حينما يستعمل الدبلوماسية والدهاء، والتخطيط، فليس عندى دهاء ولا دبلوماسية ولا حكمة، عندى أن الذى فى داخلى أقوله، وأدفع ثمنه مقابل ذلك، وقاعدتى دائما (قل رأيك ولاتبال شريطة أن تقول : هو رأيى أعرضه ولا أفرضه).
ما الذى يغضبك؟
يغضبنى الادعاء، أن يزعم إنسان أنه ديمقراطى وتجده إقصائيا، أن يقول بالحرية، لكنه يريد حرية لنفسه، ولا يريد أن يمنح للآخرين حريتهم . وقد ألقيت محاضرة بعنوان (الليبرالية الموشومة) بمعنى الليبرالى الذى ليس ليبراليا، الذى يكذب ويسمى نفسه ليبراليا وهو فى حقيقته ليس ليبراليا، يريد حرية خاصة له ولكنه لا يمنحها لغيره،خاصة لمخالفيه والمختلفين معه ، ويريد أن يقمعهم، أى ليبرالية هذه، هذه كذب وتزييف ، لذلك فهى ليبرالية موشومة .
متى تبكى؟!
أبكى كثيرا ، عندما توفيت والدتي، وعندما توفى أصدقائى الأقربون، وعندما توفى محمود درويش . أحيانا تبكينى كلمة طيبة عميقة، وأحيانا أبكى من موقف شرس مؤذ وقذر جدا لأنه يشعرنى بموت الإنسانية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.