وزراة الداخلية تقرر حرمان فلسطينيتن من الحصول على الجنسية المصرية    محافظ البحيرة: إقبال كثيف من الناخبين يؤكد وعي المواطنين بأهمية المشاركة    رئيس جامعة المنصورة: قفزات نوعية في التصنيفات العالمية    مجلس النواب يستقبل الأعضاء الجدد لاستخراج كارنيهات العضوية    في اليوم العالمي للغة برايل.. توزيع 2000 جهاز لاب توب مزود ببرامج خاصة لدعم الطلاب المكفوفين بالجامعات.. وصرف منح دراسية شهرية لأصحاب البصيرة    مجلس الشيوخ يبدأ مناقشة تعديلات قانون الضريبة على العقارات    صور| الطماطم ب10 جنيهات والسمك ب25 جنيها.. منافذ مخفضة بالوادي الجديد    وزير النقل يتفقد المرحلة الأولى من الخط الرابع لمترو الأنفاق    عاجل/ سعر الدولار الأمريكي بمنتصف تعاملات اليوم الأحد 4 يناير 2026    كلية طب قصر العيني تضع سياسة استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الإكلينيكية والبحث العلمي    القابضة للنقل ترفض بيع حصتها في الإسكندرية لتداول الحاويات    عاجل- «الجارديان»: خيام النازحين في غزة لا تصمد أمام «البرد القارس»    وزير الدفاع الأمريكي: واشنطن عادت.. ومادورو اعتقل بطريقة منسقة وجريئة    عاجل- ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 71 ألفًا و386 شهيدًا منذ 7 أكتوبر 2023    عاجل- جواسيس ونسخة طبق الأصل من منزل الرئيس.. كيف تم اعتقال مادورو من غرفة نومه؟    أمم إفريقيا: مدرب مالي: تعاملنا بذكاء أمام تونس رغم النقص العددي    وكيله: حامد حمدان اختار بيراميدز من أجل الاستقرار وليس المال    كونسيساو: لاعبو اتحاد جدة بدأوا استعياب طريقتي    الأرصاد تحذر من تكون الصقيع على المحاصيل الزراعية    انتداب الطب الشرعي لتشريح خفير قتل على يد شقيقه بطوخ    طالبة فقدت وعيها 7 ساعات، إحالة 4 مسئولين بمدرسة في الغربية للمحاكمة بسبب الإهمال    الليلة.. "الملك لير" يحتفل بمرور 100 ليلة عرض على خشبة القومي    من الذاكرة إلى المستقبل.. قراءة يقدّمها المركز القومي للترجمة في التراث وقوته المستدامة    مايلي سايرس تحصد جائزة الإنجاز المتميز عن أغنية فيلم AVATAR: FIRE AND ASH    بعد نقل تبعيته، وكيل الصحة بالإسماعيلية تتفقد انتظام العمل بمستشفى التل الكبير (صور)    سعر الريال السعودى مقابل الجنيه اليوم الأحد 4-1-2026    ترامب: ديلسي رودريجيز أدت اليمين الدستورية رئيسة مؤقتة لفنزويلا    وزارة «التضامن» تقر قيد 6 جمعيات في 4 محافظات    عاجل| هؤلاء الموظفون محرومون من إجازة عيد الميلاد المجيد 2026    صدمة في أسعار الذهب في بداية تعاملات الأحد 4 يناير 2026 بعد ارتفاعات الأمس    «الشروق» تكشف ملامح تشكيل المنتخب أمام بنين    جائزة ساويرس الثقافية تعلن تفاصيل حفل نسختها الحادية والعشرين    بزيادة 25% لفناني الورشة الرئيسية اليوم.. انطلاق الدورة الثلاثين لسيمبوزيوم أسوان الدولي للنحت    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    شوبير: الأهلي يبحث عن مهاجم تحت السن.. وجلسة فى الزمالك مع محمود بنتايج    الصحة: تنفيذ برنامج تدريبي مكثف لاعتماد مستشفيات الصحة النفسية    يا زمالك مايهزك ريح    مصرع شابين إثر حادث سيارة بالطريق السريع في الحوامدية    «الداخلية» تقرر السماح ل 122 مواطنًا مصريًا بالحصول على جنسيات أجنبية    ماذا قرأ المصريون فى 2025؟    طوابع البريد تشعل أزمات سياسية وثقافية ودينية    عقر كلب يُصيب 4 صغار بسوهاج.. مطالب عاجلة بالتدخل وحماية الأهالي    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    قافلة «زاد العزة» ال108 تدخل إلى الفلسطينيين في قطاع غزة    الأوقاف 2026.. خطة بناء الوعى الدينى ومواجهة التطرف بالقوة الناعمة    اليوم.. نظر محاكمة 6 متهمين بخلية داعش السلام    ليست المرة الأولى.. فاركو يشكو حمادة القلاوي    بصوت نانسي عجرم... أغنية جديدة تُشعل عالم الطفولة في «بطل الدلافين»    إسماعيل شرف يكشف معركته الصعبة مع الورم الخبيث: "كنت على حافة الموت"    صور.. لقطات مهينة تظهر مادورو وزوجته داخل مبنى مكافحة المخدرات في نيويورك    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    الأرصاد: طقس شتوي بامتياز الأسبوع الجاري.. وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة ليلًا    لماذا يفضّل الرياضيون التمر؟    عيادة أسبوعية متخصصة لجراحة الأطفال بمستشفى نجع حمادي    نتيجة مباراة إسبانيول ضد برشلونة في الدوري الإسباني    برشلونة يحسم ديربي كتالونيا أمام إسبانيول ويعزز صدارته للدوري الإسباني    غدًا..«بيت الزكاة والصدقات» يبدأ صرف إعانة شهر يناير 2026م للمستحقين بجميع المحافظات    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كلمة أخيرة عن الانتخابات البرلمانية
نشر في الأهرام اليومي يوم 10 - 12 - 2010

لم يكن ممكنا أن نقلب الصفحة ونذهب إلي موضوعات أخري وهناك كل هذا الغضب من القراء علي مقالاتي الأخيرة تعليقا علي الانتخابات النيابية والتي علي كثرتها خلت من تعليق إيجابي واحد‏.‏ صحيح أن هؤلاء يمثلون شريحة محدودة من الشعب المصري الذين ينتمون إلي الطبقة الوسطي المصرية التي تمتلك الكمبيوتر‏,‏ ولديها من الدافع لكي تعلق علي ما هو مكتوب سواء باللغة العربية أو الإنجليزية‏,‏ إلا أنها شريحة تتمتع بالإيجابية والحيوية الشديدة‏.‏ وللحق فإنهم لم يكونوا وحدهم الذين أتوا بهذه التعليقات‏,‏ بل شاركهم فيها جمع من الزملاء الذين يعتزون بي وأعتز بهم‏.‏ ولذلك كانت هذه الكلمة الأخيرة ضرورية حتي نضع الأمور كلها في نصابها‏,‏ ويتحمل الجميع مسئولياتهم من الكاتب إلي القارئ إلي الزميل في العمل الصحفي والسياسي‏.‏
وبصراحة كاملة إن المبدأ الرئيسي الذي اعتمدته في حياتي الفكرية والسياسية هو أنه لا خير في الإنسان ما لم يقل الحقيقة التي يعتقد فيها استنادا بالطبع إلي شواهد وبراهين كما أنه لا خير في الجمهور ما لم يستمعوا أو يقرأوا ما طرح‏.‏ ويكون ذلك أكثر من الضروري عندما تسود حالة من التفكير الجماعي تسيطر علي النخبة وتمنعها من قبول كل ما هو خارج عليها بينما ترحب بكل من يعطيها ما يؤكد ما توافقت عليه وبدا وكأنه الحقيقة المقدسة‏.‏ وفي أواخر السبعينيات من القرن الماضي شاع كتاب في علم السياسة عنوانه ضحايا التفكير الجماعي أو‏VictimsofGroupThink‏ لمؤلفه أرفينج جانيس الذي كان أحد دارسي العلاقات الدولية المرموقين‏.‏ هذه النوعية من التفكير الجماعي لها أصول في علم الاجتماع السياسي حول الظواهر الجماهيرية والكيفية التي ينتشر بها العنف والخوف في المجتمع‏.‏
شيء من هذا يجري الآن فيما يتعلق بالانتخابات المصرية الأخيرة من أجل انتخاب أعضاء مجلس الشعب حيث تكونت عقيدة واسعة لدي قطاع من النخبة بأن هذه الانتخابات زورت نتيجة الفوز الكاسح للحزب الوطني الديمقراطي‏,‏ والسحق الانتخابي الذي جري لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة‏,‏ والتواضع في النتائج التي حصلت عليها الأحزاب المدنية مثل الوفد والتجمع وغيرهما وهم الذين اعتقدوا بإمكانية الحصول علي عدد كبير من المقاعد‏.‏ وظهر ذلك في جميع التعليقات التي وردت علي المقالات التي كتبتها‏,‏ حيث لم يتناول أحد أبدا الحجج التي ذكرتها وبعد أن تم حذفها عن عمد لم يبق من حجة إلا أنه لا يجوز لحزب أن يفوز بهذا الاكتساح‏;‏ كما لا يجوز لكاتب عاقل أن يعتقد في ذلك‏,‏ إلا إذا كان متحيزا أو عضوا مباشرا في هذا الحزب‏.‏
ولكن ذلك تحديدا كان هو المفاجأة الكبري للانتخابات التي أصبحت معقولة تماما لأن الحزب الوطني الديمقراطي استعد لهذه المعركة منذ خمس سنوات بطريقة علمية دقيقة تقوم علي الدراسة لجميع الدوائر الانتخابية‏;‏ بينما كانت الأحزاب السياسية المشروعة مشغولة بصراعاتها الداخلية‏,‏ واضطراب حالها بين المقاطعة والمشاركة‏;‏ أما الحزب غير المشروع لجماعة الإخوان المسلمين فلم يتعرض لانقسامات داخلية فقط‏,‏ بل إنه فشل تماما في إصدار برنامج واضح وصريح لدولة مدنية‏,‏ وأكثر من ذلك مارس سياسات‏,‏ وأصدر تصريحات‏,‏ تجعل الحزب يضع الأممية الإسلامية فوق الوطنية المصرية‏.‏ كان هناك حزب موحد له برنامج واضح ودقيق ومفصل بالتكاليف والأثمان والممارسة‏,‏ في مقابل أحزاب تراوحت شعاراتها بين الشدة والعنف حسب درجة تفرغها من الخلافات والانقسامات الداخلية‏.‏
وبالتأكيد لم يكن ذلك غائبا عن أحد من القراء والمعلقين‏,‏ ولكنهم تجاهلوه‏,‏ ولم يتجاهلوا ذلك فقط‏,‏ بل إنهم لم يدركوا أبدا إن كافة التجاوزات‏,‏ والانتهاكات‏,‏ بل حتي تزوير الصناديق جري إدراكه‏,‏ وذكره‏,‏ والتعامل معه‏,‏ من قبل اللجنة العليا للانتخابات والجهاز القضائي المصري وفقا للقانون‏.‏ هذه المخالفات كلها ذكرها القراء والكتاب واحدة بعد أخري وبتفصيل كبير علي سبيل البرهنة والدليل‏,‏ ولكن الغائب دائما والمسكوت عنه كان العدد الكلي للدوائر‏,‏ والعدد الكلي للصناديق الانتخابية‏,‏ وما تم إلغاؤه من دوائر انتخابية‏,‏ وموقع عدد حوادث العنف والتجاوز والتزوير مقارنة بالانتخابات المصرية السابقة منذ عام‏1924‏ حتي اليوم في مقارنة لا يستقيم قبلها أو بعدها ميزان‏.‏ وببساطة فإن الرسائل والمقالات تجاهلت وضع الأمور في نصابها الصحيح في بلد نام لم يعرف رغم كل ما يشاع الكثير من التقاليد الديمقراطية التي تجعله يتصرف في الانتخابات العامة بنفس الطريقة التي يتصرف بها أهل سويسرا أو هولندا أو حتي تركيا‏.‏
قرائي الأعزاء‏,‏ وزملائي الأعزاء أيضا تجاهلوا كل ذلك‏,‏ وبات مطلوبا من الكاتب أن يكون جزءا من التفكير الجماعي الذي لا يتجاهل ذلك كله فقط‏,‏ ولكنه لا يرد في ذهنه ولو لمرة واحدة فقط طرح نفس النوعية من التقييم علي الأحزاب المشاركة في الانتخابات التي ارتكبت أخطاء وخطايا فادحة‏.‏ وفي الحقيقة‏,‏ فإن ذلك يثبت سلامة موقفي منذ وقت بعيد داخل الحزب الوطني الديمقراطي وخارجه في أن الرقابة الخارجية علي الانتخابات كانت هي التي سوف تنقذ مصر‏,‏ والحزب الوطني الديمقراطي خاصة‏,‏ من كل هذه البلبلة حول نزاهة الانتخابات لأن هذه الرقابة تجري كما حدث في بلدان أخري كثيرة بما فيها الولايات المتحدة والدول الغربية بالمناسبة وفق قواعد علمية لا تستبعد أرقاما‏,‏ ولا تقتل تاريخا‏,‏ ولا تستسلم للظواهر الجماهيرية‏,‏ ولا تقع ضحايا للتفكير الجماعي‏,‏ وتخرج الحقيقة بعد ذلك في سياقها وحجمها الصحيح‏.‏ ولكن الحزب الوطني الديمقراطي‏,‏ ومعه بقية الأحزاب الأخري‏,‏ كانوا حريصين علي السيادة المصرية‏,‏ أكثر من حرصهم علي حماية مصر من البلبلة الدورية التي تجري مع كل انتخابات وترفع الحرارة السياسية في البلاد إلي درجة تمنع التوافق علي سياسات مهمة لمستقبل الوطن‏.‏
المدهش في الأمر أن المحافظين بشدة علي السيادة الوطنية لم يزعجهم أبدا الاعتداء علي العفة الكروية المصرية عندما باتت ظاهرة الاستعانة بالحكام الأجانب تقترب من أن تكون هي الأصل بعد أن كانت الاستثناء‏.‏ فقد كان من المعتاد الاستعانة بالتحكيم الأجنبي لإدارة مباراة القمة بين الأهلي والزمالك‏,‏ وفي أحيان أخري يكون الطرف الآخر هو النادي الإسماعيلي سواء في مسابقة الدوري الممتاز أو كأس مصر‏,‏ ثم انضم إليها أطراف أخري في المواجهات الفاصلة مثل الأندية الصاعدة إنبي وطلائع الجيش وحرس الحدود تفاديا لحدوث أي مشكلات‏,‏ حتي لا يتم التشكيك في صحة نتيجة المباراة‏.‏ لكن اللافت للنظر أن بعض الأندية المحلية طالبت بحكام أجانب لإدارة مبارياتها سواء مع النادي الأهلي أو غيره من الأندية العادية‏,‏ لدرجة أن البعض اعتبرها موضة جديدة‏,‏ حيث تزايدت طلبات الأندية للاتحاد المصري لكرة القدم بإرسال طلبات إلي الاتحادات الأوروبية سواء إلي أسبانيا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا وفرنسا وبلجيكا لترشيح حكام‏.‏
ورغم أنه لا يتوافر إحصاء يمكن الاعتماد عليه للتعرف علي مدي الاستعانة بالحكام الأجانب خلال العام‏2010‏ فإن المتابعة الدقيقة لجدول مباريات الدوري العام‏,‏ والكأس‏,‏ سوف تكشف الحقيقة المرة التي لم يجد فيها أحد غضاضة لأسباب معروفة للحفاظ علي الأمن العام أو لمجرد الحفاظ علي نزاهة المباريات الرياضية‏.‏ وكانت الحال كذلك أيضا فيما يخص عمليات اقتصادية قبلت فيها مصر التحكيم أمام محاكم أجنبية لضمان العدالة والتأكد من النزاهة والعفة الاقتصادية بذات القدر الذي يجري فيه الحفاظ علي الشرف الكروي‏.‏
وفي يقيني أن الحزب الوطني الديمقراطي كان سيخرج مرفوع الراية في حالة المتابعة الأجنبية للانتخابات العامة لأن مشهد الأحزاب السياسية كان واهنا بصفة عامة‏,‏ ودخلت الانتخابات كما لو أنها لم تكن تعرف بحدوثها من الأصل‏.‏ والمرجح أن الحالة الحالية من الغضب الشديد لدي الأحزاب‏,‏ والضوضاء الإعلامية حول تزوير الانتخابات تجري بمثل هذا الحماس للتغطية علي الأخطاء الفادحة التي وقعت فيها الأحزاب السياسية وقياداتها‏,‏ ولتفادي ما هو واجب عليها من ضرورة الإصلاح الجذري الذي سار عليه الحزب الوطني الديمقراطي الذي فعل من قواعده الحزبية وجذب الشباب إليه‏,‏ وجعل جماهيره أكثر معرفة بالمستقبل الذي يقودهم إليه الحزب من خلال برنامج واضح يمكن القياس والمراجعة عليه‏.‏
وفي مقال آخر بالأهرام صيد سمكة القرش تناولت حالة جماعة الإخوان المحظورة‏.‏ وهذه المرة فإن الأحزاب السياسية الشرعية هي موضوعنا‏,‏ وموضوع أسفنا أيضا لأنه كان منوطا بها أن تقيم النظام السياسي المصري علي قدميه ما بين الحكومة والمعارضة والأغلبية والأقلية‏.‏ ووسط ذلك كله فإن لحزب الوفد مكانة خاصة بحكم التاريخ‏,‏ والقدرات المالية والإعلامية خاصة بعد قيادة الدكتور السيد البدوي له فضلا عن الاعتدال السياسي والخلفية الليبرالية الفكرية‏.‏ ولا أستبعد من الأمر بعدا شخصيا يميل إلي المسار التاريخي الليبرالي لحزب الوفد‏,‏ ووجود أصدقاء أعزاء فيه‏,‏ ولكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الحزب سار في منحني من التراجع رغم عودته المبشرة في مطلع الثمانينيات‏.‏
فقد حصل حزب الوفد في انتخابات‏1984‏ علي‏50‏ مقعدا‏,‏ وهي أعلي نسبة مقاعد يحصدها الحزب منذ العودة إلي التعددية الحزبية في منتصف السبعينيات‏,‏ ولم يكن ذلك عائدا إلي نشاطه وحيويته فقط بقدر ما عاد إلي تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانونا‏,‏ ولم يكن هناك حزب إلي جانب الحزب الوطني الديمقراطي يحظي بتمثيل في هذا البرلمان‏.‏ وقد أدي التحالف الذي جمع الإخوان بالوفد إلي حدوث خلافات داخلية في الحزب نتيجة الفجوة الشاسعة في التصورات الفكرية والتوجهات السياسية لكل منهما‏,‏ فالوفد يؤمن بالدولة المدنية الحديثة وهو ما يتعارض مع الفكر الإخواني القائم علي الخلط بين الدين والدولة‏,‏ وهو ما أدي في مرحلة لاحقة إلي تفكك هذا التحالف‏,‏ ولكن الثمن كان شكا كبيرا لا يزال الحزب يعاني منه في مدي الإخلاص لمبادئ الوفد التاريخية‏.‏
وفي انتخابات‏1987‏ حصل حزب الوفد علي‏36‏ مقعدا‏,‏ وقاطع انتخابات‏1990‏ ثم دفع ثمن المقاطعة غاليا في انتخابات‏1995‏ حيث حصل علي ستة مقاعد‏.‏ وفي انتخابات‏2000‏ حصل الوفد علي سبعة مقاعد وفي انتخابات‏2005‏ حصل الحزب علي ستة مقاعد‏,‏ وأخيرا حصل علي ستة مقاعد في انتخابات‏2010‏ ومعني ذلك أن الحزب لم يخرج في الانتخابات الحالية علي نتائج تختلف عما اعتاد الحصول عليه في الانتخابات الثلاثة الأخيرة‏.‏
وربما كان ممكنا للحزب أن يخرج عن تقاليده في الانتخابات التشريعية‏,‏ ويرفع من عدد مقاعده في مجلس الشعب‏,‏ لولا وجود حالة من السيولة في الانتماءات للحزب حتي بين أبرز أعضائه‏.‏ وعلي سبيل المثال فقد انتمت الدكتورة مني مكرم عبيد رئيس لجنة الشئون الخارجية بحزب الوفد إلي الحزب فترة تصل إلي‏9‏ أعوام في عهد السيد فؤاد سراج الدين‏,‏ لكنها استقالت في عام‏1990‏ وخرجت عن إجماع الحزب ثم قدمت استقالتها لكي تحصل علي مقعد في مجلس الشعب في الدورة البرلمانية‏(1990‏ 1995)‏ ضمن العشرة الذين يعينهم رئيس الجمهورية‏.‏ وفي نوفمبر‏2004‏ وبعد أن خرجت من قائمة التعيين في مجلس الشعب‏,‏ وجدت لنفسها مسارا آخر تحت راية حزب الغد‏,‏ وانتخبت الدكتورة مني مكرم عبيد سكرتيرا عاما للحزب وترأست الحزب بعد إلقاء القبض علي رئيسه الدكتور أيمن نور‏,‏ ثم استقالت من منصبها في مايو‏2005‏ وانضمت إخيرا إلي حزب الوفد‏,‏ حيث ترشحت علي قائمته في الانتخابات علي مقعد الكوتا في دائرة القليوبية‏,‏ رغم أنها تترشح دوما في دائرة شبرا‏.‏ مثل هذه الدورة بين الأحزاب والمواقع لم تكن لتقنع كثيرا ناخبين جددا يفشل المرشح أو المرشحة أمامهم في التعرف علي أسماء القري والمراكز التي سوف يمثلها في البرلمان‏.‏ وكان ذلك حادثا في مواجهة مرشحين متمرسين في معرفة أبعاد الدائرة وعائلاتها وأركانها الاقتصادية والاجتماعية وجرت لهم استطلاعات للرأي العام كانت تعرف توجهات الناخبين شارعا بعد شارع‏,‏ وأكثر من ذلك كان لديهم برنامج تفصيلي ليس فقط علي المستوي القومي‏,‏ وإنما أكثر من ذلك تفصيلا علي المستوي المحلي‏.‏
والحقيقة أن خطأ كبيرا حدث من قيادة حزب الوفد عندما بدت متعجلة للغاية في حشد أعداد كبيرة من الشخصيات لم يكن لهم صلات مباشرة بالحزب قبل وقت قريب‏.‏ فبعد يوم واحد من تقديم الاستقالة من عضوية ومنصب الأمين العام لحزب الجبهة الديمقراطية‏,‏ انضمت السيدة مارجريت عازر إلي حزب الوفد في نوفمبر‏2010‏ وذلك علي خلفية التباينات الحادة التي نشبت داخل الحزب بين الدكتور أسامة الغزالي حرب رئيس الحزب‏,‏ وتيار الإصلاح الذي تقدمته السكرتير العام مارجريت عازر‏.‏ فضلا عن ذلك‏,‏ بدت أن هناك حملة لانضمام عدد من الفنانين والرياضيين والمثقفين للوفد دون أن يتوافر لديهم اهتمام كاف سواء بمبادئ الوفد أو هموم السياسة أو آليات التواصل مع الجماهير‏.‏
وربما لم يكن سرا علي أحد أن السيدة الفاضلة والممثلة القديرة سميرة أحمد قد ألمحت إلي الحزب الوطني الديمقراطي لترشيحها في الانتخابات‏,‏ وبعد أن حصلت علي اعتذار رقيق بأن الحزب كان له أسلوبه الديمقراطي في اختيار مرشحيه يقوم علي الانتخابات التمهيدية واستطلاعات الرأي العام والمجمع الانتخابي وهو ما لم يحدث في أي من الأحزاب الأخري فإنها تحولت إلي حزب الوفد لكي يتم ترشيحها في دائرة تبعد تماما عن موطنها السكني‏,‏ ونشاطها الاجتماعي‏,‏ فضلا عن أنه لم يكن لديها نشاط سياسي يزيد علي ما كان موجودا في أفلامها المتميزة‏.‏ وبلغ التعجل بالحزب مبلغه أنه أعلن عن تقدمه بترشيح‏222‏ مرشحا للانتخابات للتدليل علي اتساع نطاق التأثير للحزب وقدراته التنظيمية‏,‏ وإذا بالواقع الفعلي الذي أعلنته اللجنة العليا للانتخابات في النهاية أن عدد المرشحين عن الحزب العريق أصبح فجأة‏186‏ مرشحا‏.‏
والحقيقة أن ثمة تفسيرات عديدة للخسارة الكبيرة التي منيت بها الأحزاب المدنية في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة لاسيما حزب الوفد‏.‏
أولها‏,‏ عدم التحضير الجيد للانتخابات من خلال الاستعداد المبكر لها ودراسة طبيعة وظروف الدوائر التي تقدم مرشحو الأحزاب للترشيح فيها من خلال إجراء استطلاعات رأي‏,‏ علي سبيل المثال‏,‏ وتبين فرص المرشحين في الفوز في هذه الدوائر علي عكس ما قام به الحزب الوطني‏.‏ وقد كان تقدم بعض المرشحين علي قائمة العديد من الأحزاب في دوائر غير التي يقطنونها سببا مهما فيما آلت إليه نتائج الانتخابات‏,‏ علي نحو ما يتضح جليا في حالة الأستاذ منير فخري عبد النور الذي ترشح في دائرة جرجا‏,‏ وكان يفترض ترشحه في الدائرة التي مثلها ويعرفها جيدا وهي دائرة الوايلي‏.‏
وثانيها‏,‏ الخلافات العميقة التي تعصف ببعض هذه الأحزاب وعلي رأسها حزب الوفد‏,‏ خصوصا في ظل افتقاده الشخصية الكاريزمية التي تستطيع جمع كل الأجنحة والتيارات داخل الحزب تحت لوائها‏.‏ فعلي سبيل المثال‏,‏ لم يؤد الفوز الذي حققه الدكتور السيد البدوي في انتخابات رئاسة الحزب التي جرت في مايو‏2010,‏ علي رئيس الحزب السابق محمود أباظة‏,‏ إلي تقليص حدة الخلافات داخل الحزب‏,‏ إذ سرعان ما نشبت الخلافات مرة أخري بين جبهة الدكتور البدوي وجبهة محمود أباظة‏,‏ حول تعديل لائحة الحزب التي طالب بها الدكتور البدوي‏,‏ حيث أكد أن التعديلات التي أدخلت عليها في عام‏2006‏ لم تكن كافية‏.‏
وثالثها أن هذه الأحزاب‏,‏ بما فيها حزب الوفد‏,‏ لم تميز ما بين النجومية الإعلامية التي يمكن أن تتمتع بها ممثلة قديرة مثل السيدة سميرة أحمد‏,‏ أو لاعب ماهر وإعلامي قدير مثل طاهر أبوزيد‏,‏ والقدرة علي خدمة دائرة بعينها فكان الفشل حليفهما‏.‏ ورابعها أن الأحزاب المدنية‏,‏ لم يكن لديها إدراك كامل بالطبيعة المحلية والإقليمية للانتخابات التشريعية بمعني أن لها علاقة مباشرة بمشاكل وقضايا وتركيبات اجتماعية واقتصادية لصيقة بالدائرة الانتخابية‏.‏ وقد ساهم الإعلام الخاص والمستقل والناطق باللغة العربية من محطات عربية أو أجنبية في هذا الفهم الخاطئ للانتخابات‏,‏ فمادام للمرشح حيثية في برامج المساء‏,‏ وماهرا في الحديث عن الفساد وزيادة الأسعار وغياب دور مصر الإقليمي‏,‏ فإنه لا بد بالضرورة سوف يحصل علي شعبية طاغية في دائرته الانتخابية التي كان عليها في كل الأحوال أن تطرح علي نفسها السؤال‏:‏ هل هي من حيث المدارس والمستشفيات والبنية الأساسية أفضل حالا مما كانت عليه منذ خمس سنوات أم لا‏,‏ وهل يستطيع هذا المرشح أو ذاك أن يعطيها ما هو أفضل؟
هذه كلمة أخيرة بالنسبة للانتخابات العامة الأخيرة‏,‏ ولكنها بالتأكيد ليست كلمة أخيرة في إصلاح السياسة المصرية التي تحتاج كلها لمراجعة تخص الأحزاب السياسية بما فيها الحزب الوطني حتي بما فيها حركة الإخوان المسلمين‏.‏ ولكن حتي تكون هذه المراجعة مجدية فإننا نحتاج قدرا كبيرا من الشجاعة حتي نخرج علي القوالب المحفوظة للسياسة المصرية‏.‏ وهذا حديث سوف يطول والكلمة الأخيرة فيه لا تزال بعيدة‏!.‏
[email protected]
المزيد من مقالات د.عبد المنعم سعيد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.