التعليم الرقمى إذا جازت تسميته بذلك تم ترديده، نتيجة الاعتماد على شبكة المعلومات وبرامج الحاسوب كمنظومة تعليم، أكثر منه مصدر معلومات مُعالجة رقميّا لتحل محل تلك المُحرّرة فى الكتب وخلافه ورقيّا، مما قد يطرح تساؤلا تجاه مدى موضوعية هذا المسمى وتبعياته، ذلك لأن روح وهوية منظومة التعليم والتعلم إنسانية، وتتمحور حول المعلم، باعتباره روح العملية التعليمية، ولا أُبالغ فى التشبيه إذا تصورنا إمكانية تبادل وقيام حب حقيقى بين البشر (رقميا)، فحينئذ سيكون ممكنا حدوث تعلم حقيقى (رقميا)، والواقع أن التقنية الرقمية يسّرت لوزارة التربية والتعلبم إنشاء بنك رقمى للمعلومات، كإحدى الوسائل التعليمية المتاحة للمعلم والمتعلم، أكثر منه منظومة تعليم، وهو ما ينبغى مراعاته حرصا على نفوس وعقول التلاميذ، ومقومات تشكيل عقول طلاب الجامعات . ويعرف المفهوم التربوى للتعليم العام بأنه منظومة إعداد ذات التلميذ لتكتسب السجايا الإنسانية السوية، تزامنا مع اكتسابه معارف علمية وإنسانية منتقاة، وذلك من خلال تواصله المباشر مع دفء عبارات المدرس، وما أعده من وسائل تعليمية رقمية وغير رقمية ذات معنى ونغم، وأُشدد هنا على حتمية التزامن بين اكتساب التلميذ السجايا الإنسانية (ثقافة)، واكتسابه المعارف (تعليم)، لأن الآلية العقلية لاستيعاب، ولتخزين المعارف واستدعائها لاستخدامها عند الحاجة إليها، تُنشطها وتُوجهها سجايا حسية ثقافية (انطباع، أو صُور عقلية)، أكثر منها مهارات علمية (تأويل وتحليل)، وهو ما لا يوفره التواصل المجرد مع التقنيات الرقمية لافتقارها إلى روح الإنسان. إن نوع تقنية الإشارات العصبية فى المخ خلال تعلّم المعارف واكتساب المشاعر، تضاهى «التقنية التناظرية» فى الدوائر الكهربائية (لثراء صورها) أكثر منها مع «التقنية الرقمية»، وعليه يمكن اجتهادا استخلاص أن تعلّم نفس وعقل التلميذ السجايا الإنسانية والمعارف طوال سنوات التعليم قبل الجامعى لإتمام بناء عقله واكتسابه آليات التعليم والتعلم، يتحقق بمواقف تعليمية (حصص، ودروس) يشيع فيها ثراء التصوّر العقلى والدفء العاطفى على مبدأ التلقين أو المعلومة المجردة، وهذا يعنى أن مصطلح التعليم الرقمى يتعذر اعتباره منظومة تعليم بالمفهوم التربوى لأن حقيقة دور التقنية الرقمية فى التعليم، أنها مجرد وسيلة يستخدمها المعلم لتيسيرالتعلّم له ولتلاميذه، وقد يصاحب الإفراط فى استخدامها تنامى مشاعر ذاتية سلبية فى نفوس الدارسين لا تتناغم ومتطلبات نماء النوازع الإنسانية الأصيلة كهدف أصيل للتعليم، ويجدر التنويه هنا إلى دور الأنشطة المدرسية الفنية والرياضية فى تعويض التبعيات الوجدانية السلبية نتيجة الإفراط فى استخدام التقنيات الرقمية فى التعليم. إن التعليم الجامعى يهدف إلى تشكيل عقل الطلاب الذى يُفترض أنه تم إستكمال بنائه تربويا خلال مرحلة التعليم قبل الجامعى(إيجابيا أو سلبيا) واكتسب الطالب وجدانا وعادات وقيما تساعده على استيعاب وتأصيل المعارف الخاصة بفرع من فروع المعارف العليا، إنسانية أو علمية، رقمية أو غير رقمية، وتخزينها واسترجاعها لاستخدامها فى حياته المستقبلية مهنيا وثقافيا.. وقد أثبت واقع استخدام التقنيات الرقمية فى إمتحانات الجامعات الحكومية، وكذلك مسلك الطلاب فى التعامل مع تلك الختبارات الرقمية أن مردودها الإدارى أكثر إيجابية من عائدها التعليمى، وهذا منعطف جامعى آمل أن ينال الاعتبار الموضوعى. د. محمد عبد الرحمن العبد