شيء مؤسف جدًا، أن يوجه المتحدث العسكرى للجيش الإسرائيلى، إنذارًا عاجلًا لسكان جنوبلبنان بالتوجه «فورًا» إلى الشمال، تمهيدًا للاجتياح البرى للجيش الإسرائيلى، لتدمير قدرات حزب الله، بنفس سيناريو غزة. وأخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس الصواريخ ولا الغارات، بل محاولات جعله ساحة تُدار فيها صراعات الآخرين، وأمامنا تجربة حماس حين قررت تنفيذ هجوم السابع من أكتوبر ضد إسرائيل، كانت النتيجة حربًا مدمرة دفعت سكان غزة ثمنها الأكبر. المغامرة العسكرية ليست بطولة، ولا أحد ينكر أن إسرائيل عدو تاريخى للبنان، ولكن فى السياسة كما الحرب، الحسابات هى التى تصنع الفارق بين خطوة محسوبة ومغامرة مكلفة، وإطلاق الصواريخ فى ظل اشتعال الحرب فى المنطقة يمنح إسرائيل الذريعة التى تنتظرها لتوسيع عدوانها، وتؤكد التجارب السابقة أن الرد الإسرائيلى لا يكون محدودًا، ويصيب البنية التحتية والاقتصاد والناس. ما ذنب اللبنانيين؟.. لبنان يبذل قصارى جهده للتغلب على مشاكله، فهل من المنطق إدخاله فى حرب جديدة؟، وإذا كان حزب الله يعتبر نفسه جزءًا من محور تقوده إيران، فهل يعنى ذلك أن يدفع اللبنانيون ثمن صراع إقليمى لا يتخذون قراره؟.. ليست «المقاومة» الزج ببلد كامل فى مواجهة مفتوحة لحساب إيران وليس لبنان. الدولة اللبنانية الآن أكثر قوة، وتصريحات الرئيس جوزيف عون بضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وموقف رئيس الحكومة نواف سلام بحظر الأنشطة العسكرية للحزب، تعكس إدراكًا لاستعادة هيبة الدولة، ولا يمكن أن يكون قرار الحرب والسلم موزعًا بين مؤسسات رسمية وتنظيم مسلح، مهما كانت شعاراته.. ازدواجية السلاح تعنى ازدواجية القرار، وهذا أخطر ما يهدد أى دولة. امتلاك حزب الله ترسانة أسلحة، لا يعطيه حق اتخاذ قرار الحرب بعيدًا عن الدولة، والقوة العسكرية وحدها لا تمنحه شرعية سياسية، الشرعية تُستمد من الإجماع الوطنى ومن الدستور، وتؤكد حتمية احتواء سلاحه ضمن إطار الدولة، لا لتكريس جيش موازٍ لها. والقرار الآن بين العقل والعاطفة، ولبنان لا يحتمل حربًا جديدة، والبطولة ليست التوريط فى حرب بل فى حماية شعب، وإذا كان الهدف فعلًا حماية لبنان وردع إسرائيل، فذلك يبدأ بتقوية الدولة واقتصادها وجيشها، لا بزجها فى صراعات فى غير صالحها، قد يرى البعض فى موقف حزب الله التزامًا عقائديًا تجاه إيران، لكن الأوطان ليست ساحات وفاء لمحاور خارجية، بل مسئولية تجاه شعب، يريد أن يعيش فى أمان. لبنان لم يعد مشتتًا بين ترسيخ قوة الدولة وهيمنة حزب الله، «القرار واحد والسلاح واحد»، لبنان ليس ساحة مفتوحة لكل الرياح، والتاريخ لا يرحم من يكرر الأخطاء، وتسليم السلاح للدولة لا يعنى التخلى عن حق الدفاع، بل يعنى وضع هذا الحق ضمن إطار وطنى جامع يحمى الجميع. لا يمكن للبنان أن يبقى رهينة حسابات إقليمية، وحمايته تبدأ بتوحيد قراره، لأن أى سلاح خارج إطار الدولة يبقى عبئاً على استقرارها، مهما كانت الشعارات التى يرفعها حزب الله .