تأتى منظومة «الساعات المعتمدة» التى انتهجتها الجامعات الحكومية منذ عشر سنوات اقتداء بما هو متبع فى الجامعات الأمريكية والأوروبية، فى صدارة المسائل الجامعية التى ينبغى تناولها من مختلف جوانبها بعد أن تباينت آراء الجامعيين بشأنها خصوصا، وأن عام 2019هو عام التعليم، وإليكم ما يلي: إن الساعة المعتمدة «وحدة زمنية» لقياس جهد يبذله الطالب لينال الاستحقاق الجامعى للمقرر الذى اختاره فى تواصله أسبوعيا مع المعلم ساعة واحدة على نحو مباشر (محاضرة)، وساعتين (غير مباشر)، مع ما يعده له المعلم داخل قاعة معدة لهذا الغرض (معمل مثلا) أو ثلاث ساعات واجب منزلي، ويتكرر هذا التواصل لمدة 15 أسبوعا، يتخللها فى نصف المدة امتحان (معرفى محدود) لقياس الجهد الذى بذله الطالب، وأرى هذا الوصف يضاهى فى عمومه نسق الجدول الدراسى الأسبوعى المألوف لمادة ما، والموضح فيه عدد الساعات النظري، وكذلك عدد ساعات الدروس العملية الواجب على الطالب حضورها، ولكن لمدة قد تمتد لعام دراسي.. وأرى أنه لا يوجد فرق جوهرى فى «التعلّم» من خلال «وسط التعلّم» لمنظومة الساعات المعتمدة، ومثيله الخاص بالجدول الدراسى المألوف باستثناء أن منظومة الجدول الدراسى المألوف يستمر التواصل «مباشر، وغير مباشر» خلالها مع المعلم أسابيع أطول (مساحة تعلّم أرحب)، ويتم الامتحان بعدة طرق فى كل مواد الفصل الدراسى ضمانا لتكاملها، وليس المادة فقط التى اختارها الطالب» في نهاية المدة. إن انتهاج الجامعات الأمريكية (صاحبة السبق)، والأوروبية (باستثناء بريطانيا وفرنسا)، والآسيوية (باستثناء اليابان)، بالإضافة إلى جامعات فى قارات أخري، ليس سندا مطلقا للمصداقية التربوية لمسألة الساعات المعتمدة التى تستخدم الفترات الزمنية المحددة كمعيار محورى لتخطيط منظومتها التعليمية، كما أنه لا يصلح أيضا حتى مع توافر «المرونة الاجتماعية» و«المرونة التربوية الشكلية» لتلك المنظومة التى تيسر للطلاب حرية اختيار المواد الدراسية وتتابعها، وكذلك إعادة المواد فقط التى رسب فيها الطالب، حيث تمس منظومة الساعات المعتمدة قواعد «التعلّم»، المشتقة من النظريات الراسخة، و يعزز هذا المساس إغفال المراجع التربوية الرائدة عن تناول هذه المنظومة، مع ما يستوجبه تطبيقها من الالتزام بعدد محدد من الطلاب، وتوافر قاعات متعددة، ورحابة وقت أعضاء هيئة التدريس، وتفرغ المرشدين، وكفاءة رقمية للجهاز الإدارى المعاون، وهو ما لا يتوافر بالحد الأدني فى الجامعات الحكومية، الأمر الذي هَمّشَ فاعلية دور فعلي لمنظومة الساعات المعتمدة لتحقيق جودة «التعلّم» داخل هذه الجامعات. - يُوقن الجامعيون ويُدرك غير الجامعيين أن السبب الرئيسى لتواضع مستوى التعليم الجامعى قد جاء نتيجة محدودية تناسب إمكانات الجامعة التعليمية مع أعداد الطلاب أكثر منه بسبب قواعد منظومة التعليم القائمة، وهو ما ينبغى معه لصعوبة واقعية خفض عدد الطلاب القيام بتحليل دقيق موضوعى عما يمكن اتخاذه لزيادة فاعلية الإمكانات المتاحة (المعلم، الوقت، التجهيزات)، قبل اللجوء إلى انتهاج منظومة تعليم أخرى (الساعات المعتمدة مثلا) أملا فى أن تكون قواعدها وفاعليتها أفضل، ذلك لأن آى منظومة تعليم جديدة ستواجه ذات الأسباب التى أدت إلى انحدار مستوى التعليم الجامعى لمنظومة التعليم التى حلّت محلّها، مما سيتعذر معه تحقيق الارتقاء التعليمى المنشود (جودة تعلّم) بعد انتهاج المنظومة الجديدة، وهو ما حدث فعليّا مع منظومة الساعات المعتمدة التى تم إنتهاجُها. إن منظومة الساعات المعتمدة هى «منظومة تعليم حرة» ذات بعد اجتماعي، لتتناغم مع المنظور الأمريكى العام للتعليم (حرية التعلّم) النابع من سجايا وتقاليد وتراث وقيم وثقافة وإمكانات المجتمع الأمريكى متعدد الأعراق، وأعتقد أن ثقافة التعليم العام والجامعى فى مصر، والترهل العددى للطلاب مع تواضع الإمكانات التعليمية الجامعية وراء «شكليّة» انتهاج منظومة الساعات المعتمدة فى الجامعات الحكومية.. إن تطوير التعليم فى جامعاتنا أمر وارد، وعقول مصر قادرة عليه من خلال إعمال عقل جامعى بفكر مجتمعى مصرى حيال ثلاثية التعليم: «حاجة المجتمع، المعلم، وأوساط التعلّم». د. محمد عبدالرحمن العبد طب الإسكندرية