قلم ومسطرة وبعض «المفكات» الصغيرة هى أسلحته، وكمية من الألوان هى زاده فى رحلته التى بدأت منذ عامين، ويتمنى أن تنتهى بتحقيق حلمه بالوصول إلى العالمية، فهذا الشاب بطل قصة اليوم، ولد ضعيف البصر، وكف بصره بصورة نهائية فى الثانية عشرة من عمره، ولكن النور الخارج من بصيرته جعله يرى ويتحرك ويرسم على النحاس، بل وجعله يحلم بأن يكون فنانا عالميا مشهورا، ويسعى لتحقيق حلمه من خلال تطوير موهبته.. إنه الفنان محمد العشرى. تردده على القاهرة بمفرده جعله يعرف تفاصيل شوارعها يتردد محمد كثيرا على محافظة القاهرة قادما من المنصورة، ولم يكن كف بصره حائلا فى يوم من الأيام لركوبه القطار أو «الميكروباص» أو أى وسيلة مواصلات أخرى، كما لم يمنعه من التجول فى شوارع الزمالك حتى يصل إلى متحف محمود مختار أو دار الأوبرا، أو فى منطقة وسط البلد المزدحمة لكى يتمكن من الوصول إلى مركز سعد زعلول الثقافى. وفى مركز سعد زعلول، التقت صفحة «صناع التحدى» محمد (19 عاما) بعد تحديد موعد مسبق، وتبين لنا منذ اللحظة الأولى حبه للرسم على النحاس وإتقانه له، ففى عام 2015 كان مشاركا فى احتفالية بدار الأوبرا المصرية خاصة بالأشخاص ذوى الإعاقة، وسمع عن فن الرسم على النحاس، وسأل عن إمكانية تعليمه للمكفوفين، فعرف أنه أمر صعب ويحتاج إلى تدريب وصبر، فقرر أن يتعلمه، وفى البداية كان يقوم بالرسم مستخدما «اسطمبات» قوالب معدة، لكن مع الوقت أصبح يختار بناء على الفكرة التى تدور فى ذهنه، ثم يقوم بخطوات العمل، وهى إحضار قطعة من الإسفنج أو أى شىء «لين» وليس صلبا ليضع فوقه لوح النحاس لأن ذلك يساعد فى برزو الرسم، بعد ذلك يقوم بتحديد الرسم بقلم «تحديد»، وبعد الانتهاء من الرسم كاملا يحضر «مفكا» صغيرا ويمرره على الرسم لتحسينه، ثم يحضر «مفكا» آخر وظيفته «تقبيب» الرسم أى جعله بارزا، ثم يقوم بتلوينه بألوان مائية وأحيانا يفضل بقاءه كما هو دون استخدام ألوان. وبعد نحو 6 أشهر، أصبح محمد متمكنا من الرسم على النحاس وعندما يرسم يشعر بأنه لا يوجد مستحيل، وأنه قادر على فعل أى شىء والانتصار على كل الصعوبات، لذلك لا يرسم إلا عندما يكون داخله رغبه قوية فى الرسم، ويكون موضوع اللوحة مسيطرا على ذهنه، لأن الرسم بالنسبة له لغة تعبر عما يدور داخل الرسام ويرى أنه ما زل رساما، ولم يصل بعد لمرحلة الفنان. البحث عن التميز بادرنا محمد قائلا: سمعت عن مركز سعد زغلول واحتضانه للمواهب الفنية واهتمامه بذوى الإعاقة، فأتيت لعرض أعمالي من الرسم على النحاس، ولقد شاركت بلوحتين بالمعرض المقام حاليا، الأولى عن الحضارة المصرية الفرعونية وعندما كنت أفكر عما أرسم، تذكرت أن أغلب الرسامين يرسمون أهرامات الجيزة ونهر النيل ومعالم مصر الفرعونية ليعبروا عن الحضارة المصرية القديمة، لذلك رسمت محاربا يركب عجلة حربية ويطلق سهامه على العدو لأقول من خلالها إن مصر منذ القدم وحتى اللحظة هى مقبرة الغزاة وستظل، وهذا هو سر عظمة الحضارة المصرية، أما اللوحة الثانية فكانت طفولية وضمت قطة تلعب بكرة شراب ولقد تم تكريمى على مشاركتى بهذا المعرض. وأضاف، «كما شاركت فى مسابقة أقامتها إحدى المؤسسات الأهلية وتقدم إليها 170متسابقا تم تصفيتهم إلى 70 وكنت من بينهم، وسوف يحصل الفائزون على منح دراسية «دراسة حرة» بكليات الفنون الجميلة والتطبيقية، وشاركت فى المؤتمر العربى لذوى الإعاقة فى دورته الثانية والذى عقد مؤخرا فى القاهرة، وأيضا فى متحف محمود مختار، ومن كثرة حضورى إلى القاهرة بمفردى أصبحت اعرف أدق شوارع الجيزة وحلوان وحلمية الزيتون». وأوضح، « لأننى من سكان محافظة المنصورة وحضورى إلى المركز بشكل منتظم أسبوعيا به الكثير من المشقة، نصحنى طارق مأمون مسئول المعارض الفنية بالذهاب إلى متحف «ابن لقمان» بالمنصورة لأتعلم فيه الرسم التصويرى ويكون لى أسلوب مميز». نقطة تحول ويعود محمد بذاكرته إلى الوراء سنوات ويقول: ولدت ضعيف البصر، وأجريت نحو 4 عمليات جراحية لتحسين النظر، ولكن حدث العكس تماما، بعد العملية الأولى لم أعد قادرا على القراءة، وبعد الرابعة أصبت بكف البصر نتيجة حدوث نزيف فى العين بسبب خطأ طبى، ولأننى أجريت العملية فى مستشفى حكومى لضيق ذات اليد وكانت أسرتى قد وافقت على التوقيع على إقرار يفيد بعدم وقوع مسئولية على الطبيب فى حالة حدوث أى خطأ ففقدت بصرى للأبد. ويواصل محمد حديثه والحسرة تعتصر قلبه، «لم يحاسب أحد ودفعت وحدى ثمن خطأ الطبيب، وكنت وقتها فى الصف الأول الإعدادي وكانت حالتى النفسية أكثر من سيئة، ورسبت دراسيا، ثم انتقلت إلى مدرسة مهنية وحصلت على الشهادة الإعدادية، ثم التحقت بمدرسة النور للمكفوفين بالمنصورة». ويكمل، «بعدما أصبت بكف البصر ظللت أسأل نفسى طيلة ثلاث سنوات سؤالا واحدا هو .. هل ما حدث لى هو خير أم شر؟ ولأن قدر الله لا يأتى إلا بالخير شعرت بمرور الوقت والمواقف أن كف البصر فتح لى آفاقا كثيرة لم تكن فى دائرة اهتماماتى حيث جعلنى اهتم بالفن التشكيلى وتعرفت على أشخاص كثر وأصبحت عندى أحلام أسعى إلى تحقيقها لأشبع طموحاتى المتعددة». العمل فى مطعم يضيف محمد، «عندما وصلت للصف الأول الثانوى قررت أن أخوض تجربة العمل لأوفر بعض المال الذى أنفقه على توفير الخامات والأدوات الخاصة بالرسم ومصروفات التنقل بين القاهرةوالمنصورة حتى اعتمد على نفسى، ولقد تعلمت من هذه التجربة ألا اهتم بآراء الآخرين مادمت لا أفعل شيئا حراما، أو غير قانونى، ومن بين المواقف التى صادفتها فلى أثناء عملى فى تقديم الوجبات بأحد المطاعم الصغيرة، واجهت قدرا كبيرا من سخرية الزبائن، ولكنى لم أتراجع وواصلت العمل، ولكن كان المؤلم حرمانى من الحصول على راتب بنفس القيمة التى يحصل عليها زملائى، بل حصلت على أقل منهم رغم قيامى بنفس العمل، ولكن لأنى كفيف حرمنى صاحب العمل من حقى». حلم السفر إلى أمريكا الأمل والحلم هما أصل الحياة هكذا ذكر محمد، وأكمل: أحلم بالحصول على منحة فى الفن التشكيلى بالولايات المتحدةالأمريكية لأسافر هناك أدرس واتعلم كل ما هو جديد، وأشارك فى معارض فنية دولية حتى أصل إلى العالمية، أما على المستوى الدراسى أحلم بأن أحصل العام المقبل على مجموع يؤهلنى للالتحاق بكلية الألسن لأتقن أكثر من لغة لأن ذلك يفتح لى مجالات أكثر أتساعا واختلافا وسأظل أسعى وأسعى حتى أحقق أحلامى، ولن يتسرب الإحباط أو اليأس إلى قلبي يوما.