حركة مؤشر الدولار بالتداولات العالمية 5 يناير 2026    التشكيل الرسمي لمباراة المقاولون ضد غزل المحلة في كأس عاصمة مصر    المسرح القومي يحتفل ب"الملك لير" بعد 100 ليلة عرض    قافلة "زاد العزة" ال109 تحمل آلاف المساعدات الغذائية من مصر إلى غزة    وحدة وطنية تتجدد كل عام، شيخ الأزهر والقيادات الدينية يهنئون البابا تواضروس بعيد الميلاد (صور)    يلا كووورة.. شاهد منتخب مصر يصطدم ببنين في ثمن نهائي أمم إفريقيا 2025.. الموعد والقنوات المجانية الناقلة    قائمة برشلونة - عودة أراوخو للمشاركة في السوبر الإسباني    حريق هائل بمصنع بلاستيك وإصابة 7 أشخاص في مدينة 6 أكتوبر    عاجل- موجة برد قوية تضرب البلاد غدًا.. شبورة كثيفة وتحذيرات للمزارعين والسائقين    محافظ أسيوط يتفقد اختبارات «توفاس» في البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب الصف الأول الثانوي    وزيرا خارجية مصر والسعودية يبحثان سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطورات القضايا الإقليمية    أمم أفريقيا 2025| مدرب الجزائر يعلن عودة جوان حجام لناديه بعد الإصابة    وكيل ميكالي يعترف بمفاوضات الزمالك للتعاقد مع المدرب البرازيلي    أمم إفريقيا - تأكد غياب أوناحي عن باقي مباريات البطولة    إنزاجي يتحدث عن مستقبل مهاجم الهلال    تقرير: الإمكانات المتاحة لا تكفي لمواجهة حجم الكارثة الإنسانية في غزة    بتكلفة 4 مليون جنيه.. إطلاق التيار الكهربائي في 156 عمود إنارة بالشرقية    الرواتب تصل إلى 14 ألف.. وزير العمل يشهد التقديم على فرص عمل الضبعة النووية    ضبط عامل خردة ظهر في فيديو متداول يسرق كابلًا كهربائيًا ببورسعيد    د.أسامة السعيد: رهان الدولة الحقيقي على فكر الشباب وقدرتهم على قيادة الاقتصاد    أبطال في غرف العمليات بمستشفى أبو قير العام    بلومبيرج: الصين تعوض نقص النفط الفنزويلى بمخزونات عائمة    مصدر بالزمالك يكشف المقابل المادي المطلوب لبيع ناصر ماهر    اتحاد منتجي الدواجن: التصدير ليس له علاقة بارتفاع الأسعار حاليا    اسعار الحديد اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    "الرقابة المالية" تطلق أول سجل لقيد شركات تقييم المخاطر لأغراض التمويل غير المصرفي باستخدام التكنولوجيا    وزير الداخلية يزور البابا تواضروس للتهنئة بعيد الميلاد المجيد (صور)    ضبط عصابة دجل وشعوذة تستولى على أموال المواطنين بالقاهرة    حنفي جبالي يزور الكاتدرائية المرقسية لتقديم التهنئة بعيد الميلاد    إطلاق تطبيق رقمي لفعاليات مهرجان المسرح العربي بالتزامن مع دورته ال16    بين الخشب والحبر.. شاهد قبطي نادر على رسالة التعليم وحفظ المعرفة    خبير سياحى: توقعات بجذب 5 ملايين سائح للسياحة الثقافية فى 2026 بفضل المتحف الكبير    ننشر مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    آخر تطورات سعر الريال السعودي بالبنوك المصرية    محافظ القاهرة يفتتح مركز الرعاية المركزة بجمعية جمال الدين الأفغاني    هام من عميد كلية التجارة بشأن فكرة تخفيض مدة الدراسة ل 3 سنوات    الرئيس السيسي يوجه بتوسيع الجيل الخامس وتوطين صناعة الاتصالات ودعم الحوسبة السحابية    رئيس جامعة بنها الأهلية ونائب الشؤون الأكاديمية يتفقدان امتحانات الفصل الدراسي الأول    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    السكك الحديدية: تطبيق إجراءات السلامة بالقطارات لانخفاض مستوى الرؤية بسبب الشبورة    سول: أزمة فنزويلا سيكون لها تأثير محدود على اقتصاد كوريا الجنوبية    سفرة عيد الميلاد المثالية.. وصفات سهلة ولذيذة لتجهيز أطباق العيد في المنزل    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    المكسيك و5 دول آخرى.. لماذا ترفض دول كبرى سيطرة ترامب على نفط فنزويلا؟    إنقاذ 28 شخصا من الغرق على متن لانش سياحي بعد شحوطه جنوب البحر الأحمر    افتتاح مركز جامعة القاهرة الأهلية للدعم النفسي وفق أسس علمية ومهنية    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    «القاهرة الإخبارية»: الشاحنات الإغاثية مستمرة لدعم الفلسطينيين في قطاع غزة    ننشر أسماء المصابين في حادث «صحراوي» قنا    استخدام المروحة والجوارب.. نصائح هامة لمواجهة الشعور بالبرد داخل المنزل    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    منشور مفاجئ يعزز مخاوف الأوروبية المتصاعدة من الطموحات الأمريكية حول جرينلاند    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجذور الدينية للإنسانية العلمانية
نشر في الأهرام اليومي يوم 14 - 03 - 2017

لا تعدو مسيرة التقدم أن تكون صيرورة علمنة متعددة المستويات، فثمة علمنة للطبيعة نزعت السحر تدريجيا عن ظواهرها ما أفسح الطريق إلى نمو التفسير العلمى وصولا إلى المنهج التجريبى. وثمة علمنة للسلطة السياسية اقتنصتها من ادعاءات الحق الإلهي المقدس وقبضة الكهانة الدينية، ودفعت بها على طريق الأصول المدنية نحو الديمقراطية السياسية. وعلى عكس الإيجابية الكبرى لعلمنة الطبيعة والسلطة، ثمة صيرورة أخرى سلبية تتمثل فى علمنة الإنسان نفسه، انبثت فى سياقهما، وأفضت تدريجيا إلى التعاطى مع الكائن الإنسانى المركب باعتباره كيانا مسطحا لا أعماق له، تنزع عنه ليس فقط سحر الألوهية الذى منحته إياه قصة الخلق التوحيدية، بل أيضا سحر الذاتية والروحية الذى أضفته عليه الفلسفة الحديثة منذ الكوجيتو الديكارتى، وحتى التعالى الترانسندتالي الذى أسبغه عليه كانط.
إن جوهر الدين هو الإيمان بقوة قدسيته، تنفخ فى الكون روحا سامية، وتمنح للإنسان قيمة متعالية؛ كونه المستخلف من الله على الأرض. هذه النفخة الروحية هى الأصل الذى نبعت منه وتشكلت على أساسه النزعة الإنسانية الحديثة داخل التاريخ الغربى منذ حركة الإصلاح الدينى. وهكذا يصبح الانتصار للإنسان كقيمة فى ذاته أمرا دينيا يمكن نسبته إلى الله وغاياته فى الوجود، بالقدر ذاته الذى يمكن نسبته إلى العقل، الذى ادعت فلسفة التنوير مركزيته فى الكون. وفى المقابل يمكن أن نعتبر النيل من قيمة الإنسان بإهدار حياته أو التنكيل بجسده أو نزع كرامته أو تقيد حريته، أمرا شائنا فى الفكر الدينى الصحيح كما فى الفكر العلمانى المعتدل. فى الأول باعتباره إثما دينيا يعاقب عليه الله دفاعا عن خليفته، قد يفضى بمرتكبه إلى الجحيم الأخروى. وفى الثانى باعتباره آفة أخلاقية ينكرها العقل، توصم بالوحشية وقد تفضى إلى التخلف، أى الجحيم الدنيوى. فى الأول يأخذ الهدر عللا طائفية أو مذهبية متسربلا فى ثياب تطرفات لا نهائية. وفى الثانى يأخذ الهدر شكل ادعاءات تفوق عرقى أو أخلاقى، تستخدم العنصر أساسا لتمايز كاذب وخيرية مدعاة. الذى لا شك فيه أن علمنة الإنسان، فى جزء أساسى منها، عملية وظيفية أنتجتها صيرورة تقسيم العمل الإنسانى، وتمايز أنماط الإنتاج وارتقاء أشكال الحياة، ومن ثم لا يمكن ردها أو توقيفها من دون معارضة لمسيرة التقدم أو مساءلة لمفهومه، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن جزءا يعتد به من تلك العلمنة يرجع إلى تغول غير مبرر على الروح الإنساني، سواء بدافع استلاب دينى يبالغ فى نفى مركزيته لصالح المركزية الإلهية وصولا إلى الإرهاب الدينى، أو بدافع تطرف مادى يحيل الإنسان إلى سطح دون عمق عبر القضاء على تنوعاته وتبايناته بهدف رسم مسارات حتمية لحركته، وإحكام السيطرة على مصيره، فعلى السطح حيث تتشابه الأجساد يمكن بناء تصورات حتمية عن الإنسان. أما فى العمق، حيث تتباين الأفكار والمشاعر، فيبدو الإنسان عصيا على التقولب، متمردا على طلاب السيطرة ودعاة القهر.
فإذا ما اتفقنا على أن معيار العلمنة هو مدى إهدار الجوهر الإنسانى عبر الفتك بالجسد أو تعطيل الإرادة أو العدوان على الضمير، وجدنا أن الإرهاب الداعشى قرينا للعنف النازى، على سبيل المثال، فى ممارسة نوع فائق أو فج من العلمنة. فكلاهما يلهو بالإنسان باسم معتقد دينى أو فكرة بيولوجية، مضادين للروح الإنسانى بقدر ما إنهما مضادان للقصد الإلهى. قد تسعى الداعشية إلى قسر الضمير على معتقد/ مذهب ما، كما سعت النازية إلى قسر التفوق على عنصر ما، وكلا الأمرين قهر مؤكد لحق الإنسان فى الاختلاف والاختيار، اختيار الإيمان والهوية والمصير. هذا القهر المزدوج، والذى نعتبره هنا بمثابة نزع الإنسانية عن الإنسان، هو ما ندعوه بالعلمنة الفائقة، كونه لا يرى فى الإنسان شيئا ساميا يستعصى على الانتهاك، بل يتصوره محض سلعة مادية أو رقم غائم فى سلسلة عددية، أى حلقة فى عملية توال لا تنتهى يكتسب من خلالها مغزاه وسياقه، من دون انطواء على قيمة ذاتية أو مركزية خاصة، تحوز المعنى وتمنح المغزى بحد ذاتها.
هنا تتساوى الشيوعية الستالينية بمقولاتها عن المادية الجدلية مع النازية بمقولاتها عن الاستعلائية التى مثلت نقطة ذروة كارثية فى سلسلة ادعاءات أوسع بالتفوق الدينى واللغوى والعقلى، انطوت عليها المركزية الغربية، وأيضا مع الداعشية وأسلافها من أرباب الوعى الماضوى، والعقل الاختزالي الذى يصدر عن ادعاءات تفوق دينى وطهرانية أخلاقية، فجميعها تسعى إلى قهر الإنسان، سواء روحيا بقسره على دين واحد يرونه خير الأديان أو على مذهب واحد يرونه أصح المذاهب. أو عقليا بقسره على إيديولوجيا سياسة ما أو عرقيا بادعاء دونيته طالما لم ينتم إلى جنس بذاته. وإذ ينتهج هؤلاء جميعا كافة أشكال العنف الرمزى والمادى المتاحة لهم فى كل عصر وسياق، فإنما يفتكون بالإنسان/ الخليفة الأرضى، وينتهكون كرامته بقوة شيطانية تكاد تعادل قوة إبليس التى أخرجته من جنة عدن الأولى، خصوصا عندما يهدرون حريته بإجباره على السير فى طريق واحد محتوم يعتقدون أنه الأنسب للوصول إلى الغاية النهائية ولو كانت تلك الغاية هى الإيمان أو العدالة أو التقدم. تختلف تلك التيارات، ولا شك، على أشياء كثيرة بقدر ما تنبع من سياقات متعددة وثقافات مختلفة ولكن جميعها تتفق على أمر أساسي هو نزع السحر عن الإنسان، والمشكلة الكبرى هنا أن السحر ليس أمرا خارجيا كما فى حالة الطبيعة أو السلطة بل أمر جوهرى يلتصق بروح الإنسانى وينطوى على ماهيته، ومن ثم كانت صيرورة نزعه بمثابة عملية قتل للإنسان واغتيال للإنسانية.
[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم;


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.