عندما نقول إن مصر سبقت الدنيا كلها في اقتحام آفاق العلوم والمعارف والفنون, وصنعت أول حضارة في الدنيا فإننا لا نبالغ فيما نقول به, ولا نفخر بشيء من وحي خيالنا. وإنما هو حقيقة واقعة لها تراثها الحي رغم مرور آلاف السنين في شكل نقوش ورسوم ومقتنيات تعكس واقع ذلك الزمن الجميل في تاريخ مصر وتاريخ البشرية كلها. ولكن الشيء الجديد الذي لم أكن علي علم به حتي سنوات قليلة مضت رغم ولعي واهتمامي بقراءة تاريخ مصر القديم أن مصر كانت أول دولة عرفت الصحافة بوحه عام والصحافة العسكرية علي وجه الخصوص منذ ما يزيد علي خمسة آلاف عام, وأن أول وأقدم صحيفة عسكرية كانت صحيفة مصرية نقشت علي الحجر من وجهين وأشرف علي تحريرها ببراعة ومهارة من يدعي بتاح وكان يجري توزيعها شهريا علي قادة الجيش وطليعة الحكام وبلغ مجموع نسخها حوالي المائة. وفي هذه الصحيفة العسكرية الفريدة تبويب راق, وقد حليت هامتها بصورة الفرعون الأكبر مينا واشتملت موادها علي أنباء المعارك وذكريات القادة وأحاديث الجنود. و هؤلاء المصريون الجبابرة الذين سبقوا الدنيا كلها في دق أبواب العلم والثقافة والمعرفة لم ينسوا أن يبرزوا في صحيفتهم لونا من ألوان التعبير الرمزي الذي تتفاخر به صحف العصر الحديث بأن رسموا ثورا ينطح قلعة كناية عن انتصار الملك علي أعدائه. وأول صحفي عسكري ذاعت شهرته هو القائد المصري ووني من رجال الملك بيبي الأول أحد ملوك الأسرة السادسة القديمة, وهذا المحرر العسكري لم يحرر مقالاته علي الورق لأن الورق لم يكن قد استخدم بعد, وإنما سجلها كأسلافه علي الحجر في طائفة من النقوش التي نحتها علي أشتات من الآثار الموجودة حتي اليوم تزين جدران معابد الأقصر. ومن بين الموضوعات الطريفة التي عالجها هذا المحرر والقائد العسكري تفاصيل حملته التي شنها علي فلسطين والتي تعد أولي الحملات التي تمت بمشاركة قوات الجيش البرية ووحدات الأسطول البحرية معا, وهو ما يسمي في العصر الحديث بالعمليات المشتركة. وغدا نواصل الحديث خير الكلام: شرف للموت أن نطعمه أنفسا جبارة تأبي الهوان! [email protected] المزيد من أعمدة مرسى عطا الله