تشهد الحياة السياسية فى لبنان تسارعا متزايدا يهدد بالإنفجار واشتعال الشارع ،بعد إصرار رئيس الوزراء المسلم السنى تمام سلام على تنفيذ صلاحيات رئيس الجمهورية المسندة إليه فى ظل فراغ منصب الرئيس حسب الدستور،وإصراررئيس التيار الوطنى الحرالعماد ميشال عون على تعطيل عمل مجلس الوزراء مالم تنفذ مطالبه وتهديده بالنزول الى الشارع وتفجير الأوضاع. رئيس الوزراء اللبنانى تمام سلام دعا مجلس الوزراء للانعقاد وبالتالى مناقشة إتخاذ قرار بعقد دورة استثنائية للمجلس النيابى ليواصل التشريع فى غياب الرئيس ،ولكن رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون مدعوما من حزب الله وفريق 8آذار يصر على التعطيل مالم يتم البت فى تعيين قائد للجيش وقائد لقوى الأمن الداخلى وبقية التعيينات فى المواقع الحساسة التى يصر الجنرال العجوز على الإستئثار بها لصالح فريقه بالرغم من عدم إنتهاء المدة القانونية لشاغلى المناصب الأمنية الحاليين. عون متمسك بقوته المتمثلة فى أن تياره يمثل أكبر كتلة نيابية مسيحية، ومصر على التمسك بما أبقى عليه اتفاق الطائف من صلاحيات للرئيس المسيحى وحقوق للمسيحيين،ولذلك يتم تعطيل عمل مجلس الوزراء الذى يعطل بالضرورة المجلس النيابى مما يجعل مؤسسات الدولة فى لبنان خارج الخدمة. عون يتهم الحكومة بأنها ترتكب الخطايا تباعا،حيث مددت لقائد الجيش الذى بلغ سن التقاعد بدلاً من تعيين المستحقين والذين يحالون على التقاعد تباعاً، ومن هنا يقول عون: بدأت النوايا السيئة تتكشف باستقطاب قائد الجيش واستمالته سياسياً ليكملوا انقلابهم على الشرعية، وخصوصاً بعد أن أصبحت قيادة الجيش من دون مجلس عسكري، وأصبح باستطاعة القائد إدارة المؤسسة العسكرية منفرداً، ولم يكن ما حدث فى الجيش يتيماً، فقد كرّرت وزارة الداخلية الخطيئة نفسها التى ارتكبتها وزارة الدفاع، فمدّدت لمديرية قوى الأمن الداخلي، وهكذا قام كل وزير منفرداً بما رفضت حكومة بكاملها القيام به، وتخطّت قراراتهم الصلاحيات الدستورية للحكومة التى استمرت بالتغاضى عن هذه الخطايا، متواطئةً مع الوزراء. وأضاف عون فى إجتماع لتياره الأسبوع الماضى : فليعلم الجميع أنّنا سنذهب إلى انفجار كبير، إنّهم يدفعوننا إلى الانفجار، فإن كانت هذه رغبتهم، لا بأس، لأننا لم نخشَ يوماً المواجهة، وليتنبه الجميع إلى خطورة أخذنا إلى الانفجار. وسأل عون: هل يمكن تعيين رئيسٍ للحكومة من دون الإرادة السّنيّة، حتّى ولو كان يحظى بتأييد أكثرية المسيحيين؟ وهل يمكن تعيين رئيسٍ لمجلس النوّاب من دون الإرادة الشيعيّة؟ لماذا إذن لا يجب أن يمثّل رئيس الجمهورية الإرادة المسيحيّة؟ إن كانت لديهم تحفّظات على الاسم، فليقولوا ذلك،إذ أنّ القضيّة لا ترتبط بمزاجيّة بعض الأشخاص. وهل يحقّ لهم إلغاء الدستور فى ظلّ غياب رئيس الجمهورية؟ تنص المادّة 62 من الدستور اللبنانى على "فى حال خلوّ سدة الرئاسة لأى علّة كانت، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالةً بمجلس الوزراء". فالدستور واضح تماماً، يتكلّم عن مجلس الوزراء لا عن وزيرٍ أو عن عدد معيّن من الوزراء، فمجلس الوزراء يتألف من 24 وزيراً. من جانبه خاطب وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق وزراء عون قائلاً: أنتم تعتبرون ان القضايا المهمة تتطلب اجماعاً، أليس موضوع تعيين قائد للجيش قضية مهمة؟ ان ما تطرحونه على هذا الصعيد لا يحظى بالاجماع، بل أنكم تريدون اقراره ولو كان لا يحظى بأكثرية الأصوات؟ والمفارقة أن"حزب الله" حليف عون يتمسك أكثر من غيره بالحكومة لأنها تشكل حاجة وضرورة للاستقرار الداخلى الذى يهمه جداً فى وقت يوجه مقاومته نحو الداخل السوري، ولكنه يشعر بحرج شديد مع حليفه عون الذى له مصلحة حيوية معه فى تأكيد التحالف ، وكذلك مواقف رئيس مجلس النواب نبيه برى الذى يتمسك بقوة، وبوضوح بحكومة تمام سلام ويرفض مقاطعة الجلسات مثل وزراء عون وحزب الله. وأدت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة يوم الخميس الماضي، إلى تفجير الخلافات على نحو غير مسبوق بين رئيس الحكومة تمام سلام تؤازره غالبية وزارية، وبين وزراء تكتل عون مدعومين من وزيرى حزب الله، على خلفية عدم التجاوب مع مطلب التكتل اعطاء الأولوية لتعيين قائد للجيش جديد،واصرار رئيس الوزراء تمام سلام على وجوب تخطى التعيينات حالياً واعطاء الأولوية لحياة مليون ونصف مليون لبنانى يستفيدون من القطاعين الزراعى والصناعي،وهو ماجعل مجلس الوزراء يقر ب21مليون دولار لمساعدتهم على التصدير ،مما أدى إلى إتخاذ زعيم التيار الوطنى الحرالعماد ميشال عون قرار اللجوء الى الشارع احتجاجاً على مسار جلسة مجلس الوزراء التى رفضت ادراج بند التعيينات الأمنية على جدول أعمالها. عضو تكتل عون النائب آلان عون، أكد أن التيار يأخذ مساراً تصعيدياً فى مواقفه،ونحن ندرس الخطوات الواجب اتخاذها والتى ستأخذ اشكالا عديدة. عضو تكتل عون النائب ابراهيم كنعان قال إن خياراتنا مفتوحة واذا اختاروا المواجهة فلتكن ونحن سنناضل من داخل الحكومة وخارجها،والموضوع لم يعد مسألة تعيينات فقط وإنما حضور وفعالية أن يكون هناك احترام للدستور والشراكة وصلاحيات رئيس الجمهورية، التى لا يمكن ان يختزلها ثلاثة عشر وزيراًيؤيدون سلام فى مواقفه والحكومة مؤلفة من 24وزيرا. من جانبه قال وزير العمل سجعان قزى (التابع لحزب الكتائب فى فريق 14آذار) إن جلسة الحكومة كانت ضرورية لكسر مشروع تعطيل العمل الحكومي، وكان لا بد ان نتخطى التعيينات ونقر بند دعم القطاع الزراعي، لأنه لا يجوز من أجل تعيين شخص ان نعطل حياة مليون ونصف المليون لبنانى يستفيدون من القطاع الزراعي، بينما نحن نعيش أخطر أزمة اقتصادية واجتماعية فى لبنان ،أماالذين يتباكون على صلاحيات رئيس الجمهورية - يقصد عون- فالأفضل لهم انتخاب رئيس للجمهورية بدلا من تعطيل الحكومة ومصالح الناس. أمين عام تيار المستقبل احمد الحريرى عقب على مايحدث قائلا إن لبنان اليوم فى قلب الأزمة، والبعض لا يكف عن التورط فى وحول الأزمات المحيطة بنا،ولا حل لأزماتنا إلا بالعودة إلى الدستور، ولا حل للشغور الرئاسى إلا بالنزول إلى مجلس النواب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية وعقد جلسات تشريع الضرورة، ولا حل لتأمين مصالح اللبنانيين الا باستئناف عمل الحكومة. المتابعون لما يجرى يؤكدون أن فى قلب المواجهة بين سلام وعون، يقف تيار المستقبل وحزب الله، وجهاً لوجه، حيث يرون أن دعوة مجلس الوزراء للإنعقاد تريد وضع حزب الله فى ربع الساعة الأخير من مفاوضات الملف النووى الإيرانى بين خيارين هما، الوقوف مع العماد عون الذى رفع سقف المواجهة بدعوة تياره للنزول إلى الشارع، بما سيجرّه الشارع من تداعيات تصيب الوضع الأمنى وهو مالايرضاه حزب الله فى ظل مشاركته فى الحرب داخل سوريا ،والشحن الطائفى فى الداخل اللبنانى ،أما الخيار الثانى فهو ترك العماد عون يخوض مواجهته وحده ليصل إلى لحظة الحسم الرئاسى ضعيفا وغير قادر على المواجهة. ومع زيادة حدة التوتر السياسى بين رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون ورئيس الحكومة تمام سلام الذى دعا الى جلسة لمجلس الوزراء الخميس المقبل ، وتلويح عون بالنزول الى الشارع، يكثّف حزب الله اتصالاته لمنع وقوع الانفجار الحكومي، حرصاً على الاستقرار الداخلي، وحفاظاً على آخر حصن من حصون الدولة المتهالكة.. واذا لم يعالج الخلاف قبل جلسة الخميس المقبل فإن المشكلة الحكومية - السياسية ستكبر وتتشعّب ، ولذلك يسعى حزب الله مع الرئيس سلام إلى العودة إلى عطلة رمضان"، من أجل تمرير هذه المرحلة المعقدة لتهدئة الوضع وسحب فتيل التفجير ،فهل ينجح حزب الله فى نزع فتيل الأزمة وتفويت الفرصة على حليفه الأساسى عون بالنزول إلى الشارع،وهو الأمر الذى لاتحمد عقباه فى ظل الشحن الطائفى والمذهبى الذى يكاد يعصف بلبنان؟