ونحن نستشرف العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك؛ يطيب للمرء أن تكون له وقفات مع آيات قرآنية، تثبت القلب، وتهديء النفس، وتريح البال، وتنعش الوجدان، من واقع كتب التفسير. الوقفة الأولى مع قوله تعالى: "إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا*وَأَكِيدُ كَيْدًا*فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا".(الطارق:15-17). آيات لا تخص الرسول صلى الله عليه وسلم فقط، بل ترسي قاعدة عظيمة لأهل الإيمان، في كل زمان، ومكان.. فالكفار يكيدون كيدا.. والله يكيد يكيد.. في رسالة طمأنة لكل نفس مؤمنة بأن الله يكيد لها، وكفى بكيده كيدا. و"الكيد"، كما قال العلماء، هو إخفاء قصد الضر، وإظهار خلافه، فكيد المكذبين مستعمل في حقيقته. أما الكيد المُسند إلى ضمير الجلالة فهو مستعمل في الإمهال مع إرادة الانتقام عند وجود ما تقتضيه الحكمة الإلهية من إنزاله بهم. إِنَّهُمْ (أي: المكذبين)، "يَكِيدُونَ كَيْدًا"، يحتمل أن يكون لدفع الحق، وتأييد الباطل.. "وَأَكِيدُ كَيْدًا"، لإظهار الحق، ودفع ما جاءوا به من الباطل. وهكذا، يصح فهم الآية في وقتنا.. فالله تعالى يكيد لأعداء الاسلام كما يكيدون، ويظهر الحق كما يخفونه، وينتقم منهم من حيث لا يشعرون.."فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا"، أي: أنظرهم، ولا تعجل عليهم، في انتظار حلول نقمة الله بهم. الوقفة الثانية مع قوله تعالى: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ".(الأنفال: 30). وردت هذه الآية في سياق ما ذكره الله تعالى من مكر المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم حينما تآمروا على قتله، وترصدوا له ينتظرون خروجه؛ فأخرجه الله من بينهم، دون أن يشعروا به . فالمكر الذي مكره الله لرسوله هو بأن أخرجه من بين أعدائه، مع حرصهم على قتله. وهذا المكر المُسند إلى الله تعالى ليس كمكر هؤلاء، فمكرهم مذموم، لأنه مكر في الشر، ومعناه الخداع والتضليل، ويقوم على إيصال الأذى، أما المكر المُضاف إلى الله تعالى فمحمود، لأنه إيصال للعقوبة لمن يستحقها، فهو إذن مكر عدل، ورحمة. "يثبتوك" أي: يحبسوك، ويسجنوك، ويوثقوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك.. "ويمكرون ويمكر الله".. فالمكر التدبير، وهو من الله التدبير بالحق. فردَّ الله مكرهم لما رأوا عليًّا. والتأويل: اذكر يا محمد نعمتي عندك، ومكري بمن حاول المكرَ بك من مشركي قومك، بإثباتك أو قتلك أو إخراجك من وطنك، حتى استنقذتك منهم، وأهلكتهم، فامض لأمري في حرب من حاربك من المشركين، ولا يَرْعَبَنَّك كثرة عددهم، فإن ربّك "خيرُ الماكرين" بمن كذب به، وخالف أمره. الوقفة الثالثة مع قوله تعالى: "فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ".(يوسف: 76).. كدنا: أي: دبرنا. لما اتهم أولئك الفتيان إخوة يوسف بالسرقة، قالوا لهم: "تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين"..أي: ليست سجايانا تقتضي ذلك، فقال لهم الفتيان: "فما جزاؤه"، أي: السارق.. إن كان فيكم؟.."قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ"، وهكذا أقاموا الحجة على أنفسهم، ليتم ليوسف ما أراد. وتلك كانت شريعة إبراهيم؛ أن السارق يُدفع إلى المسروق منه. وهذا هو الذي أراده يوسف، لهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، ففتشها قبله، "ثم استخرجها من وعاء أخيه"، ليحقق يوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده، على وجه لا يشعر به إخوته. لهذا قال تعالى: "كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ".. أي: يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى بقاء أخيه.. فهذا كيد يرضاه الله تعالى، لما فيه من الحكمة، والمصلحة. "نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ".. أي: نرفع منازل مَن نشاء في الدنيا على غيرهم كما رفعنا منزلة يوسف عليه السلام بالعلم النافع، ومعرفة الطرق الموصلة لمقاصدها. "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ".. أي: فوق كل ذي علمٍ من هو أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى.. عالم الغيب، والشهادة.