شهد الأسبوع الماضى حدثا مهما، لا بد من التوقف عنده بكل اهتمام، ألا وهو انعقاد مؤتمر: (تعزيز السلم فى المجتمعات المسلمة)، بحضور مائتين وخمسين عالما، من كبار علماء المسلمين، من مصر، وليبيا، والمغرب، وموريتانيا، واليمن، والبحرين، وعمان، والأردن، والعراق، والمملكة العربية السعودية، وعلماء عدة دول وأوروبية وآسيوية، والقائمين على عدد من المراكز الإسلامية فى الولاياتالمتحدة، وكان على رأس الحضور: الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، والعلامة الشيخ عبد الله بن بيه، وعدد من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وعدد من السادة المفتين فى عدة دول، وكان انعقاد المؤتمر فى أبو ظبي، برعاية وزير الخارجية سمو الشيخ عبدالله بن زايد، وناقش المؤتمر على مدى يومين بحوثا تدور حول أربعة محاور وهي: القيم الإنسانية والعيش المشترك، وتصحيح المفاهيم، والفتوى فى زمن الفتن، وإسهام السلام فى السلم العالمي، وقد شاركتُ فى المؤتمر، وتابعت بكل اهتمام أنشطته وبحوثه، وأحببت أن يكون مقال هذا الأسبوع حول دوافعه ونتائجه، وحول إطلاق الدعوة لكل عقلاء المسلمين بالتفاعل معه، لاسيما وقد جاء انعقاد المؤتمر فى ظرف يشهد اضطرابا غير مسبوق فى أمة الإسلام، حيث تشتعل الحروب، وينفلت الاقتتال، وتراق الدماء، ويشيع العنف البالغ، فى كل بقعة من بقاع الأمة، من سوريا، إلى بورما، إلى إفريقيا الوسطى، إلى العراق، إلى ليبيا، إلى فلسطين، إلى اليمن، إلى نيجيريا، إلى مالي، فضلا أحداث العنف فى مصر حفظها الله، كل ذلك مع شيوع فتاوى التكفير، وظهور الإلحاد، والانقسام الداخلى الذى وقع فى البيوت والأسر، فكان لابد فى هذه الأجواء من عدد من عقلاء الأمة وعلمائها وحكمائها، يتنادون بسرعة إطفاء الحريق، وإنقاذ الغريق، وأنه لا وقت للنظر فى المتسبب فى كل ذلك، بل الضرورة الملحة هى فى كيفية إخراج الأمة من هذه الورطة، ومن التذكير بأن المسلمين كانوا يواجهون التحديات والتهديدات بتماسكهم الداخلى واعتصامهم بحبل الله جميعا، وأن انخرام الوحدة وتشتت الصفوف وشيوع الكراهية وهدر الأرواح والأموال يزيد المسلمين ضعفا فوق ما هم عليه من ضعف علمى واقتصادي، ويغرى بهم الطامعين والمتربصين، فبادر المؤتمر بالدعوة إلى «حلف فضول» جديد لعقلاء الأمة، وإلى بلورة نظرية للتعارف تكون أساسا ثابتا لا يتزحزح للعلاقات الدولية انطلاقا من قوله تعالى (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، وسوف أورد هنا خلاصة ما جاء فى كلمة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وأورد فى المقال القادم خلاصة كلمة العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، وأختم بمقال ثالث أتكلم فيه عن توصيات المؤتمر، أما عن كلمة الإمام الأكبر فقد أطلق مبادرة للتعارف الدولى العالمي، فى مقابل أطروحات صدام الحضارات، وشدد فضيلته التنبيه على أن الوضع السياسى الدولى الراهن يشهد تعقيدا لا يتحقق به السلام على الأرض، ونبه فضيلته إلى قضية فى غاية الأهمية، ألا وهى أنَّ من أخطَرِ عَوامل الهَدمِ للسَّلامِ العالميِّ هو ما يُسمَّى بحقِّ: «الفيتو» أو «النَّقض» والإسرافَ فى استِخدامِه، والذّى يَغُلُّ يدى هذه المُنظَّمة عن مُلاحَقة المُجرِمين وإقرارِ «السَّلامِ العادلِ» فى كثيرٍ من مَناطِقِ التوتُّرِ العالميِّ، بل ذهَب كثيرٌ من المحلِّلين إلى أنَّ الفيتو الأمريكيَّ فيما يتعلَّقُ بالنِّزاعِ الصهيونيِّ الفلسطينيِّ هو أهمُّ أسبابِ الإرهابِ الدوليِّ والتشجيعِ عليه، وقارن فضيلته بين المِيثاق الدَّولى الذى أعلَنَه نبيُّ الإسلامِ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - فى خُطبتِه فى حَجَّةِ الوَداع، وقرَّر فيه حُقوقَ السلامِ والعدلِ والمُساواةِ بين الناسِ، وبَيْنَ مِيثاقِ الأُمَم المتحدةِ فى هذا المجال، وكيف أنَّ المِيثاقَ النبويَّ حَقَّقَ أهدافَه كاملةً غيرَ منقوصةٍ فى نَشْرِ السلامِ العالميِّ، بينما أخفَقَ إعلانُ الأممِالمتحدةِ فى إنشاءِ مَظَلَّةٍ دوليَّةٍ تُنصِفُ المظلومين من المُتربِّصين بها من خارجِ هذه المُنظَّمة، أو حتى من بين أعضائها أنفسِهِم، فهذه مقتطفات من كلمة الإمام الأكبر، ونحن جميعا ندعو الله تعالى أن يجعل ذلك المؤتمر باكورة رحمة، وبداية فرج عاجل، وأن يتحول إلى برنامج عمل نشيط، تتحقق ثمراته على أرض الواقع فى أقرب وقت، حتى يتوقف نزيف الدماء، وتُعْصَم الدماء المعظمة، وتتوقف الأمة عن الاقتتال الداخلى الأهوج، وأن تتوقف لالتقاط أنفاسها، ولإعادة تثبيت معالم الاعتصام والوئام، فلعل هذا المؤتمر أن يكون بارقة أمل، وأن يفتح الله تعالى به أبواب الرحمة والسكينة. لمزيد من مقالات د شوقى علام