كانت محاضرات المرحوم د.( محمود خيري عيسي) أستاذ العلوم السياسية, متعة حقيقية, لراغبي المتعة العلمية والمعرفية للطلاب حديثي الخبرة, في السنة الدراسية الأولي في الجامعة فكان رحمة الله يتمتع بموهبة شد الانتباه لما يرويه, عن تطور الفكر السياسي علي مر العصور, كأنه يحكي قصص ألف ليلة وليلة بيسر وسهولة متفوقا فيها علي الراوية الخالدة شهر زاد! منذ نشوء الدولة في مصر القديمة وفلسفة الملك الإله والراعي الصالح بعده, وحتي العصر الحالي, مرت البشرية بأطوار فلسفية عديدة لفكرة الدولة حتي وصلنا إلي فلسفة العصر الحالي, فكان د.( عيسي) يقنعنا بعقلانية كل طور منها, ويفتح المناقشة ليدافع هو عنها, حتي نستسلم لخبرته الواسعة, وننصاع لرأيه, ثم يأتي في المحاضرة التالية, لينقض ويفند عيوب تلك النظرية السياسية علي أرض الواقع, وإن هناك نظرية أعمق وأعقل منها, فمن دولة المدينة في أثينا إلي جمهورية أفلاطون ثم آراء أرسطو المناقضة, إلي الدولة الحديثة والفلسفة الطبيعية, ونظرية الحق الإلهي لتبرير السلطة المطلقة للملوك, فيعرض آراء( توماس هوبز) ليقنعنا بها, ثم ينسفها بآراء( جون لوك) والحكم الدستوري, ثم روح القوانين عند مونتسكيو, والعقد الاجتماعي لجان جاك روسو, ثم يفاجئنا بنظرية( جيرمي بنتام) عن المنفعة للتوفيق بين مطالب الفرد والمجتمع, ثم يجيء( جون ستيوارت ميل) ليطور نفس النظرية ليعطي للفرد قدرا أكبر من الحرية علي حساب طغيان الأغلبية, فالفرد هو خير حكم علي الأعمال التي تعود عليه بالسعادة, أما المجتمع فلا يستطيع أن يتدخل في حياة الأفراد إلا لمنع إيذاء الآخرين, وهكذا كانت المحاضرات حية وممتعة, وتدخلنا كطلبة صغار إلي عالم الكبار عن طريق إعمال العقل والتفكير, ومن خلال الأسئلة وإجاباتها, التي تدور في سجال بيننا وبينه, كأنه( سقراط) الذي يجعلك تصل إلي الحقيقة من خلال إجابتك عن أسئلته الجدلية! أهم ما علق في ذهني من محاضرات أستاذنا, أن الفلسفة وإعمال العقل ليست بالأمور العويصة, وليس التفلسف مقصورا علي المتخصصين المخضرمين, فالفلسفة الحقيقية غذاء يومي للجميع, فلا يستطيع الإنسان العيش إلا إن اهتدي بمنطق العقل, وعرف طريق الحق, وهو ما تهدف إليه الفلسفة, فيها يعرف الإنسان الأخلاق الحقيقية, التي تجعل السلوك خيرا, ويميزه عن الشر, وبها نعرف ما يجعل الجميل جميلا, ويميزه عن القبح, فليست الفلسفة ألفاظا مبهمة وأفكارا غامضة وسلوكا مهلكا, إن كانت كذلك فإنها سفسطة باستخدام الشعارات والألفاظ الجذلة الجوفاء, والرغي والزبد, لإرباك عقول الناس, وتضليلهم للوصول إلي فوضي عقلية, تلقي بظلالها علي مجريات الأمور في الواقع, وهو ما حدث بعد هوجة( يناير), غرق الناس في السفسطة وترويج الأكاذيب واللعب علي الغرائز واشترك جيش من السفسطائيين في الخداع, بعضهم تم تجهيزه في أوكار المخابرات المعادية, أو التي تحقق مصالحها بأي طريقة عنيفة أو لئيمة, والبعض الآخر من الرويبضة سفهاء الأحلام أحداث الأسنان, ومنهم من بنصف لسان,وبلا عقل أو أخلاق تردعه, كل ذلك ليس بفلسفة يضبطها المنطق, وتهدف إلي الحق, ولكنها سفسطة تهدف لتدمير الدولة وتحقق مصالح الأعداء, نجحت لفترة من الزمن, وكان من المستحيل أن تترعرع وتشغي كالدود في مجتمع من الأحياء, الذين يملكون حسا ووعيا وطنيا, فكيف للعقلاء أن يروا البلد تتراجع, وتقطع أوصالها, ويغزوها الإرهاب, ويقنعون أنفسهم أن ذلك هو المشروع الإسلامي؟!, وتلك هي الديمقراطية وإرادة الشعب؟! السفسطة أعطتنا دولة بلا مؤسسات, وسلطة بلا مضمونها التعاقدي والمحاسبة الشعبية, وديمقراطية منزوعة من فضائها الحداثي, واقتصرت علي لعبة الصناديق وأصبحت إعادة لإنتاج الاستبداد, ولكن في أبشع صوره, في الحكم الإلهي للملوك! بلاش سفسطةأعتقد أنه الشعار المعادل لثورة(30 يونيو),, وليس كما هو شائع علي الألسنة بلاش فلسفة فهذه الثورة بها أهم ما في الفلسفة من شعار دائم لا تحيد عنه, العقل والحق, فكانت ثورة علي إهانة العقل, وأكل الحقوق لصالح المصالح العالمية, والمليارديرات في الداخل الذين استطاعوا تجنيد ما شاءوا من السفسطائيين, الذين انكشفوا بعد خداع طويل للناس وقد اكتسبوا احتراما لم يستحقوه أبدا, ولكنها السفسطة قد تخدعك بعض الوقت.. ولكن بعد فضح الأكاذيب لابد أن تعود العظمة النتنة لأهلها! أما الفلسفة الحقيقية فهي القادرة علي الوصول إلي أكبر عدد من الناس بأهم الأسانيد, والتي تلخص الواقع المعقد بأبسط الأقوال, وتعبر عن الوعي الحقيقي, المعتمد علي العقل والمنطق, والمصالح, ويحقق الطموحات الكبري للإنسانية في كل زمان وهي السعادة للفرد والمجتمع, وتتغير بتغير الواقع والأزمنة, فهي حية وليست دوجما جامدة لا تتغير! برع الأمريكيون في تلخيص البرامج الانتخابية المعقدة, وتجسيد مطالب الناس في خطب الرؤساء والمرشحين للرئاسة, لأنهم يعتمدون علي خبراء وفلاسفة في مجالات مختلفة, يلخصون أعقد المسائل في أبسط الكلمات, فتلك الفلسفة هي من أنجحت( بيل كلينتون) عندما رفع شعار: إنه الاقتصاد ياغبي, ومن قبله( جون كنيدي) الذي فاز بعد حملة ضارية ضده لأنه كاثوليكي الديانة فقال: قضايا السياسة ليست قضايا دينية ولا تختلف عليها الأديان وأقول لكم أن علاقتي بالله تهمني وحدي, أما علاقتنا بأمريكا فتهمنا جميعا. استطاع( الفريق عبد الفتاح السيسي) في خطبه القليلة أن ينتزع حبا كبيرا في قلوب المصريين, لقد استطاع الوصول إليها بعد أن استطاع أن يعبر بالفعل والقول عن وعيها التاريخي والمعاصر, بفلسفته البسيطة العميقة, خلصت علي السفسطة, ولخصت الواقع, بالحرب علي الإرهاب, فالتفوا حوله وأعطوه دعما غير مسبوق لخطته المتكاملة للقضاء علي الإرهاب الأسود, الغبي ومتعافي, لكن عنفوان السيسي يقوم علي فلسفة قوية علي بساطتها اللغوية, قوية الحجة في سياسة داخلية وخارجية معقدة, ومع ذلك فهمها كل الناس,لأنها تقوم علي جوهر المسائل البسيط فالمجد للفطرة السليمة والقلب السليم, فبساطة فكرة( سانتا كلوز) تبنتها شعوب الدنيا لأنها تقوم علي فلسفة عميقة جدا, إن نشر الحب والتسامح فلسفة كل عصر لمن يفهمها, وهي أقوي أعمال الخير نحو طريق السعادة.. عام سعيد.. والنصر لمصر. لمزيد من مقالات وفاء محمود