تفاصيل الجلسة العامة لمجلس النواب.. اليوم    أسعاره تبدأ من 45 جنيها.. تخفيضات كبيرة بمهرجان القاهرة الدولي للتمور بالدقي    اليوم الأربعاء.. البورصة المصرية تختتم بارتفاع جماعي وربح 27 مليار جنيه    لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب ترسم خارطة طريق لتطوير المنظومة    المعهد القومي للاتصالات يختتم ملتقى التوظيف الأول ويوفر مئات الفرص لخريجيه    إصدار الإعلان المشترك لاجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي بين مصر وتركيا    إدارة ترامب تعلن سحب 700 ضابط من عناصر الهجرة من ولاية مينيسوتا    برشلونة ل حمزة عبد الكريم: بداية واعدة والقادم أجمل    انطلاق مباراة زد والمصري في الدوري    الهلال السعودي يمدد عقد روبن نيفيز حتى 2029    تعليم القليوبية تكشف خريطة تظلمات الشهادة الإعدادية 2026    سرقت «حلق» طفلة داخل الحضانة.. كواليس سقوط «خاطفة الذهب» بالغربية    تعليق مثير من راندا البحيري على إيقاف عرض مسلسل "روح off"    غادة إبراهيم تبدأ تصوير «إعلام وراثة» استعداداً ل رمضان 2026    خالد الجندى يوضح الفرق بين الجدل المحمود والمذموم    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : ربنا الله !?    محافظ الشرقية يفتتح وحدتى طب الأسرة ومعرض رمضان ويوجه برفع الإشغالات بالحسينية    جامعة القناة تنظم قافلة تنموية شاملة لخدمة أهالى حى الجناين بالسويس    مش مجرد خس وطماطم.. أطباق من السلطة مفيدة لصحتك تقوى مناعتك    ريكورد: رونالدو لم يغادر الرياض ويعود لتدريبات النصر    وفقا لجدول محدد.. القاهرة تتحول إلى متحف مفتوح خلال الفترة المقبلة    أم كلثوم.. من منصة الغناء إلى استراتيجية القوة الناعمة    «هيئة البريد» توفر حزمة خدمات مالية مع «معاهد الجزيرة العليا بالمقطم»    خالد حنفي: مبادرة «بوابة صحار العالمية» رؤية تعيد رسم خريطة التجارة    برلمانية المؤتمر بال«الشيوخ»: حجب «روبلوكس» خطوة حاسمة لحماية الأطفال    وزارة الزراعة: ضبط 91 منشأة بيطرية مخالفة للقانون خلال يناير    اتحاد الكرة الطائرة يوقف ثلاثي الزمالك بسبب المديونية    اليوم العالمي للسرطان.. 6 لفتات إنسانية تصنع فارقًا في رحلة المحاربين    أحمد عبدالقادر يعلن رحيله عن الأهلي وينتقل رسميًا إلى الكرمة العراقي    احتفالية الأزهر باليوم العالمي للأخوة الإنسانية تؤكد مركزية القيم الأخلاقية في بناء السلم المجتمعي    شركات السكر تتوقف عن التوريد للأسواق.. والطن يرتفع 4 آلاف جنيه خلال يومين    محامون يتهمون وزير خارجية سويسرا بالتواطؤ في جرائم حرب غزة    وزيرا الدفاع اليوناني والأمريكي يناقشان أسس التعاون الدفاعي الاستراتيجي    خالد محمود يكتب : برلين السينمائي 2026: افتتاح أفغاني يكسر منطق «الأفلام الآمنة»    تشييع جنازة والد علا رشدى من مسجد الشرطة.. وأحمد السعدنى أبرز الحاضرين    متابعات دورية لإلزام التجار بأسعار السلع المخفضة في معارض أهلا رمضان بالشرقية    عاجل- الأمير أندرو يغادر منزله الملكي بعد الكشف ملفات جديدة ل "جيفري إبستين"    الأزهر الشريف يحتفل باليوم العالمي للأخوة الإنسانية في ذكرى توقيع «الوثيقة»    تطورات مفاجئة فى أزمة إمام عاشور.. الأهلى يضع شروط العفو واللاعب يتحدى    وزارة العمل تُعلن عن فرص عمل بالأردن في مجال المقاولات الإنشائية.. ورابط للتقديم    رئيس «هيئة الاستثمار»: منتدى الأعمال المصري-التركي فرصة لإطلاق شراكات اقتصادية جديدة    إعلان القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها ال19    محافظ أسيوط يكرم حفظة القرآن الكريم بمركز أبنوب فى مسابقة الفرقان    محافظ كفرالشيخ يهنئ رئيس الجامعة الجديد ويبحثان عدد من الملفات المشتركة    الإدارة والجدارة    وزير الصحة يبحث مع رئيس العربية للتصنيع تسريع مشروعات تطوير المستشفيات والمنشآت الصحية    لإعادة المظهر الحضاري.. رفع 40 سيارة ودراجة نارية متهالكة    ضبط 12 متهما في مشاجرة بالأسلحة النارية بقنا    إصابة 13 شخصًا في انقلاب ميكروباص بطريق الدواويس - الإسماعيلية    تشاهدون اليوم.. الزمالك يلتقي بكهرباء الإسماعيلية ومانشستر سيتي يصطدم بنيوكاسل    سبورت: تشيزني يتقبل واقعه في برشلونة دون افتعال الأزمات    الداخلية تواصل جهودها لمكافحة جرائم استغلال الأحداث بالقاهرة    الحكومة تقرر سحب مشروع قانون المرور الجديد من مجلس النواب    إيبارشية حلوان والمعصرة توضح ملابسات أحداث كنيسة 15 مايو: لا تنساقوا وراء الشائعات    إسلام الكتاتني يكتب: 25 يناير المظلومة والظالمة «3»    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    بعد منعه من الظهور.. هاني مهنا يعتذر عن تصريحاته: تداخلت المواقف والأسماء بحكم السنين    على من يجب الصوم؟.. أمينة الفتوى تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفكر الاجتماعي في العصر الحديث - الحلقة الحادية عشر - مدرسة الفلسفة التجريبية
نشر في شباب مصر يوم 06 - 11 - 2010

المدرسة التجريبية الحسية مدرسة لا تؤمن بالغيبيات ولذلك لم يكن يوجد في هذه المدرسة مدرسة فلسفية ميتافيزيقية تبحث في هذه الغيبيات . وهي تؤمن فقط في ما تدركه الحواس ، وفي أن كل ما نسمعه ونشمه ونراه ونحسه هو الحقيقة ، وما عدا ذلك ليس حقيقة ، ولا يمكن الوثوق به . ولذلك يمكن القول أن المدرسة التجريبية الحسية هي أفضل المدارس الفلسفية قي البحث العلمي . لأنها تعتمد على التجربة العلمية القائمة على المنهج العلمي الذي يتيح الفرصة في وضع القوانين عن طريق التجربة ، وفي تطابق هذه القوانين مع الحقائق الموضوعية . والتعلم بالملاحظة والتجربة قديم قدم الإنسان نفسه . ولكن تحول الملاحظة والتجربة الى مدرسة فلسفية ومنهج علمي بدأ في نهاية العصور الوسطى . ومنذ ذلك العصر أصبح التعلم بالملاحظة والتجربة منهجا من أهم مناهج البحث العلمي لأنه ساعد الإنسان على التطور وبناء الحضارة ، والوصول الى النتائج الصحيحة التي تتطابق معرفيا مع الحقائق الموضوعية ، وتفسير الظواهر الطبيعية . وقد مر هذا المنهج كما مرت الحضارة بمراحل متعددة من التطور ابتداء من مرحلة ما قبل إنسانية الإنسان الى اليوم . لأن إنسانية الإنسان بدأت بالكلام . ولكن التعلم من الملاحظة والتجربة بدأ قبل ان يعرف الإنسان الكلام . لأن الإنسان كان في مرحلة ما قبل إنسانية الإنسان ومرحلة بداية إنسانية الإنسان يستخدم المذهب التجريبي في معرفة الطبيعة الذي وجد نفسه فيها دون أن يشعر، وذلك لأن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يتميز بالسعي الى معرفة الطبيعة الذي وجد نفسه فيها ، واختبار المواد اللازمة والصالحة الضرورية لحياته واستمرار حياته . ولو أخذنا مثلا على ذلك استخدام الإنسان القديم لحجر الصوان في قدح الشرارة وتوليد النار منها ، فلا بد ان تكون هذه النتيجة قد سبقتها تجارب كثيرة على أنواع مختلفة من الأحجار ، وأدت الى استنتاج وجود هذه الخاصية في حجر الصوان دون غيره من الأحجار . وهذا المثل ينطبق على غير ذلك من الاكتشافات ، ولكن ومنذ نهاية العصور الوسطى أصبح المذهب التجريبي مذهب مكتمل الصور ويتم استخدامه بشكل يعتمد في الأساس على القواعد العلمية وخاصة في مجال العلوم البحتة والعلوم التطبيقية . لكن ظهور المذهب التجريبي ومراحل تطوره يرجع الى الفلسفة اليونانية القديمة التي كانت تشتمل على نظريات تنتمي الى مجال العلوم التجريبية ، وخاصة النظريات الخاصة بأصل الكون وطبيعة المادة . وكان ابرز الفلاسفة اليونانيين التجريبيين هو الفيلسوف ديمقريطس ( 460 ق م – 360 ق م ) الذي كان أول فيلسوف تطرأ على ذهنه فكرة ان الطبيعة تتكون من ذرات ، وفكرة أن المعرفة لا بد أن تكون يقينية أو مجربة على نحو مطلق . والفيلسوف كارنيدس الذي قال في القرن التاسع قبل الميلاد أن الاستنتاج لا يمكن أن يقدم المعرفة لأنه لا يستنتج نتائج من مقدمات ، ولا يستطيع إثبات صحة المقدمات ، ولذلك قال انه لا ضرورة للمعرفة المطلقة من اجل توجيه الإنسان في حياته اليومية ، وأن فكرة الصح والخطأ المطلقة لا بد من دحضها على أساس اللايقين ، لأن التأكد المطلق من معرفة شيء يعد أمرا مستحيلا . والواقع ان كارنيدس كان في دفاعه عن الرأي الشائع وعن الاحتمال قد ارسي دعائم المدرسة التجريبية في بيئة عقلية كان اليقين الرياضي يعد فيها الصورة الوحيدة المقبولة للمعرفة . وقد استمر الاتجاه للمعرفة عن طرق الشك في المعلومات العقلية المجردة في القرون التالية . فالسفسطائيون في القرن الخامس قيل الميلاد كانوا شكيون ، والمدرسة البيروونية الذي أسسها انيسيبيوس في القرن الأول الميلادي كانت مدرسة شكية ، والفيلسوف سكستس ايرامبيريكوس رائد مدرسة الأطباء التجريبيين في القرن الثاني قبل الميلاد ، والذي كان من أبرز روادها أبو الطب ابقراط الذي اثر في مسيرة المنهج التجريبي وصاحب تجربة كسر بيض الدجاج في مراحل مختلفة لمعرفة مراحل تطور الجنين كانت مدرسة شكية . وذلك بالإضافة الى الفيلسوف بيروو الايلي ، والفيلسوف ارسيسيلاس . وهكذا نرى أن أسهم المدرسة التجريبية كانت ترتفع مع كل حضارة جديدة في حين ظل الاتجاه العام للفكر هو الاتجاه العقلي . أما المذهب التجريبي فقد كان من خصائص الحرفيين والصناعيين وبعض الأطباء في بعض الأحيان . وهنا لا بد من الإشارة الى الحضارة الإسلامية الذي كان لها دورا كبيرا في نقل الإنسان والمعرفة الإنسانية من مرحلة الحضارة اليونانية الى مرحلة عصر التنوير ، وعصر الثورة الصناعية ، وعصر التكنولوجيا والمنهج التجريبي . ومن ابرز العلماء المسلمين في هذا المجال العالم جابر بن حيان ( 721م – 815 م ) ، وهو من رواد العلوم التطبيقية ، وأول من أدخل المنهج التجريبي في الكيمياء ، وأدخل عنصر التجربة في المعمل . والعالم الحسن بن الهيثم ( 950م – 1040 م ) ، وهو أول من قال ان الضوء يأتي من الأجسام الى العين وليس العكس كما كان شائعا في السابق ، واليه ينسب اختراع الكاميرا ، وقد كان يستخدم المنهج الاستقرائي والمنهج الاستنباطي ، وفي الحالين كان يعتمد على الملاحظة والتجربة . وقد أكدت هذه الحقيقة الكاتبة الألمانية زيغريد هونكه ( 1913 م – 1999 م ) ، وهي مستشرقة ألمانية كانت معروفة بكتاباتها الدينية ، وخاصة كتاب الله ، وكتاب شمس الله تشرق على الغرب الذي قالت فيه ( أن العرب لهم حضارة ثابتة وأصيلة ، وما الحضارة الغربية الحديثة إلا مدينة للحضارة الإسلامية ، ولولا الحضارة الإسلامية لما كانت هناك حضارة غربية ) ، ولكن أسهم هذا المذهب التجريبي التي ارتفعت مع ارتفاع أسهم الحضارة الإسلامية تراجعت مع تراجع هذه الحضارة . وهكذا عادت الفلسفة من جديد الى المنهج العقلي الذي يرى أن اليقين الرياضي هو الصورة الوحيدة المقبولة للمعرفة . وفي نفس الفترة هذه أيضا شهد الغرب جمودا حضاريا انعكس على المدرسة التجريبية ، حيث كانت الفلسفة في العصور الوسطى في الغرب من اختصاص رجال الكنيسة واللاهوت الذين ابتعدوا عن المنهج التجريبي ، وواقع الحياة ، وحصروا أنفسهم في المنهج المدرسي ، وأضفوا عليه الطابع اللاهوتي . وهو مذهب كانت فيه الفلسفة تحت سلطان الكنيسة ، وكان الهدف من دراسة الفلسفة هو تطبيق التعاليم اللاهوتية الكنسية على العقل . ولذلك لم تكن الفلسفة في ذلك العصر الذي امتد من القرن التاسع الميلادي الى القرن الخامس عشر الميلادي إلا لاهوتا ولم يكن اللاهوت إلا فلسفة . وأخيرا وفي وسط هذه الظلمات المحيطة بالعصور الوسطى ، وهذا التراجع الحضاري ، وهذا الجمود الفكري ، ظهر فانوس ديوجين متمثلا في عدد من الفلاسفة ومن أبرزهم الفيلسوف روجر بيكون ( 1214 م – 1294 م ) ، وهو فيلسوف انكليزي وراهب فرانسيسكاني وباحث طبيعي ورائد العلم التجريبي الحديث . ولكن ورغم انه عاش في فترة قاحلة حضاريا ، وطغي فيها الفكر الكنسي ، والتفسير الخرافي للظواهر الطبيعية والإنسانية ، إلا أنه كان من أوائل الفلاسفة الأوروبيين الذين نقلوا روح التجربة العملية من الحضارة الإسلامية الى الحضارة الغربية . كما أنه كان أول من تصور على نحو سابق لعصره الغواصات والسفن التي تسير بالمحركات البخارية ، والتليسكوبات والميكوسكوبات ، والطائرات والسيارات والمدافع . وذلك بالإضافة الى المعرفة الكاملة بالبارود وتركيبته الكيميائية . ولذلك اتهمته الكنيسة بالسحر والهرطقة وحكمت عليه بالسجن أربعة عشر عاما . ولكن وفي القرن السابع عشر حدثت أشياء أدت الى ثورة فكرية في طريقة التفكير الأوروبية ، وكان من أبرز هذه الأشياء الأفكار العملية التي فجرها جاليلو ونيوتن في إعادة إحياء معرفة الشكاك القدامى في عصر النهضة الأوروبية ، وتحدي السلطات التقليدية والحروب الدينية والثورة الصناعية في عصر الإصلاح ، والحركة الاستعمارية التي أدت الى اكتشاف حضارات جديدة أثرت في طريقة التفكير الأوروبية ولم تترك أمام الفلسفة الأوروبية من خيار سوى الاستجابة واستيعاب اكبر قدر ممكن من أفكار ومعلومات وحقائق هذه الحضارات . ولذلك بدأت الفلسفة الأوروبية بالشك ، لأن التفكير العلمي الفعال يبدأ من الشك ، وليس من الإيمان . ولذلك قال فرانسيس بيكون ( 1561 م – 1626 م ) ( لو بدأ الإنسان من المؤكدات لانتهى الى الشك ، ولكنه لو بدأ من الشك لانتهى الى المؤكدات ) وكان بيكون الفيلسوف والكاتب ورجل الدولة وقائد الثورة العلمية من الرواد الأوائل الذين تنبهوا الى غياب جدوى المنطق الأرسطي الذي يعتمد على القياس ، ومن أوائل الذين دعوا الى تحرير الفكر وإفساح المجال أمام الشك . وذلك لأن الشك درع واقي للفلسفة من الأخطاء ، وحافز للاستفادة من المعرفة ، ومن الأوائل الذين كانوا جسر اتصال بين الماضي والحاضر ، ومن الأوائل الذين اعترفوا بأن الفلسفة تراجعت في الوقت الذي تقدمت فيه الفنون الآلية ونمت وتكاملت وازدهرت وازدادت قوة ونشاطا . وقد كان سبب هذا التراجع يرجع الى النهضة الأوروبية التي خلقت روحا أدبية جعلت الناس يهتمون بالأسلوب والكلمة على حساب المعنى والفكرة ، والى اختلاط الدين بالفلسفة ، واعتماد الناس في أحكامهم على الأدلة النقلية وأقوال السلف دون النظر في صحتها أو عدمه ، والى بعض الفلاسفة الذين خرجوا بالفلسفة عن موضوعها الى الثرثرة الكاذبة ، والى تعصب الناس للعادات والعقائد وعدم التثبت في دراسة الأمثلة والتسرع في الوصول الى النتائج . ولذلك قال بيكون ان المشكلة الأساسية في الفلسفة اليونانية وفلسفة العصور الوسطي هي في الاعتقاد بأن العقل النظري وحده هو الكفيل بالوصول الى العلم ، وفي طريقة الاستنتاج القديم التي لا يمكن ان تؤدي الى حقائق جديدة ، لأن النتيجة موجودة في المقدمات . ولذلك ثار على فلسفة أفلاطون وأرسطو والفلسفة المدرسية والفلسفة التقليدية ، وحملها مسؤولية الجمود العلمي ، والقحط العقلي ، والفشل في تحقيق سعادة الإنسان ، وقال ان الطريقة الصحيحة في حل هذه المشكلة هو الاستقراء الذي يقوم على منهج استخراج القاعدة العامة ( القانون العلمي ) من مفردات الوقائع الواقعية استنادا الى الملاحظة والتجربة . ولذلك كان بيكون يقول يجب ان يكون العلم أداة في يد الإنسان ، تساعده على فهم الطبيعة والسيطرة عليها ، وان يكون للإنسان عقلية عملية جديدة يكون سبيلها المنهج الاستقرائي الذي لا يكون هدفه الحكمة أو القضايا النظرية ، ولكن الأعمال وإدراك الحقائق والاستفادة منها في تقدم حياة الإنسان وفهمه للطبيعة وسيطرته عليها ، وهو ما عبر عنه بقوله ( المعرفة هي القوة ) ولذلك قال ( ان المعرفة ينبغي ان تثمر أعمالا ، وان العلم ينبغي ان يكون قابلا للتطبيق في الصناعة ، وان على الناس ان يرتبوا أمورهم بحيث يجعلون من تحسين ظروف الحياة وتغييرها واجبا مقدسا ) ، ولذلك كان بيكون يرى ان العلم الذي يدرس في المعاهد ليس علما ، وانه لا بد من حدوث ثورة في نظرة الناس الى العلم ، والى وظيفة العلم . وقد صنف بيكون العلوم الى ثلاثة وهي الذاكرة وموضوعها التاريخ ، والمخيلة وموضوعها الشعر ، والعقل وموضوعه الفلسفة . ولذلك كان بيكون يرى أنه لا يمكن للمعرفة ان تكون قوة ، ولا يمكن للعلم أن يثمر ، إلا إذا استبدل منهج البرهان القياسي بمنهج الكشف الاستقرائي . كما انه لا يمكن تحقيق الأهداف المنشودة إلا بالالتزام بالشروط الذاتية التي تفترض تطهير العقل من الأحكام والأوهام والأخطاء التي انحدرت للإنسانية من الأجيال السابقة ، والشروط الموضوعية التي تفترض رد العلوم الى الخبرة والتجربة ، وهذا يعني المنهج الاستقرائي . والمنهج ليس هدفا بحد ذاته ، ولكنه وسيلة للوصول الى المعرفة العلمية ، لأنه كما يقول بيكون بمثابة إشعال الشمعة أولا ، ثم بضوء هذه الشمعة ينكشف لنا الطريق الذي علينا ان نسلكه حتى النهاية ، وهو طريق المنهج الاستقرائي . وكان من فلاسفة المنهج التجريبي أيضا الفيلسوف جون لوك ( 1632 م – 1704 ) الذي وضع عدد من الأسئلة وهي
كيف نعرف ما نعرفه ؟
وهل ما نعرفه وراثي أم مكتسب ؟
وهل ما نعرفه طبع أم تطبع ؟
وهل يأتي ما نعرفه عن طريق الاستنتاج أم عن طريق التجربة ؟
وقد أجاب على تلك الأسئلة بالقول بأن التجربة والتجربة وحدها هي مصدر المعرفة . وكانت فلسفة جون لوك قد ظهرت في فترة الحرب الأهلية بين الملك والبرلمان في بريطانيا ، والتي انتهت بانتصار البرلمان ، وتقييد سلطة الملك الذي أصبح يملك ولا يحكم . وفي هذه الفترة الانتقالية التي تمتاز بالاضطرابات والفوضى الاجتماعية والسياسية والثقافية ، أراد لوك ان يحافظ على استقرار المجتمع الانكليزي ، وعلى النتائج الى أسفرت عنها الثورة . ولذلك اشتهر بنظريته السياسية التي تقوم على تحقيق التوازن بين حق الملكية الذي يحافظ على الحقوق الارستقراطية المتوارثة ، وبين لحقوق البرجوازية المالية والتجارية والصناعية المكتسبة ، وبين مفهوم الحكومة المدنية التي تعتمد على توازن القوى وتوزيع السلطات . وكان لوك يريد من وراء ذلك مواجهة حماس الطبقة البرجوازية الذي يمكن ان يصل الى حد التهور ، وهو تهور طبيعي يمكن ان يؤدي الى مواجهة بين الطبقة البرجوازية والسلطات الكهنوتية الكنسية الى درجة قد تؤدي الى العصف بالدين . وعلى كل حال هو تهور طبيعي مثل أي تهور يلازم صعود أي طبقة جديدة . ولذلك كان هدف لوك هو الحفاظ على الإيمان والتعبير عن نظرية البرجوازية الفكرية في اعتماد العقل والخبرة التجريبية التي وضعها أساسا لفلسفته حكما في كل شؤون الحياة في نفس الوقت . وقد كان من الممكن ان تذهب فلسفة لوك التجريبية الى حد الإطاحة بالدين من جراء عداء المذهب التجريبي للأفكار المسبقة ، واعتماده على الخبرة التجريبية التي تكبح جماح العواطف ، وخاصة عاطفة الإيمان . لكن تجريبية لوك كانت تتميز بتحقيق التوازن بين عمل العقل والتجربة من جهة ، وبين الإيمان والوحي من جهة أخرى ، وهكذا نرى ان تجريبية لوك وضعت للعقل حدودا مزدوجة من الخبرة التجريبية ومن الإيمان بالوحي . وهكذا كانت فلسفة لوك فلسفة تجريبية ليس لأنها ترفض العقل ، ولكن لأنها تقيد العقل ، وذلك عكس فلاسفة التيار العقلاني ديكارت وليبنيز الذي وضع خطة لغزو فرنسا لمصر حتى يشغل فكر الفرنسيين ويبعدهم عن التفكير في غزو ألمانيا . وقد قام نابليون باستخدام نفس الخطة في غزو مصر بعد مائة وعشرون عاما ، وسبينوزاالذي تحرر العقل عندهم من أي تجربة حسية ، ووصل الى حد المثالية. ولذلك كان التجريبيون لا يؤمنون بقدرة العقل المطلقة على معرفة كل الحقائق ، ولا يؤمنون بالغيبيات والفلسفة الميتافيزيقية ، ولذلك قال لوك ان العقل خلق لمساعدة الإنسان على متطلبات الحياة وبقاء النوع ، ولم يخلق لمعرفة كل الحقائق ، وأن الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء مثل الكراسة الفارغة أو السبورة الممسوحة الذي لم يخط فيها قلم ، وبالتجربة والتجربة وحدها يعرف الإنسان ما يعرف . وضرب لذلك مثلا بالماء ، وقال ان الماء يغلي في درجة مائة مئوية لأن هذا هو ما نشاهده بالتجربة والقياس ، وليس هناك طريقة أخرى أو أسلوب آخر يمكننا من استنتاج هذه المعومة بدون تجربة . ولذلك رفض لوك فكرة ان الإنسان يولد ولديه معلومات فطرية غير مكتسبة كما قال أفلاطون وديكارت وكانت حجته في ذلك عدم وجود دليل يدعم هذه الفكرة ، وقد وافقه في ذلك الفيلسوف جورج بيركلي ( 1685 م- 1753 ) والفيلسوف دافيد هيوم ( 1711 م – 1776 ) ، وكان سلاح لوك في مهاجمة ديكارت ولفلاسفة العقليين هو مبدأ موس اوكام وهو مبدأ منسوب الى الفيلسوف الانكليزي وليام اوكام ( 1288 م- 1347 م ) وهو مبدأ يقول فيه وليام اوكام أن شرح أي ظاهرة يجب أن يعتمد على أقل عدد من الفروض ، وترك أية فروض زائدة لا تساعد في تفسير الظاهرة ، ولا يجب الذهاب الى أبعد من الضرورة في تبرير الأحداث ، لأن أبسط النظريات هي أقربها الى الصواب . ولكن لم تكن الابيستيمولوجيا وهي فرع الفلسفة الخاص بالمعرفة هي مجال لوك الوحيد ، ولكنه كان أيضا يهتم بالسياسة ، وقد كتب رسالتين عن الحكومة ، ومقارنة القوانين السياسية التي تحكم الدولة بالقوانين الطبيعية ، وفي ذلك اختلف مع توماس هوبز ( 1588 م – 1679 ) اختلافا كبيرا ، لأن هوبز كان يقول بأنه لا توجد عدالة ، ولا يوجد ظلم ، ولا يوجد صح ، ولا يوجد خطأ ، ولا يوجد ارث ، ولا توجد ملكية خاصة ، ولا يوجد هذا لي ، ولا يوجد هذا لك في القانون الطبيعي ، ولكن كل شيء في القانون الطبيعي مباح إذا كان يخدم فرصة البقاء ومواصلة الحياة . ولذلك يستطيع الإنسان أي إنسان أن يحصل على ما يستطيع الحصول عليه إذا كان قادرا على الحفاظ عليه بالقوة ، وهذا هو حقيقة ما يحدث في فلسطين وجنوب لينان والجولان ، أن الكيان الصهيوني استطاع الحصول على فلسطين من النهر الى البحر وعلى قرية الغجر ومزارع شبعا والجولان بالقوة ، وهو لا يزال يستطيع الحفاظ على هذه الأراضي بالقوة . ولأن هوبز يقول عندما يقتل الأسد فريسته لا يعتبر هذا قتلا ولكنه مجرد عمل روتيني لإحضار وجبة الغذاء اليومية . وهذا هو منطق الكيان الصهيوني في قتل الفلسطينيين واللبنانيين ، لأن الجندي الصهيوني عندما يذهب الى قتل الفلسطينيين في غزة أو قتل اللبنانيين في جنوب لبنان يذهب بشكل روتيني كما يذهب الى السوبر ماركت لشراء ما يلزمه من حوائج الحق الطبيعي ، والحق الطبيعي عند هوبز والجندي الصهيوني هو حق الحياة ولا يوجد حق غيره ، لأن غريزة حب البقاء هي التي تولد هذا الحق ، وكل شيء مباح في سبيل حق الحياة عند هوبز والجندي الصهيوني . والله لا يتدخل في هذه الأمور ، لكن الحقوق الطبيعية عند لوك لا تأتي من الغريزة كما يقول هوبز وحكام الكيان الصهيوني ، ولكنها تأتي من الله ومن الأخلاق ، والإنسان له الحق في جميع ممتلكاته كحق طبيعي ، ولكن شرط أن لا تفسد من التراكم ، وان يكون الباقي يكفي الآخرين ، وأن لا يضر تراكم الممتلكات بالآخرين . ولذلك كان جون لوك يعتبر أبو النظرية اللبرالية لدولة الحق والقانون ، لأنه كان يدافع عن الحق في الملكية الشخصية والحق في الحرية الشخصية ، ولكن الحرية الشخصية عند لوك لا تعني الإباحية ، ولكنها تعني المسؤولية ، ولذلك قال ( حريتي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين ) ، ولذلك كان يدعو الناس الى الحفاظ على حياتهم ، لأنها هبة من الله ، وأن يحترموا حياة غيرهم لأنها هبة من الله أيضا . وأن يحترموا ملكيات الآخرين ، وأن يرفضوا العنف ، لأن العنف يجب أن يكون مرفوضا في المجتمع الليبرالي القائم على العقل واحترام المواثيق والعهود ، حتى لا يخرب المجتمع المدني ويدمر الحياة الاجتماعية . وهكذا كانت أفكار لوك وراء الثورة الإنجليزية عام 1688 التي أسست ولأول مرة في التاريخ دولة الحق والقانون ، وهكذا تكون بريطانيا قد سبقت فرنسا الى دولة الحق والقانون والنظام الديمقراطي الليبرالي بحوالي مائة عام ، وعندما زار فولتير بريطانيا في 1728 ورأى ما بلغته من تقدم سياسي واجتماعي سجل ذلك في كتابه ( رسائل عن الانكليز ) ولم يتوقف الأمر عند فولتير وفرنسا ولكنه تجاوزه الى الولايات المتحدة الأميركية حيث استخدم الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية نظرية لوك في وثيقة إعلان الاستقلال والدستور الاتحادي للولايات المتحدة الأميركية .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.