أوقاف سوهاج تفتتح عددًا من المساجد أول أيام عيد الفطر المبارك    القصف الإيراني يدمر 9 آلاف مبنى ويخلف 21 قتيلا وأكثر من 4 آلاف جريح في إسرائيل    محافظ دمياط يشارك كبار السن فرحة عيد الفطر بدار المسنين في رأس البر    التموين: تشديد الرقابة على الأسواق لضمان استقرار الأوضاع وتوافر السلع    الخارجية الروسية: الهجوم على ميناء أنزلي الإيراني أضر بمصالحنا    وزارة الدفاع الإماراتية: تعاملنا مع 4 صواريخ بالستية و26 مسيّرة    وزيرا الخارجية المصري والتركي يبحثان التطورات الإقليمية    ترامب وجزيرة خرج الإيرانية.. مصادر تكشف سيناريو احتلال «جوهرة التاج»    ليفربول يعلن غياب محمد صلاح عن معسكر منتخب مصر المقبل    الأحوال المدنية تواصل قوافلها لتقديم الخدمات للمواطنين بالمحافظات    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس أول أيام عيد الفطر    مصرع شخص سقط من القطار في محطة الكراتية بقنا    فرحة العيد.. وتكريم الأم    ناقد فني: دراما المتحدة نموذج ناجح يعزز القوة الناعمة ويعيد تشكيل وعي المجتمع    من آسيا إلى أوروبا وأفريقيا.. كيف يحتفل المسلمين بعيد الفطر بطرق مختلفة؟    صحة الفيوم: تشكيل فرق متابعة للمنشآت الطبية الحكومية والخاصة خلال إجازة العيد    محافظ الإسكندرية يجري جولة على طريق الكورنيش لمشاركة المواطنين فرحة عيد الفطر    بيع النفط في أوروبا بسعر يعادل 370 دولارًا للبرميل    سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الجمعة 20 مارس 2026 أول ايام عيد الفطر    محافظ القاهرة يشارك كبار السن ومرضى ألزهايمر الاحتفال بعيد الفطر    محافظ الفيوم يزور الأطفال الأيتام بجمعية تحسين الصحة لتهنئتهم بعيد الفطر المبارك    إيران.. اغتيال مسئول الاستخبارات في الباسيج إسماعيل أحمدي    خامنئي في رسالة جديدة: يجب سلب أمن أعداء إيران    وزير النقل: مونوريل شرق النيل نقلة حضارية ووسيلة نقل خضراء.    منتخب مصر للناشئين يواصل استعداداته للتصفيات الأفريقية    على خطى المغرب... غينيا تبحث عن حقها في لقب أفريقيا قبل 50 عاما    آلاف المواطنين يؤدون صلاة عيد الفطر في 126 ساحة بالإسماعيلية    محافظ الدقهلية يشارك أطفال مستشفى الأطفال الجامعي احتفالهم بعيد الفطر    حرس الحدود يستضيف الإسماعيلي في صراع الهروب من الهبوط بالدوري    وسط آلاف المصلين.. محافظ الأقصر يؤدي صلاة عيد الفطر بساحة سيدي «أبو الحجاج»    الرئيس السيسي: مصر تنعم بالأمن والاستقرار بفضل تضحيات الشهداء    الزمالك يخوض مرانه الرئيسي اليوم استعدادًا لموقعة أوتوهو بالكونفدرالية    إيتاليانو: تعرضت لالتهاب رئوي قبل مباراة روما.. وبولونيا الطرف الأضعف    فيفا يحسم موقفه من نقل مباريات إيران للمكسيك    مشاهد عنف.. السبب وراء إيقاف عرض "سفاح التجمع" في دور السينما    نائب وزير الصحة يتفقد مستشفيات بالجيزة والقليوبية لمتابعة خطة التأمين الطبي في العيد    كأنهم في الحرم.. مشهد مهيب لأداء صلاة العيد بمسجد خاتم المرسلين بالهرم    «الصحة» تقدم بدائل صحية لكعك العيد وتحذر من الإفراط في تناوله خلال العيد    الرئيس السيسي يشهد خطبة عيد الفطر.. والإمام: يا شعب مصر سيروا ولا تلفتوا أبدا لصناع الشر    بالصور.. الآلاف يتوافدون على استاد ملوي بالمنيا لأداء صلاة عيد الفطر    الآلاف يؤدون صلاة عيد الفطر المبارك داخل الساحات والمساجد بالمنيا (صور)    محافظ بورسعيد يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك بالمسجد العباسي    الرئيس السيسى يؤدى صلاة عيد الفطر المبارك فى مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الجديدة.. رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وعدد من المسئولين فى استقباله.. وخطيب المسجد: العفو والتسامح طريق بناء الأوطان    هيئة الدواء: انتظام العمل بالمنافذ الجمركية خلال عيد الفطر لتلبية احتياجات المواطنين    فجر العيد في كفر الشيخ.. روحانية وتكبيرات تعانق السماء (فيديو)    زكريا أبو حرام يكتب: الكل بحاجة لمصر    الخليج فى قلب القاهرة.. جولة تثبيت الأركان    إسلام الكتاتني يكتب: ومازال مسلسل الفوضى الخلاقة مستمرا .. وموسم رمضاني ساخن «1»    حكم صلاة الجمعة إذا وافقت يوم العيد؟.. دار الإفتاء تجيب    مجلس التعاون الخليجي: استهداف إيران منشآت نفطية سعودية عمل إرهابي    صحة مطروح: رفع حالة الطوارئ استعدادًا لإجازة عيد الفطر    المفتي: العيد يوم الجائزة وتتويج للانتصار على النفس.. وفرحة الفطر تتجاوز الطعام والشراب    محافظ الدقهلية يستقبل المهنئين بعيد الفطر المبارك    السهروردي    انفجار وتحطم واجهة مول تجاري في مدينة دمياط الجديدة.. صور    رد الفيفا على طلب ايران نقل مبارياتها من الولايات المتحدة إلى المكسيك    عصام كامل يروي مشواره الصحفي على مدار 37 عاما: الصحافة مهنة ضغوطات، نخوض معركة رقمية مع منصات السوشيال، وهذه قصة فيتو ودور ساويرس في تأسيسها    صندوق النقد الدولى: مرونة سعر الصرف مكنت مصر من الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المحظور والمستور فى أزمة النيل!
سد النهضة جريمة إبادة ل15 مليون مصرى
نشر في الأهرام اليومي يوم 13 - 06 - 2013

سألت نفسي مندهشا: لماذا المصريون شعب الله المقهور الغارق دائما في مشكلاته؟.. لمحت إجابة في الأوبرا: بعد معركة حامية, سحق الجيش المصري نظيره الإثيوبي,
لكن القائد المصري المنتصر وقع في غرام أسيرته, ابنة ملك إثيوبيا, فحكم عليه الفرعون بالإعدام. هذا ما حكته أوبرا عايدة. تغيرت الدنيا, صارت الأوبرا رقصا فاضحا, وهبة النيل جاثية علي ركبتيها, منكفئة علي نفسها, يقذفها الماتادور الإثيوبي بالسدود, تحت وابل نيران شقيقة, لكن الدخان يخفي لهيب النار ونقطة اشتعالها, ووسط غبار الصخب والصياح ضاعت الحقائق فيما فات. لجأت إلي العارفين ببواطن الأمور, لفهم ما هو آت. قالوا إن لكل مشكلة حلا, وإن المخاطر تواجه عند المنابع وليس عند المصب, وإن الخنجر قد ينجح حين يفشل السيف العريض. عن نفسي أعرف صعوبة أن تهزم ما لا تراه, وأدرك أن مشاهد المحظور والمستور حين توضع متجاورة, تحت الضوء في إطار يجمعها, تتكشف من بينها حقائق جديدة, وربما صادمة, قد تفك الاشتباك المتأجج بين القندس والتمساح, بعيدا عن الثرثرة فوق النيل.
الذين اكتوت أيديهم بالنار هم أحسن من يحدثك عن لسعتها, هذا ما تشعر به وأنت تقرأ ما كتبه الأمريكي توماس فريدمان في نيويورك تايمز, عن قتل6 أشخاص وسط اليمن, في صراع مسلح متواصل بين قريتين علي جراكن المياه, لأن مياه الصنبور تأتي يوما واحدا كل شهر. فريدمان اعتبر ذلك إنذارا و رسالة تحذير في زجاجة لمصر والدول العربية. المذهل أن فريدمان كان متفائلا, فقد تخطت الأوجاع والأطماع في مياهنا كل مدي, ولم تعد رسالة في زجاجة تجدي, فقد دخل الفيل الإثيوبي الهائج محل الزجاج, مستغلا تعاسة الجغرافيا في غياب الفعل التاريخي, ليشن علينا حرب المياه مهددا حصتنا التاريخية في النيل.
ما جري كبير وخطير, لكن بعضنا قد لا يتصور أن تركيا هي التي فتحت صندوق البندورا فانطلقت منه كل الشرور, ضاربة القدوة والنموذج. عام1983 بدأت تركيا بناء سد أتاتورك, ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول لبناء15 سدا, بتكلفة33 مليار دولار, ضاربة عرض الحائط بالاعتراضات والحقوق المائية لسوريا والعراق, واكتفت بتقديم تطمينات ثبت زيفها ببناء سد أتاتورك عام2005 الذي خنق الدولتين, خلافا لما تعهدت به تركيا.وحرم سوريا من40% والعراق من90% من حصة كل منهما من مياه الفرات. صرخت دمشق وبغداد صراخا مدويا من الجفاف. عملت أنقرة ودن من طين وأخري من عجين, بل أوقفت جريان الفرات3 أسابيع, للإجهاز علي الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني بتركيا ولإظهار نفوذها الإمبراطوري علي جيرانها. وكانت إسرائيل تراقب وتشجع, تمهيدا لنقل التجربة إلي الساحة الأهم والأخطر, حوض النيل. بعد نجاحها بانتزاع مياه نهر الأردن وبحيرة طبرية, مما كان سببا مباشرا لحرب يونيو..1967 وفي السنوات العشر الماضية قادت تركيا وإسرائيل وإثيوبيا تحركا شيطانيا, لتغيير قواعد القانون الدولي لمياه الأنهار, فطرحت مفاهيم جديدة, مثل: تسعير المياه, وإنشاء بنك وبورصة للمياه. تبناها البنك الدولي وأهمل وجهة نظر الأطراف العربية المعترضة. ما كان طيفا أمس صار واقعا اليوم. اتسعت دوامات الأزمة فغرقنا في لجتها, وأعادت تطمينات إثيوبيا لمصر, بخصوص سدود النهضة إلي الأذهان, ما فعلته تركيا, بل أشد ضررا.
الكارثة
المحزن أنه في الفترة نفسها, بح صوت أبوالنيل المفكر العظيم د.رشدي سعيد حتي مات كمدا, وهو يحذر من المساعي الإثيوبية لإعادة توزيع مياه النيل بين دول الحوض وإحياء مشروعاتها القديمة لبناء السدود عليه, منبها لاعتبارات سياسية تحركها وقوي خارجية تدعمها, هي قوي السوق الجديدة التي جاءت مع موجة العولمة بعد نهاية الحرب الباردة, ودفعت شركات المقاولات أو الاتجار في المياه متعدية الجنسية, لفتح جبهة علي نهر النيل بإقامة السدود وبيع المعدات وجني الأرباح. وسرعان ما تنادت دول العالم الأصدقاء قبل الأعداء بالهجرة إلي إثيوبيا, لاستغلال مياهها, دون أدني اعتناء بالكارثة الماحقة فوق رءوس المصريين. نكسة المياه الحالية لا تنفصل عن التزاحم بالأكتاف بين القوي العالمية لنهب خيرات أفريقيا وإشعال الحروب والعداوات بين شعوبها, إنه تاريخ طويل مرير, صوره جوزيف كونراد, في رائعته قلب الظلام, لكننا في واد والعالم في واد آخر, حتي حلت الكارثة, وكأننا فوجئنا بها مع أنها تجري أمام أعيننا منذ عقود. المفزع أكثر هو تعاملنا الذي وصفه لي د.محمود أبوزيد, وزير الري الأسبق بتهذيب بأنه بطيء للغاية. أما الحوار الوطني السري المعلن فأظهر مصر في نظر الكثيرين عاجزة قاصرة, ليس لديها من القوة ما تثبت به الأفئدة, في ظل تآكل القدرة وغياب البصيرة. تنهمك السلطة والمعارضة في عناد غبي,كل ينظر في مرآته ولا يري إلا نفسه, يشغله التمكين والإقصاء, حرب داخلية وفضائح علي الهواء, قلوب مليانة في سيرك سياسي عجز عباقرة الديمقراطية وحماتها عن وضع نهاية مشرفة له, فطمع فينا الطامعون, وسددوا ضربتهم القاضية.. بعد الستينيات وما أدراك ما الستينيات- تغربت مصر عن دورها في محيطها الإفريقي,تطلبه بلا تكلفة, ولا تعي تبعات تنكرها لإفريقيا وانسحابها من تفاعلاتها وقضاياها. كما عبر عنها بعتاب ساخط ممرور الرئيس الأوغندي موسيفيني..!
النازية
وبينما الرفاق في الحكم والمعارضة تائهون, لا يفكرون إلا في غزو الصناديق, يكيد المتربصون كيدا, فالوطن المصاب في أبنائه تتدهور صحته سريعا. يرصد د.ضياء الدين القوصي, خبير المياه الدولي, بعض ملامح التدهور القادم: إن بناء إثيوبيا سد النهضة وحده سيقلص حصة مصر من المياه9 إلي12 مليار متر مكعب سنويا. و15 مليارا لو أقامت إثيوبيا حزمة السدود كاملة, وفقدان3 ملايين فدان من الأراضي الزراعية, وتشريد من5 إلي6 ملايين فلاح, وتهاوي قدرة السد العالي علي توليد الكهرباء.
إذن النهضة سد يحمل الخراب لمصر, لدرجة أن د.حازم الببلاوي, وزير المالية الأسبق, ذكر أن أسوأ سيناريو هو تشريد وتجويع15 مليون مصري. إنها جريمة إبادة ضد الإنسانية, وقرابين بشرية مصرية تزهقها أديس أبابا, علي مذبح سدودها. وتلك نازية تجعل الظلام عريضا ومخيفا, في ظل بؤس الأداء الرسمي المصري تجاه الأزمة..يفجر د.عباس محمد شراقي, أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة, مفاجأة مخيفة: إن سد النهضة معرض للانهيار وستكون آثاره كارثية علي السودان ثم مصر, وإن الشركة المسئولة عن إنشائه أخلت مسئوليتها عن المشروع بعد تسليمه.وأنه في2010 تم إنشاء سد جيبي-2 علي نهر أومو بإثيوبيا وانهار بعد10 أيام من افتتاحه.
بعض الدراسات قدرت معامل أمان السد الإثيوبي ب1.5 فقط, وأن الهضبة الإثيوبية نشيطة زلزاليا, وأن ثقل المياه أمام السد, سيزيد الزلازل وربما البراكين. يحذر المهندس يحيي عبد المجيد, وزير الري السوداني الأسبق, من أن الزلازل قد تشطر قارة أفريقيا إلي قسمين, بحيث يلتحم المحيط الهندي مع الأطلسي, ابتداء من القرن الأفريقي, وينتهي النيل الأزرق, واستشهد بدراسات علمية أمريكية.
البيدق
لا يمكن فصل المسعي الإثيوبي عن لعبة الأمم الكبري في رقعة شطرنج عالمية, تلعب فيها إثيوبيا دور البيدق الضعيف الذي يدفع به اللاعب خطوة للأمام كلما سنحت الفرصة. اللاعبون كثيرون يتزاحمون علي حوض النيل, لخطف الأراضي ونهب المياه والثروات, حتي لو اشتعلت الحروب وجفت الضروع, وتحول شريان حياة المصريين, ورقة من أوراق الصراع. أمريكا تحتفظ بقيادة قواتها الأفريقية الأفريكوم في القرن الأفريقي, وتعتبر إثيوبيا قاعدة لأنشطتها مع جيبوتي- في القرن الأفريقي والمحيط الهندي, وشرطي المنطقة تطلق يدها في الصومال وإريتريا وغيرهما, لمواجهة الجماعات المتشددة, وتدخل الصين علي الخط نفسه بنعومة الاستثمارات والمشاركة بتمويل السدود, أيضا إيطاليا والهند وإيران, أما المخزي حقا بحسب الحقوقي نجاد البرعي- فهو مواقف دول عربية خليجية( شقيقة) من السد, فإحداها عرضت4 مليارات دولار, إسهاما في السد الإثيوبي, نكاية في النظام الإخواني الحاكم بالقاهرة وتوجهاته. وأسقطوا من حسابهم الشعب المصري الذي دافع عبر التاريخ عن وجودهم بالدماء والأموال والمعارف, وآخرها حرب تحرير الكويت. ويشير د.نادر نور الدين, الخبير المائي إلي أن السعودية والإمارات وقطر تضخ استثمارات هائلة للزراعة في إثيوبيا وجنوب السودان, وتعرض بفجاجة زراعة5 ملايين فدان من المياه المستقطعة من حصة مصر, ولم ينتظروا انتهاء الأزمة.
إسرائيل أخطر اللاعبين, تعمل علي انتقاص حصتنا من النيل وإغراقنا في حرب المياه, أو قبولنا بنقل مياه النيل إليها, مما يوجه ضربة قاتلة للأمن القومي المصري, ويكمل تفتيت السودان وترحيل يهود الفلاشا الإثيوبيين لإسرائيل, ويجعلها دولة عظمي في حوض النيل, بعدما نسجت علاقات استراتيجية معها, تدريبا وتمويلا وتسليحا وتكنولوجيا, لجرجرة مصر في دروب أزمات مستعصية, وإرهاقها بالضغط علي أعصابها وأعضائها الحساسة, وإغراقها في خلافات مع جيرانها, وتحويل قضية المياه إلي صراع ديني إسلامي مسيحي, مستثمرة خشية دول الحوض المسيحية من توجهات اليمين الديني الحاكم في الخرطوم والقاهرة ولاسيما بعد مخالفة مصر الإجماع الأفريقي تجاه أزمة مالي, مما قطع شعرة معاوية مع الأفارقة فتخلي الجميع عنا, ووجد بعضهم مياه النيل فرصة لتحجيم مصر وإدخالها القفص, يتفرج عليها الرائح والغادي.
ذهبت السكرة وأفاق المصريون- لأول مرة منذ7 آلاف سنة- علي أن النيل ليس منيعا, وأن عرقلة مياهه عن الجريان مقدمة لانهيار وطنهم كدولة..هنا لا يمكن وضع اللوم علي العنصر الأجنبي الذي لا شك في وجوده وقوته, لكنه لا يأتي إلا عندما تكون الساحة جاهزة.وكل ذي عينين يدرك أن منبع الخطر هو ضعف الدولة المصرية وهشاشتها وتردي الأداء علي المستويات كافة, فالنعجة لا يمكنها العيش بين الذئاب, والشر ينجح عندما يفشل العقلاء في التصرف. إن أهل السلطة-حكاما ومعارضين- مطالبون بالكف عن حمل بطيختين بيد واحدة:مطامعهم ومتطلبات الوطن, والتحرك العاجل لمواجهة أزمة النيل.
المفارقة المدهشة المخجلة أن استراتيجية الانقضاض الإسرائيلية في التعاطي مع الأخطار تقدم أفقا للرؤية, فقد شنت علينا حروبا غادرة, وضربت المفاعل النووي العراقي في الثمانينيات, ثم المفاعل النووي السوري مرارا, والأسلحة في السودان, و تلوح بقصف إيران...إنها تمنع الأخطار في طور الاحتمال عن أن تصبح حقائق واقعة, تحت بصر العالم وسمعه, بزعم حماية وجودها. وعلي مصر أن تكيل الضربات الاستباقية, ضربات تعاونية:سياسية أو اقتصادية أو تكنولوجية, أو ربما عسكرية إذا استنفدت كل الوسائل, علي مسارين متوازيين: الأول دفع الضرر, والثاني جلب المنفعة.
أولي خطوات المسار الأول: إصلاح علاقات مصر و السودان فورا للوقوف معا في وجه الجموح الإثيوبي, وقد طرحت مؤسسة ستراتفور3 خطوات أمام مصر لدفع ضرر سد النهضة: الضغط الدبلوماسي الشديد المكثف علي كل المستويات, أو العمل السري داخل إثيوبيا وحولها, وأخيرا التدخل العسكري المباشر.
العدالة
ودون مناقشة طروحات ستراتفور تحتاج مصر لبذل أقصي الجهود علي أعلي المستويات وفي كل الاتجاهات, إقليميا ودوليا, وبالأخص أمام الشعب الإثيوبي الشقيق, بعيدا عن التربص أو العدوان. لتأكيد عدالة مطلبنا تجاه السد, الذي يهدد حياة المصريين ووجودهم.تحصل مصر علي5% فقط من واردات النهر البالغة1666 مليار متر سنويا, وهي لا ترفض إعادة توزيع حصص دول النيل, شرط إدخال كميات الأمطار والفواقد الهائلة في الاعتبار, إذ يستحيل قبول الإضرار بحصة مصر(650 مترا للفرد سنويا) من جانب إثيوبيا(1430 مترا للفرد),ولديها10 أنهار غير النيل الأزرق, وتوصف بأنها نافورة مياه إفريقيا. لذا ينبغي تعديل مواصفات السد لعدم الإضرار أو الاستعاضة عنه بسدود صغيرة لتوليد الكهرباء, تقوم مصر والسودان بالإسهام في تمويلها والاستفادة منها, مع تدشين مشروعات ومساعدات مصرية لخير شعوب الحوض. وإذا لم تستجب إثيوبيا, قد تقبل وساطة دولة مثل جنوب أفريقيا أو غيرها, أو اللجوء لمجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية, لأن المادة51 من القانون الداخلي توصف آثار السد الإثيوبي بأنها جرائم إبادة ضد الإنسانية, وهناك اتفاقيات قديمة مع إثيوبيا, حصلت بمقتضاها علي مساحة كبيرة من أرض( السودان المصري), مقابل امتناعها عن أي مشروعات علي النيل دون التشاور مع مصر, وعليها أن تعيدها لو أصرت. إن أي دولة تساند إثيوبيا في تحرشها بمصر, علينا وقف مرور سفنها بالسويس, حتي لو كانت أمريكا.بل إلغاء اتفاقية القسطنطينية لو تأثرت حصة مصر المحكومة باتفاقية دولية, مع وضع العالم أمام مسئولياته, فكلها اتفاقيات من زمن الاستعمار, أما إسرائيل فإن التزامنا باتفاقية كامب ديفيد يجب أن يرتهن بتوقفها عن تعكير مياه النيل وإثارة الفتن.إفهامها أن إيصال مياه النيل إليها ضرب من المستحيل, وقد تجد بغيتها في الحليف الاستراتيجي التركي ومياهه الغزيرة.
آخر العلاج الكي, أي تذكير إثيوبيا بأن الجيش المصري هو الأقوي في أفريقيا وال14عالميا.وقد ذكر جون بولوك في كتابه حروب المياه.. الصراعات القادمة في الشرق الأوسط أن هناك خططا عسكرية مصرية جاهزة للتدخل وراء الحدود إذا تأثرت مياه النيل, كالخطة عايدة المعدة للتعامل مع إثيوبيا, كورقة أخيرة, إذا فشلت كل المساعي السلمية.
الكنز..!
الأمم الحية والأنظمة الواعية هي التي تصنع من الأزمة فرصة, وتستجيب للتحدي, فكما قال الشاعر:(لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها.. لكن أحلام الرجال تضيق).وسيدهشك كيف تكون الحقيقة( الكنز) أمامك ولا تراها, بما يعيد إلي الأذهان رواية الخيميائي لباولو كويهلو. إن التفكير الرشيد الخلاق قنطرة لجلب المنفعة, بطرح حلول غير تقليدية لزيادة حصة مصر لا المحافظة عليها فقط, بإعادة بناء الثقة والتعاون الجاد لمصلحة كل شعوب الحوض, وتنفيذ دراسات المشروعات المشتركة الجاهزة مع إثيوبيا, وقد أخبرني د.محمود أبوزيد بأنها قد توفر12 مليار متر لإثيوبيا والسودان ومصر, كذلك تنفيذ مشروعات مع جنوب السودان وهذه الدولة تشكل مستقبل المياه لمصر, مثل جونجلي وغيرها, التي يمكن أن توفر18 مليار متر حدا أدني بعد تلافي المعوقات والسلبيات, ومد يد العون العاجل والمحسوس والمستمر لهذه الشعوب التي تكافح للخروج من ربقة الفقر والمرض, بعدما أهملناها طويلا. أخيرا الفرصة العظيمة التي لو تحققت لحلت مشكلات المياه في مصر وحوض النيل إلي الأبد, وهو مشروع ربط الكونجو بالنيل, أي حقنه بمياه نهر الكونجو, وقد تحدث في شأنه خبراء ورجال أعمال وسياسيون مصريون وسودانيون, وأول من اقترحه أباتا, كبير مهندسي الري المصريين في السودان1902 والذي اقترح شق قناة تصل نهر الكونغو بأحد روافد النيل بالسودان, للاستفادة من المياه التي تهدر منه, حيث يلقي النهر نحو1.450 مليار متر مكعب من المياه في المحيط الأطلنطي, بما يوازي17 ضعف المياه التي يحملها النيل سنويا, بالإضافة إلي إمكان توليد نحو13% من الطاقة الكهرومائية في العالم تكفي أفريقيا كلها, وقد رحب بالفكرة د.نادر نور الدين والصادق المهدي, رئيس الوزراء السوداني الأسبق, و خاصة أن الكونجو هي الدولة الوحيدة التي رفضت توقيع اتفاقية عنتيبي, وهو موقف لابد من استثماره في بناء تحالف استراتيجي بين مصر والكونجو في المجالات كلها. لكن الفكرة استبعدها خبراء آخرون, بحجة مخالفتها الأعراف الدولية وفتحها بابا للشر, بتحويل مياه النيل إلي سلعة تباع وتشتري, بما يصب في مصلحة إسرائيل..والقول الفصل يرتبط بدراسات متعمقة للجوانب الهندسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية للمشروع,وقبلها الحوافز والإغراءات وأطر التعاون التي يمكن أن تقدمها مصر والسودان لدول حوض الكونجو, فالأمر جدير بالمحاولة, لأن2% فقط سنويا من مياه الكونجو(30 مليار متر) كفيلة بتحويل الصحاري السودانية والمصرية إلي جنات خضراء.
لقد وعي المصريون حكمة الغابة وشريعتها, فالأسد عندما يفقد مخالبه, تتقافز علي أكتافه القرود لاهية آمنة, ولذلك ثاروا, وحق لهم أن يقرروا- ولأسباب يقدرونها ضرورة حياة- سن قوانينهم الخاصة, يعاملون بها الأوضاع المستجدة في تنظيم علاقات الغلبة والسيطرة, ويعزفوا مارش النصر لفيردي وهم يستعرضون عايدة أسيرتهم..!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.