وبينما أهم بمواصلة حديثى عن ثورة يناير المظلومة والظالمة أجدنى وبلا ترتيب أخط تلك الكلمات عما يحدث فى المنطقة من اشتعال الصراع بين الكاوبوى الأمريكى وطفله المدلل بيبى كوهين من ناحية، وبين الولى الفقيه من ناحية أخرى.. وليس هناك تعارض بين ما كنت أتناوله عن يناير وأحداثها ونتائجها وبين ما يحدث اليوم.. فما نراه اليوم ما هو إلا حلقة من حلقات مسلسل الفوضى الخلاقة والسايكس بيكو الجديد والشرق الأوسط الكبير، الذى بشرت به الآنسة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية إبان حكم جورج بوش الابن الذى شاهدنا أولى حلقاته فى أبريل من العام 2003، حين أعلن الكاوبوى الأمريكى عن احتلال العراق الشقيق.. وتم إنتاج الجزء الثانى من هذا المسلسل الهوليودى الضخم وعرضه فى عام 2011.. حين ازدادت وتيرة التشويق والإثارة لأحداث ذلك المسلسل فيما عرف آنذاك بثورات الربيع العربى.. ولم يكتف المؤلف والمخرج والمنتج بالجزء الثانى الذى حقق نجاحا منقطع النظير.. فعمدوا إلى تقديم الجزء الثالث ليفتح شهية المتفرجين بوجبة ساخنة من الإثارة والدراما بل والميلودراما حين عرض علينا أولى حلقات الجزء الثالث فى أكتوبر 2023، وتستمر معنا تلك الحلقات فى الموسم الرمضانى من هذا العام وتحقق أعلى نسب المشاهدة.. فقد برع الأبطال هذه المرة فى تقديم أنفسهم فها هو الولى الفقيه يتحدى.. وسيد البيت الأبيض يطلق العنان لعنترياته.. والسيد كوهين ينتهز الفرصة ويشعلها نارا تأكل الأخضر واليابس.. يالها من إثارة جذبت المشاهدين للتحولق حول شاشات التلفاز لرؤية تلك المشاهد الدرامية التى تجسد لنا قصة الفوضى التى أراد مؤلفها أن تطال المنطقة بأسرها لتتغير الخرائط وتتبدل الأنظمة.. ويعم الانقسام والتشرذم والتشظى.. لينعم الكاوبوى الأمريكى وطفله المدلل بيبى كوهين بتسيد المنطقة وأن يطلق العنان لتحقيق حلمه على أرض الواقع من النيل إلى الفرات.. لكن ما يؤرقه ويقض مضجع نومه تلك العقبة الكؤود فى خاصرته التى تقف له بالمرصاد، إنه الجيش المصرى عمود خيمة الدولة المصرية.. ماذا يفعل حيالها فقد فشلت كل خططه لإحداث تلك الفوض على أرض النيل بينما نجحت للأسف فى دول أخرى شقيقة مما أعطاه شعورا بنشوة الانتصار وأنه قد اقترب من تحقيق حلمه الكبير.. وبينما نحن على هذه الحالة من الإثارة والتشويق لإحداث الجزء الثالث يطل علينا أحد أبطاله ليصب حممه وبراكين غضبه على جيرانه المسالمين من إخوته العرب القابعين على الخليج ليقض مضجعهم بعد أن كانوا ينعمون بنومهم الهانئ مما أثار غضبهم واستياءهم وتساءلوا لماذا تفعل هذا بنا أيها الولى الفقيه؟! ألسنا جيرانك؟! ألسنا أخوتك فى الدين؟! لمَ تفقد البوصلة وتحرفها نحونا!! بدلا من أن توجهها نحو عدوك؟! وتركز فى توجيه ضرباتك له.. لماذا تستهدف منشآتنا المدنية وبنيتنا التحتية؟! لماذا تستهدف أمننا وأماننا؟! هل هذه قواعد عسكرية أمريكية؟! يالك من حقود ملأ الغل قلبك تجاهنا وقد بذلنا كل جهدنا لدى سيد البيت الأبيض ألا يشعل تلك الحرب بل اتخذنا قرارنا بألا تستخدم أراضينا قواعد لضربك واستهدافك.. وتم إخلاء تلك القواعد العسكرية من أسلحتها وعتادها قبل بدء الحرب واتفقنا مع السيد الأمريكى بألا تطلق منها رصاصة تجاهك.. فماذا نفعل أكثر من هذا حتى لا ندخل فى دائرة الصراع هذه.. لا مبرر لك عن ارتكاب تلك الحماقة إلا أن يكون غلا دفينا فى صدرك تجاهنا تُنفِّس عنه فى هذه المعركة.. قبحك الله وقبح صنيعك.. لقد أثبت بما لا يدع مجالا للشك فشل مشروع الإسلام السياسى بالمنطقة بجناحيه الشيعى والسنى.. شعارات براقة لكن لا صدى لها على أرض الواقع.. لا تتجاوز حناجر هاتفيها.. تجارة بالدين وتحدثا باسم الإله وتشددا وتطرفا فى الفهم والسلوك.. لا يمت إلى صحيح الدين وجوهره من الاعتدال والوسطية والرحمة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).. قمع لكل صوت معارض فأنت فقط من تمتلك الحقيقة ومن يخالفك فهو كافر خرج عن الملة لا يحق له أن يقول رأيا غير الذى تقول.. والذى نفسى بيده لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا اليوم للعنكم وحذر منكم كما أخبرنا فى حديثه الشريف (يأتى على أمتى قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم لكنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.. للأسف لم يقدم لنا النموذج الشيعى الصورة المثلى للإسلام الصحيح وقد سبقهم فى ذلك النموذج السنى الممثل بجماعات الإسلام السياسى وفى القلب منهم جماعة الإخوان.. لذا لم ولن أتعجب من عدم نصرة الله لهم لأن لله سنناً إلهية وكونية، فهو لا يمكِّن إلا لعباده المؤمنين الصادقين كما وعد بذلك فى قرآنه حين قال: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليمكنن لهم) فها هو ذا المعيار الذى يقيس به الله سبحانه لكى يؤيد أحدا من عباده ألا وهو شرط التمكين: آمنوا واعملوا.. أى قرنوا الأقوال بالأفعال.. وهذا مالم نره فى نموذج الإسلام السياسى حقيقة على أرض الواقع سواء كان النموذج السنى أو الشيعى. نستكمل فى الحلقة القادمة بإذن الله تعالى لنرصد المشهد من زوايا أخرى حتى تكتمل الصورة ونحن لا نزال نشاهد أحداث ذلك المسلسل المثيرة فى موسم رمصانى ساخن.