لم تكن استعادة طابا مجرد عودة قطعة صغيرة من الأرض إلى السيادة المصرية، بل كانت تتويجًا لمسار طويل من النضال بدأ ببطولات الجيش المصرى في حرب أكتوبر 1973، واستمر عبر العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني حتى عادت آخر نقطة حدودية فى سيناء إلى حضن الوطن. ففي التاسع عشر من مارس عام 1989 أصدرت هيئة التحكيم الدولى حكمها التاريخى الذى أكد مصرية طابا، ليكتب فصلًا جديدًا من فصول الدفاع عن الأرض والحق. وقد جاءت هذه اللحظة بعد سنوات من الجهد الدؤوب الذى خاضته الدولة المصرية على مختلف المستويات، بدءًا من المعركة العسكرية التى أعادت التوازن الاستراتيجى فى المنطقة، مرورًا بمسار المفاوضات والاتفاقيات الدولية، وصولًا إلى معركة الوثائق والخرائط أمام هيئة التحكيم الدولي. وخلال هذه المسيرة أكدت مصر للعالم أن الدفاع عن الأرض لا يكون بالسلاح فقط، بل أيضًا بالحجة والقانون والدبلوماسية. ◄ الغباشي: الإرادة المصرية عنوان الانتصار ◄ الشهاوي: المصري لا يفرط في حبة رمل من أرضه ◄ زكي: الوثائق والخرائط التاريخية حسمت المعركة لصالحنا أكد اللواء محمد الشهاوي رئيس أركان حرب الحرب الكيمائية الأسبق أن استعادة طابا تمثل انتصارًا كبيرًا للدبلوماسية المصرية، وتجسد واحدة من أعظم المعارك القانونية والدبلوماسية في تاريخ مصر الحديث. وأوضح الشهاوي أن هذه الملحمة بدأت بصدور قرار تشكيل اللجنة القومية لطابا في 13 مايو 1985 برئاسة وزير الخارجية الأسبق عصمت عبد المجيد، وعضوية 24 خبيرًا من مختلف التخصصات، بينهم تسعة من خبراء القانون، واثنان من علماء الجغرافيا والتاريخ، وخمسة من كبار الدبلوماسيين بوزارة الخارجية، إضافة إلى ثمانية من العسكريين وخبراء المساحة العسكرية. المعركة الدبلوماسية وأشار إلى أن هذه المعركة الدبلوماسية أكدت أن مصر لا يمكن أن تفرط فى حبة رمل واحدة من أرضها، وأن الدولة المصرية كانت دائمًا رائدة فى ميادين الحرب والسلام والتفاوض والدبلوماسية، كما أن صدور حكم هيئة التحكيم الدولى بعودة طابا إلى السيادة المصرية لم يكن ليتحقق لولا الانتصارات العسكرية التى حققها الجيش المصرى فى حرب أكتوبر 1973، والتى حطمت نظرية الأمن الإسرائيلى وأثبتت قدرة الجندى المصرى على مواجهة الجيش الذى كان يروج له باعتباره جيشا لا يقهر. وأوضح أن استرداد الأرض المصرية جاء عبر مراحل متعددة من النضال، بدأت بالكفاح المسلح خلال حرب الاستنزاف التى استمرت 1041 يوما، ثم حرب أكتوبر المجيدة، وبعدها بدأت مرحلة التحرك السياسى والدبلوماسي. وأشار إلى أن هذه المرحلة تضمنت اتفاقيات فصل الاشتباك بين القوات عامى 1974 و1975، ثم اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، تلاها توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979. ◄ تحرير سيناء وأضاف أنه عند تحرير سيناء عام 1982 استعادت مصر كامل أراضي سيناء باستثناء منطقة طابا، التى ظلت محل خلاف حتى تم اللجوء إلى التحكيم الدولي، وبعد سبع سنوات من الإجراءات القانونية صدر الحكم التاريخى فى 19 مارس 1989 بعودة طابا إلى السيادة المصرية. وأكد أن الفريق المصرى الذى تولى قضية استرداد طابا ضم نخبة من الخبراء فى المجالات القانونية والدبلوماسية والعسكرية، وقد أثبت هؤلاء الخبراء عبقرية العقل المصرى فى ساحات التفاوض كما أثبتها الجنود فى ساحات القتال. وأشار إلى أن المذكرة المصرية الأولى في القضية تضمنت خمسة مجلدات بلغ عدد صفحاتها 421 صفحة، إضافة إلى مرفقات تضمنت خرائط وصورًا تاريخية وصلت إلى 753 صفحة، وهو ما شكل أساسًا قويًا لإثبات الحق المصري. ◄ إنجاز عظيم وأوضح الشهاوي أنه رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على استعادة طابا، فإن المصريين ما زالوا يشعرون بعظمة هذا الإنجاز، مؤكدًا أن أرض سيناء لها مكانة خاصة فى قلب كل مصري، فقد سجلتها الجغرافيا وخلدها التاريخ وارتوت بدماء الشهداء. ◄ استعادة الأرض بينما يؤكد اللواء محمد الغباشى أن معركة استرداد طابا لا يمكن فصلها عن المسار التاريخى لاستعادة أرض سيناء بالكامل بعد انتصار مصر فى حرب أكتوبر 1973، موضحًا أن هذا الانتصار فتح الباب أمام التحرك السياسى والدبلوماسى لاستعادة أراضى سيناء. وأشار إلى أن أولى خطوات التفاوض بدأت بعد الحرب مباشرة من خلال مفاوضات الكيلو 101 عام 1974، والتى تناولت ترتيبات الفصل بين القوات المصرية والإسرائيلية وتثبيت مواقع تمركز القوات على الأرض. وأضاف أن الأوضاع استمرت على هذا النحو إلى أن جاءت المبادرة التاريخية للرئيس الراحل محمد أنور السادات، والتى أسفرت عن توقيع اتفاقية كامب ديفيد التى نصت على استعادة مصر كامل أراضيها المحتلة فى سيناء. وأوضح الغباشي أنه فى تحرير سيناء عام 1982 احتفلت مصر باستعادة معظم أراضى سيناء، حيث تم رفع العلم المصرى على الأراضى التى انسحبت منها إسرائيل، فى عهد الرئيس حسنى مبارك. ◄ التحكيم الدولي وأضاف أن نقطة خلاف واحدة ظلت قائمة، وهى 13 علامة حدودية فى منطقة طابا، حيث أصرت إسرائيل على الاحتفاظ بها واعتبارها جزءًا من الأراضى التى تسيطر عليها، الأمر الذى أدى إلى استمرار المفاوضات بين الجانبين. وأوضح أن الاتفاق نص على حل أى خلاف من خلال التفاوض أولًا، ثم اللجوء إلى التوثيق القانوني، إلا أن المفاوضات لم تسفر عن نتيجة، ما دفع مصر فى عام 1986 إلى المطالبة باللجوء إلى التحكيم الدولي. وأشار إلى أنه مع بدء مرحلة التحكيم الدولي، قدم كل طرف مستنداته التى تثبت أحقيته فى هذه المنطقة، موضحًا أن الدولة المصرية تضافرت فيها جهود المؤسسات الرسمية مع الجهود الشعبية فى جمع الوثائق والخرائط والصور التاريخية التى تثبت مصرية طابا، حتى أن بعض الصور أظهرت وجود جنود مصريين فى تلك المنطقة، بما يؤكد تبعيتها لمصر. ◄ دراسة الوثائق وأضاف أن هيئة التحكيم استغرقت فترة طويلة لدراسة الوثائق، من عام 1986 حتى 1988، ثم استكملت مراجعتها حتى أصدرت حكمها النهائى فى حكم التحكيم الدولى فى قضية طابا، الذى أكد أحقية مصر الكاملة فى طابا والعلامات الحدودية الثلاث عشرة. وأكد أن هذه التجربة تعكس تكاتف الجهود الرسمية والشعبية، حيث شاركت مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والخبراء والمتخصصون فى جمع المعلومات والوثائق التى دعمت الموقف المصرى أمام هيئة التحكيم. ◄ المسار التاريخي ويؤكد اللواء حلمي زكي أن قضية استرداد طابا لا يمكن فهمها بمعزل عن المسار التاريخي الذي بدأ بعد انتصار الجيش المصرى فى حرب أكتوبر 1973، حيث بدأت مصر التفكير فى استعادة كامل أرض سيناء عبر مسار يجمع بين القوة العسكرية والتحرك السياسى والدبلوماسي. ويشير إلى أن الرئيس الراحل محمد أنور السادات اتخذ خطوة جريئة عندما أعلن مبادرته التاريخية وزيارته إلى الكنيست الإسرائيلى عام 1977، حيث ألقى خطابًا مهمًا تحدث فيه عن ضرورة استعادة الأرض وتحقيق السلام، كما تطرق إلى قضايا المنطقة مثل الجولان والضفة الغربية. وأوضح أن هذه المبادرة مهدت الطريق لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وهو ما أدى إلى انسحاب إسرائيل تدريجيًا من سيناء. ◄ نقطة خلاف وأضاف أنه بتحرير سيناء عام 1982 استعادت مصر معظم أراضى سيناء، وكان شاهد عيان على رفع العلم المصرى فى منطقة الطور، إلا أن منطقة طابا بقيت نقطة خلاف رغم صغر مساحتها التى لا تتجاوز كيلومترًا مربعًا واحدًا، لكنها تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة على خليج العقبة. وبسبب هذا الخلاف، لجأت مصر إلى التحكيم الدولي، واستمرت المعركة القانونية والدبلوماسية نحو سبع سنوات، من عام 1982 حتى صدور الحكم فى حكم التحكيم الدولى فى قضية طابا الذى أكد مصرية طابا. وأوضح اللواء زكي أن فريق التفاوض المصرى تم اختياره بدقة شديدة، وكان على رأسه الدكتور مفيد شهاب، الذى قاد الفريق القانونى فى عرض الأدلة والوثائق أمام هيئة التحكيم. وأشار زكي إلى دور العقيد إسماعيل شيرين، الذى أسهم بوثائق ومستندات مهمة تضمنت خرائط وخطابات رسمية تحمل الأختام المصرية، إضافة إلى خرائط تعود إلى عام 1906، وصور للنقطة الحدودية رقم 91 التي كانت محل خلاف كبيرًا بين مصر وإسرائيل. وأكد أن مصر قدمت وثائق ومستندات تزيد بنحو ثلاثة أضعاف عما قدمه الجانب الإسرائيلي، وهو ما أسهم فى إثبات الحق المصرى أمام هيئة التحكيم.