فوجئت بهذا الرفض الشديد من كل قوي وأحزاب الإسلام السياسي لملاحظة المحكمة الدستورية العليا حول حق أفراد القوات المسلحة والشرطة ممارسة حقوقهم السياسية شأنهم شأن باقي المواطنين بالتصويت في الانتخابات والاستفتاءات. وقد أدهشني كثيرا أن يذهب هؤلاء الرافضون لملاحظة المحكمة الدستورية العليا إلي حد تصوير الأمر وكأن المحكمة تدعو إلي السماح بتكوين أحزاب سياسية داخل القوات المسلحة وجهاز الشرطة وعقد المؤتمرات الانتخابية داخل الوحدات, وتصويرها هذا الوضع وكأنه سيؤدي إلي انقسام القوات المسلحة شيعا وأحزابا وهو هزل لا جد فيه, واستهانة بعقول المواطنين فكل ما طلبته المحكمة أن يكون لأفراد القوات المسلحة والشرطة حق التصويت والترشيح. وينظم القانون مسألة الترشيح بالنسبة للقضاة وضباط الشرطة والقوات المسلحة أن يقدموا استقالاتهم بمجرد التقدم للترشيح ولا يعودون مرة أخري إلي الخدمة. هذا هو الوضع القانوني القائم قبل أن تعلن المحكمة الدستورية ملاحظاتها. ومما لا يعرفه كثير من المعارضين لملاحظاتها أنها لم تخترع هذا الحق لأول مرة في تاريخ مصر, فقد كان لأفراد القوات المسلحة حق التصويت في الانتخابات البرلمانية والرئاسية والاستفتاءات حتي بداية التسعينيات من القرن العشرين, عندما طعن أحد المرشحين في دائرة إمبابة بالتزوير في أصوات القوات المسلحة لأنها كانت بالكامل لمصلحة مرشح الحزب الحاكم, وصدر حكم المحكمة بالفعل بإبطال هذه الأصوات, فتقرر إلغاء تصويت أفراد القوات المسلحة بعد هذا الحكم. إلا أن المحكمة الدستورية لا تستطيع, وهي تبحث مدي دستورية قانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون انتخاب مجلس النواب, أن نتجاهل مواد الدستور الجديد الذي أصدرته لجنة يشكل أغلبيتها أعضاء أحزاب الإسلام السياسي والذين يتباهون به باعتباره أعظم دستور شهدته مصر في تاريخها كله. فقد جاء في المادة السادسة من الدستور الجديد( يقوم النظام السياسي علي مبادئ الديمقراطية والشوري والمواطنة التي تسوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات العامة). وجاء في المادة33( المواطنون لدي القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة, لا تمييز بينهم في ذلك). وتنص المادة55 علي( أن مشاركة المواطنين في الحياة العامة واجب وطني, ولكل مواطن حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء وينظم القانون مباشرة هذه الحقوق). كيف يطالب المتباهون بهذا الدستور المحكمة الدستورية العليا أن تتجاهل هذه النصوص الصريحة وهي تبحث مدي دستورية القوانين. وكيف تسمح لهم ضمائرهم بتشويه موقفها ولا يمنعهم تدينهم من تصوير الأمر وكأنه تسييس للجيش والشرطة, والأدهي من ذلك أن يطالب بعضهم بالبدء فورا في تعديل قانون المحكمة لإعادة تعيين قضاتها بقرار من رئيس الجمهورية دون انتظار إصدار تعديلات قانون السلطة القضائية, بل طالب أحدهم بإلغاء المحكمة الدستورية العليا والإكتفاء بتخصيص دائرة في محكمة النقض تختص ببحث مدي دستورية القوانين. لم أكن أتصور أن يذهب الشطط ببعض المنتمين إلي تيار الإسلام السياسي إلي هذه الدرجة من الاستهانة بالنظام القضائي في مصر واستقلال السلطة القضائية والحفاظ علي المكاسب التي حققها نضال الشعب المصري عبر تاريخه الطويل وصولا إلي إنشاء المحكمة الدستورية العليا لضمان عدم عدوان السلطة التنفيذية أو الأغلبية في السلطة التشريعية علي حقوق ثابتة ومستقرة للمواطنين. لقد رحبنا كثيرا باندماج فصائل عديدة تنتمي إلي تيار الإسلام السياسي في العملية الديمقراطية السلمية وقبولها المشاركة في الانتخابات باعتبارها الآلية الرئيسية لتداول السلطة سلميا, حدث ذلك عندما خاض الإخوان المسلمون انتخابات مجلس الشعب للمرة الاولي1984 بالتحالف مع حزب الوفد وتكرر الترحيب عندما قررت التيارات السلفية المشاركة في العملية الديمقراطية السلمية بتأسيس أحزاب تشارك في الانتخابات بعد ثورة25 يناير. ونرجو ألا تكون هذه المشاركة هي الأولي والأخيرة في انتخابات يحصلون فيها علي الأغلبية ولا تجري بعدها انتخابات بالمرة. أما عن المشكلات التي يثيرها تطبيق حق أفراد القوات المسلحة والشرطة في التصويت, فهناك عديد من الحلول المقترحة لها. منها السماح لهم بالتصويت في موطنهم الانتخابي, خاصة أن الانتخابات ستجري علي ثلاث مراحل, كل مرحلة يومين, وبذلك يوزع الأفراد علي ست دفعات, أو أن يتم التصويت في لجان خاصة خارج الوحدات العسكرية وفق كشوف تعتمدها اللجنة العليا للانتخابات ويتم الإشراف علي عملية التصويت بواسطة القضاء العسكري. المهم هنا أن يتم التصويت وفق الآليات المحددة في قانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون انتخاب مجلس النواب, والضمانات الكفيلة بنزاهة الانتخابات, واذا لم تطبق هذه الآليات سيتم ابطال الأصوات الانتخابية. لكل مشكلة حل أو أكثر, ولكن المهم هنا ألا نحرم جنود مصر من حقوق المواطنة التي كفلها الدستور الجديد لكل المواطنين بدون أي تمييز بينهم. وكذلك مساواته بينهم في الحقوق والواجبات العامة, وهو حق طالما دعونا له وأبدي المنتمون إلي تيار الإسلام السياسي تفاخرهم به عندما ورد في نصوص وأحكام الدستور الجديد. لمزيد من مقالات عبدالغفار شكر