مصر وقطر تبحثان سبل التعاون في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب    الرئيس السيسي يؤكد عزم مصر وتركيا على توطيد التعاون بمختلف المجالات    أمريكا: قيصر الحدود في إدارة ترامب يعلن سحب 700 من عناصر إدارة الهجرة من مينيسوتا على الفور    البابا يدعو لترسيخ الأخوة الإنسانية.. المحبة طريق مشترك لمواجهة الحروب والانقسامات    إنفانتينو: المغرب مرشح قوي للتتويج بكأس العالم    عصابات الكتعة تستغل الأطفال في التسول بالقاهرة.. والأمن يضبطهم    ضبط سيدة بالغربية سرقت قرط طفلة داخل الحضانة    الدكتور مصطفى يوسف اللداوي يكتب عن : عمار بن ياسر يلقي التحية على أدهم العكر ويطمئنه    برشلونة ل حمزة عبد الكريم: بداية واعدة والقادم أجمل    اليوم الأربعاء.. البورصة المصرية تختتم بارتفاع جماعي وربح 27 مليار جنيه    الهلال السعودي يمدد عقد روبن نيفيز حتى 2029    تفاصيل الجلسة العامة لمجلس النواب.. اليوم    أسعاره تبدأ من 45 جنيها.. تخفيضات كبيرة بمهرجان القاهرة الدولي للتمور بالدقي    تعليق مثير من راندا البحيري على إيقاف عرض مسلسل "روح off"    غادة إبراهيم تبدأ تصوير «إعلام وراثة» استعداداً ل رمضان 2026    لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب ترسم خارطة طريق لتطوير المنظومة    خالد الجندى يوضح الفرق بين الجدل المحمود والمذموم    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : ربنا الله !?    محافظ الشرقية يفتتح وحدتى طب الأسرة ومعرض رمضان ويوجه برفع الإشغالات بالحسينية    جامعة القناة تنظم قافلة تنموية شاملة لخدمة أهالى حى الجناين بالسويس    مش مجرد خس وطماطم.. أطباق من السلطة مفيدة لصحتك تقوى مناعتك    أم كلثوم.. من منصة الغناء إلى استراتيجية القوة الناعمة    اتحاد الكرة الطائرة يوقف ثلاثي الزمالك بسبب المديونية    برلمانية المؤتمر بال«الشيوخ»: حجب «روبلوكس» خطوة حاسمة لحماية الأطفال    وزارة الزراعة: ضبط 91 منشأة بيطرية مخالفة للقانون خلال يناير    ريكورد: رونالدو لم يغادر الرياض ويعود لتدريبات النصر    «هيئة البريد» توفر حزمة خدمات مالية مع «معاهد الجزيرة العليا بالمقطم»    وفقا لجدول محدد.. القاهرة تتحول إلى متحف مفتوح خلال الفترة المقبلة    اليوم العالمي للسرطان.. 6 لفتات إنسانية تصنع فارقًا في رحلة المحاربين    احتفالية الأزهر باليوم العالمي للأخوة الإنسانية تؤكد مركزية القيم الأخلاقية في بناء السلم المجتمعي    شركات السكر تتوقف عن التوريد للأسواق.. والطن يرتفع 4 آلاف جنيه خلال يومين    محامون يتهمون وزير خارجية سويسرا بالتواطؤ في جرائم حرب غزة    وزيرا الدفاع اليوناني والأمريكي يناقشان أسس التعاون الدفاعي الاستراتيجي    أحمد عبدالقادر يعلن رحيله عن الأهلي وينتقل رسميًا إلى الكرمة العراقي    متابعات دورية لإلزام التجار بأسعار السلع المخفضة في معارض أهلا رمضان بالشرقية    عاجل- الأمير أندرو يغادر منزله الملكي بعد الكشف ملفات جديدة ل "جيفري إبستين"    وزارة العمل تُعلن عن فرص عمل بالأردن في مجال المقاولات الإنشائية.. ورابط للتقديم    خالد محمود يكتب : برلين السينمائي 2026: افتتاح أفغاني يكسر منطق «الأفلام الآمنة»    تشييع جنازة والد علا رشدى من مسجد الشرطة.. وأحمد السعدنى أبرز الحاضرين    رئيس «هيئة الاستثمار»: منتدى الأعمال المصري-التركي فرصة لإطلاق شراكات اقتصادية جديدة    الجزائر: التجارة الحرة الكبرى والاتحاد الجمركى ركيزتين للتنمية العربية    محافظ أسيوط يكرم حفظة القرآن الكريم بمركز أبنوب فى مسابقة الفرقان    إعلان القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها ال19    الإدارة والجدارة    محافظ كفرالشيخ يهنئ رئيس الجامعة الجديد ويبحثان عدد من الملفات المشتركة    إحالة أوراق متهمين بقتل شخص بسبب خصومة ثأرية فى سوهاج إلى فضيلة المفتى    وزير الصحة يبحث مع رئيس العربية للتصنيع تسريع مشروعات تطوير المستشفيات والمنشآت الصحية    تشاهدون اليوم.. الزمالك يلتقي بكهرباء الإسماعيلية ومانشستر سيتي يصطدم بنيوكاسل    لإعادة المظهر الحضاري.. رفع 40 سيارة ودراجة نارية متهالكة    ضبط 12 متهما في مشاجرة بالأسلحة النارية بقنا    إصابة 13 شخصًا في انقلاب ميكروباص بطريق الدواويس - الإسماعيلية    سبورت: تشيزني يتقبل واقعه في برشلونة دون افتعال الأزمات    الحكومة تقرر سحب مشروع قانون المرور الجديد من مجلس النواب    إيبارشية حلوان والمعصرة توضح ملابسات أحداث كنيسة 15 مايو: لا تنساقوا وراء الشائعات    التشكيل المتوقع للزمالك أمام كهرباء الإسماعيلية بالدوري    إسلام الكتاتني يكتب: 25 يناير المظلومة والظالمة «3»    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    بعد منعه من الظهور.. هاني مهنا يعتذر عن تصريحاته: تداخلت المواقف والأسماء بحكم السنين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبوالعلاء المعري..
صاحب الرأس الذي طار!!
نشر في الأهرام اليومي يوم 25 - 05 - 2013

قطعوا رقبته يا نقاوة عيني كما فعلوها من قبل برقبة طه حسين.. طيروا رأس تمثال أبي العلاء المعري في سوريا
مثلما أسقطوا رأس تمثال طه معري القرن العشرين بقنا مصر ليثبت المعول الهمجي بطول العالم العربي وثورات خريفه التي شردت شهداءها وفقأت عيون أبطالها وسجنت ثوارها وأخرجت من باطن الأرض ثعابينها وحياتها انتصارا لجحافل الظلام علي النور, ولعناكب الهمجية علي التحرر, ولزحف الإرهاب علي العقل!.. وفي الإسكندرية بالأمس لم يستطع كهنوت التخلف الوصول إلي رقبة تمثال عروس النيل بمنطقة السلسلة المواجهة لإشعاعات نور العلم بمكتبة الإسكندرية فلجأ إلي إنجاز مهمته القبيحة بتلويث ثوب العروس بطلاء النيلة الأزرق... وقبلها أسدل الستار عنوة علي رأس أم كلثوم التي تشدو للبر والبحر والسماء والنجوم والنيل والحب والهرم والكعبة العصماء والأشهر الحرم.. كان تمثال أبي العلاء المعري جالسا علي كرسي حجري في مدخل مدينة معرة النعمان مسقط رأسه, الواقعة علي الطريق ما بين دمشق وحلب, حيث المعارك دائرة مدمرة بالقصف الممنهج بالطائرات والصواريخ لنظام فقد آدميته وأخلاقه وشرعيته وصوابه ليقضي علي كل ما هو حضاري ومدني وتاريخي.. جامعة ومستشفي ومخبزا ومسجدا وسوقا ومنزلا ومدرسة وأثرا, وقلعة كتب عنها طه حسين في رسالته الرائدة لنيل الدكتوراه عن المعري في عام 1914 بالجامعة المصرية من أنها قلعة قد بناها الملك المظفر صاحب حماة عام631 ه وشحنها بالرجال والسلاح فهدمها التتار عام 658 ه, والمدينة معرة النعمان يختلف المؤرخون حول بدايتها, فهناك من يقول إنها آرا القديمة, والصليبيون أطلقوا عليها اسم مار وقد دعيت معرة النعمان نسبة إلي النعمان بن بشير الوالي من قبل معاوية, وقد احتلها العرب عام637 ه واستولي عليها البيزنطيون عام968 ه, ثم الصليبيون في عام1098 ه ليسترجعها نور الدين زنكي في عام1137, وفي المعرة مسجدا اسمه مسجد عطا يقال إن فيه مغارة تضم قبر عطاالله بن أبي رباح حامل لواء النبي.. ولأن بيت أبي العلاء المعري قد شاخ ولم يعد بإمكانه أن يحمل الأيام فحملته الأيام لتذويه بعيدا ليقام مكانه المركز الثقافي بمكتبة كانت تضم 8700 كتاب قبل هوجة سوريا التي أتت علي الأخضر واليابس, وكان من الأخضر قبر أبي العلاء الذي أرهقته الضغائن فركع برفات صاحبه ترابا هامدا علي الأرض, تبكي علي أطلاله الذكري بعدما لم تعد هناك ذكري, فتمثال صاحب الذكري قد غدا بلا رأس!
أبو العلاء الأعمي.. الذي أملي من خيال قريحته في مؤلفه الشعري اللزوميات وحده10751 بيتا من الشعر, إلي جانب ديوان سقط الزند والدرعيات, وفي النثر جوهرة الأدب العربي رسالة الغفران المترجمة للغات الأرض.. الأعمي وقع في غرامه الأعمي طه حسين ليكتب مؤكدا في رسالته عنه أنه ثمرة من ثمرات عصره, ولعل أكثر ما دفعه إليه تشابهنا في تلك الآفة المحتومة التي لحقت كلينا في أول صباه فأثرت في حياته تأثيرا غير قليل..
وإن من الأمور التي تثير في النفس كثيرا من الحزن والغضب أن يتعرض المفكرون والأدباء وأهل الاجتهاد في الرأي إلي الاتهام بأنهم خارجون علي العقيدة وكثيرا ما يؤدي هذا الاتهام إلي ارتكاب جرائم خطيرة مثل محاولة اغتيال أديبنا الكبير نجيب محفوظ في عام1994, والذي قام بارتكاب الجريمة اسمه المكني محمد وكانت لديه بطاقة مزورة باسم محمد ناجي محمد, وهو لم يقرأ شيئا لنجيب لكنه استمع في أحد المقاهي إلي فتوي لواحد من الذين لا حق لهم في الفتوي فما كان منه إلا أن اقتنع بالفتوي الزائفة التي تحلل دم محفوظ فاندفع لارتكاب جريمته, ومهما بذلت من جهود فلا استطاعة لأحد في مقاومة الذين يسارعون إلي تكفير الناس وتحريض الجهلاء علي إلحاق الأذي بهم, فإن كانوا قد من الله عليهم بالوفاة والنأي عن غلظة المكفرين, فلا أقل من ذبح تماثيلهم التي هي في مفهومهم المشوه من ضروب الوثنية مثل عروس البحر التي لم يشفع لها عندهم أن نصفها سمكة أي لا يحل لها ومعها المعاشرة, وأنها قد زفت بزعانفها للموج وليس للبشر!.. وقد أصبح أبوالعلاء رمزا لكل المظلومين الكبار الذين يتعرضون لمثل الاعتداء الشرير باتهامهم في عقيدتهم وإيمانهم بالله ورميهم بذنب ازدراء الأديان, والمعتدون هم أصحاب الفتاوي التي كانوا يطلقونها علي المقاهي دون وعي أو بوعي مقصود لينتقلوا بها الآن إلي منابر التكفير واستوديوهات الترهيب.. إن أبا العلاء مؤمن موحد رغم أنف الحاقدين عليه والمتربصين به والمتسرعين في اتهامه, فهو القائل:
والله أكبر لا يدنو القياس له..
ولا يجوز عليه كان أو صار
أبوالعلاء الذي كان مقيما للصلاة مؤديا فرائض الله القائل: وأدمن الذكر أبكارا بآصال فهو يقرر أنه يصلي الصلوات الخمس دون انقطاع, وأنه يصل أيامه بالقيام والدعاء والذكر والاستغفار, وهو بذلك يعلن أنه يعبد الله حق عبادته.. عبادة لا يبغي بها سوي وجهه غير مرتغب لثواب ولا خائف من عقاب.. وعلي من اتهموه بأنه كان سيئ الرأي في الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج فالرجل أبدا لم ينكره, ولكن الحج في زمنه كان صعبا وشاقا علي الإنسان الطبيعي فما بال الضرير, وكان الحجاج يتعرضون في مسيرة الإحرام علي الدوام لقطاع الطرق, والقرآن الكريم صريح بأن الحج لمن استطاع إليه سبيلا لهذا يقول المعري الذي يري في فريضة الحج الثواب الأكبر ويتمني لو تحققت له مع ما يعرف ما يعترضه بينه وبينها من أهوال ومخاطر:
غفرانك اللهم هل أنا طارح بمكة في وفد يثاب سليب
المعري المؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر الذي يردد في أشعاره وما من إله إلا إله واحد وقوله والله علي كل شيء قدير وقوله إن ربك هو القوي القدير وقوله:
مولاي مولاك الذي ما له ند وخاب الكافر الجاحد
والدعوة الكبري التي تقوم عليها فلسفة الشاعر العظيم هي الدعوة إلي الرحمة التي نبدأ بتأصيلها مع كل سجدة وركعة وقيام وسلام وختام بفاتحة الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم دعوة عامة شاملة للمجتمع الإنساني كله لتترجم الآن بما يسمي حقوق الإنسان بحيث لا يعتدي شخص علي شخص, ولا جماعة علي جماعة, ولا يتسلط قوي علي ضعيف, ولا غني علي فقير, ولا حاكم علي محكوم, ولا شرطي علي مواطن.. حقوق الإنسان التي تنتشر في شعر أبي العلاء انتشار الضوء في ليالي البدر الكامل تحت سماء صيفية صافية.. الرحمة التي تمتد من علاقة الإنسان إلي علاقته بالكائنات الحية الأخري, فتراه يدعو إلي الرحمة حتي بالبرغوث وبالعصافير وسائر الطيور والحيوانات, ويتسع هذا الموقف الرحيم عند أبي العلاء ليمتنع طائعا عن أكل اللحوم ويصبح نباتيا, ولا يأكل إلا ما يسد رمقه.. لقد سيطر الشاعر العربي العالمي علي شهوة الطعام سيطرة كاملة, وبلغ من شدة حرصه علي عدم إيذاء الحيوان دعوته بأن تكون جميع الأحذية من الخشب, فالحذاء الجلدي في القدم معناه أن هناك حيوانا قد قدم روحه قربانا علي مذبح قدميك لتذبحه وتسلخه وتأكله وتسخر جلده لتحمي جلد قدميك.. وتتمدد دعوة أبي العلاء الزاهدة إلي حد القول بأنه ليس من الحكمة أن يسعي الإنسان إلي أن يكون صاحب منصب أو سلطان, ففي ذلك ما قد يغري بظلم الناس والقسوة عليهم.
وتعبر دعوة أبي العلاء إلي الرحمة بالحيوان القرون ليغدو لها أنصار في العصور الحديثة, مما يكاد يجعل عالمنا هو عالم الدعوة إلي حقوق الإنسان وحقوق الحيوان في وقت واحد.. وأبرز مثال علي ذلك الحق الحيواني لمحته في إعصار أوكلاهوما المدمر الذي حمل بالأمس رياحا وصلت سرعتها إلي320 كيلومترا في الساعة مما أدي إلي دك أحياء بكاملها وأودي بحياة ما يقرب من100 شخص إلي جانب ما قد يسفر عنه البحث من ضحايا جدد تحت الأنقاض.. ما أن ظهر الرئيس أوباما علي الشاشة يشرح الحادث ويحفز السلطات ويواسي أهالي الضحايا حتي ظهرت من بعده صورة الكلبة سكرSUGAR التي فقدت في الإعصار ويهيب صاحبها بالبحث الدوري الجاد عنها نظرا لظروفها الخاصة من أنها كلبة بيتي لم تخرج إلي الطريق بعد ولا تتناول الطعام إلا من يد صاحبها!!
و..يظل أبوالعلاء مظلوما في زمانه وما بعد زمانه لنرث من القدماء موقفهم منه حتي جاء طه حسين والعقاد وعبدالرحمن شكري والمازني وأمين الخولي ليقدموا لنا من جديد شاعرا عظيما وفيلسوفا جبارا يقول عنه المازني مازال إلي يومنا هذا في المحل الأول والأرفع بين شعراء العربية, ويضعه كبار المستشرقين في مقام الظاهرة التي تتجاوز هوميروس بكثير, ويعترف شوبنهاور بأنه فتح عينه علي الحقيقة, ويتأثر به دانتي في الكوميديا الإلهية التي كتبها من وحي رسالة الغفران وقد ظل كتاب الغرب يكذبون تلك الحقيقة حتي نشر المستشرق الإنجليزي نيكلسون تعريفا برسالة الغفران وفقرات من نصها في المجلة الأسبوعية الملكية في الأعوام من899 حتي..1902 الرسالة التي كتبها عام423 ه ردا علي رسالة صديقه ابن القارح واستمد فكرتها من معجزة الإسراء والمعراج إلا أنه عمد فيها توظيف فلسفته في قوله هذا جناه أبي علي وما جنيت علي أحد وقد كتبها وهو في الستين بعدما واكب انحلال الدولة العباسية وبلوغها حافة الشيخوخة وهو الذي عاش في صباه زمنا بلغت فيه الثقافة العربية أوج ازدهارها ليجسد بسخرية تشد القارئ وتستحوذ عليه بخفة ظلها رغم النزعة التشاؤمية لدي صاحبها كل ما حرم منه من متاع الدنيا, ويعود السبب في هذا الحرمان إليه هو بذاته.. وكان حرمانه من متع الحياة دافعه لتنصيب نفسه قاضيا ليحاكم الموتي.. يدخل الجنة من يصطفي من أهل الأدب والبلاغة واللغة, ويسوق إلي الجحيم من يراه مستحقا لدخوله, وكي يبرر لقارئه عدالته يصطحب معه في رحلته إلي السماوات العلا صديقه ابن القارح ليطلع علي صورة حياة أهل الآخرة.. بداية الرحلة بالجنة ومشاهدها مشتقة من القرآن الكريم, فأهلها يحيون في حبور وسعادة, مفارشهم من سندس, يأكلون ويشربون في آنية من ذهب وفضة عسلا وفاكهة ولحما وخمرا, تحيط بهم حور عين, وأنهار من عسل مصفي, ويرفه عنهم مشاهير المطربين أمثال معبد ودنانير, وتحلق حولهم أسراب طيور الجنة التي يقابلون فيها الشيخ أبا البشر آدم عليه السلام, ويدور بينهما حوار بالعربية لغة أهل الجنة ويلتقي في رسالة الغفران بأهل الأدب والفكر ومنهم الأعشي, وزهير بن أبي سلمي وغيرهما.. وينتقل المعري فيها إلي النار فيقابل إبليس ويدور بينهما حوار فلسفي يحاول فيه إبليس استدراجه إلي الكفر عبر سؤاله عن سبب منع الخمر في الدنيا بينما هي متاحة في الجنة, فيجيبه مفحما بأن خمر الآخرة غير خمر الدنيا, ويلتقي بالشعراء القدامي أمثال امرئ القيس وعنترة وعلقمة, ويرفض تبريرات أهل النار, ويمضي عائدا إلي الجنة مرة أخري, ويبدي خلال الحوار فلسفته وكراهيته للفساد الخلقي كالكذب والنفاق.
في أشعاره كما يقول طه حسين أدخل المعري الشعر علي الفلسفة والفلسفة علي الشعر, والفلسفة هي أن يبحث الإنسان عن الحق وأبوالعلاء قد اقتنع بعقله أنه حق وقد استوي علي عقل فلسفي يمثل كل ما أنتجه الفكر الإنساني من فلسفات اليونان والشرق, وفلسفة الفكر الإسلامي.. كان معتدا بالعقل في كل شيء ولا إمام لديه سوي العقل الذي يهدي إلي العلم والذي يؤتمن به في معرفة الله والكون ويحث الناس علي استخدام عقولهم ملحا في ذلك إلحاحا شديدا بمثل ترديده للقول القرآني أفلا يعقلون وأفلا يتفكرون, وأن العقل هو تاج الإنسان الذي يتألق فوق رأسه, وقد جاء ذكر العقل في القرآن الكريم أكثر من خمسين مرة ومنها قوله تعالي ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب, ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك, وقول رسول الله صلي الله عليه وسلم: لا عبادة كتفكر.. ويشبه المعري الذين لا يستخدمون عقولهم بالأنعام والدواب ودعاهم صما بكما عميا كقوله تعالي: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون..
ويعمل المعري عقله فيأتي بالجديد فيسقط علي سبيل المثال شرط القافية في الشعر متنبئا بالشعر الحديث أو الحر خلافا لمعاصريه وسابقيه الذين كانوا يرون القافية شرطا أساسيا للشعر, وكان رافضا التكسب بالشعر ورأي أن في ذلك مذلة للشعر والشاعر, إذ أن للشاعر وظيفة بناءة في المجتمع, ومن هنا فنادرا ما مدح المعري غيره بالشعر, ولم يتكسب به علي الإطلاق, ولم يخرج من حضرة الخليفة مرة بصرة الدنانير, وقد دعا الشعراء إلي الصدق في أشعارهم, وكان ناقدا لأشعار غيره يعجبه الصدق والحكمة في كتابة الشعر, والصدق في إلقاء الشاعر لشعره, وكان معجبا بقصيدة الشاعر أبي الحسن التهامي في رثاء ابنه إلي درجة أنه كان يطلبها من زواره يوميا ليلقونها علي مسامعه, وكيف أن التهامي نفسه دخل عليه دون أن يعرفه بنفسه وأنشدها أمامه فصاح المعري: أنت التهامي؟! فقال: نعم, وكيف عرفتني؟ فقال: سمعتها منك ومن غيرك فأدركت من حالك أنك تنشدها من قلب جريح فعلمت أنك قائلها.. وكان الشعراء يلجأون إليه ليحكم في أعمالهم فيذكرهم بخيمة النابغة الذبياني في سوق عكاظ.. وتعد دواوينه معجما لغويا حفظ الكثير من ألفاظ اللغة وتراكيبها من الضياع, وكانت تحديا من المعري للمبصرين فكيف وهو الأعمي قادر علي وصف ما يراه المبصرون ولا يستطيعون إجادة وصفه مثله.. ويعد أبوالعلاء المعري صاحب المدرسة الحديثة في النثر, فقد جاءت رسالته الفصول والغايات ثورة علي النثر التقليدي, وإن حاول فيها إيجاد جنس جديد في اللغة يزاوج ما بين الشعر والنثر.. وكانت رسالته الصاهل والشاحج ريادية فقد وظف فيها الحيوان لنقد عصره وبيان رؤيته النقدية تجاه بعض الشعراء, وقد طغت في تلك الرسالة ظاهرة الحوار فكانت مزيجا من المسرحية والرواية, وفي القراءة النقدية لأعمال المعري يقول الدارسون إنه دائب فيها علي طرح الأسئلة ومناقشة الإجابات, وهو الشاعر القلق المتأجج الذي يحرك الأسطح الراكدة ويثير الحيرة والاضطراب في نفوس آثرت الموات والركون إلي الدعة والراحة التي اشترتهما بالصمت أو بالوهم والغفلة..
أبو العلاء.. أحمد بن عبدالله بن مهر بن داوود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحرث بن أرقم بن عدي بن غطفان بن تيم الله بن أسد بن حمير بن سبأ بن قحطان من قبائل اليمن والمولود عام973 م, الراحل عام1057م الذي يقول عنه الدكتور محمد كامل حسين صاحب رواية( قرية ظالمة) ودراسات أخري منها( الشعر العربي والذوق المعاصر): أبا العلاء كان بطبيعته متدينا غاية التدين, فالتدين عنده طبيعة كامنة في النفس وصفة ملازمة لها, ودليل التدين أمران: الأول أن يعمل الإنسان أعمالا صالحة ليس مضطرا إلي عملها إلا بدافع من نفسه, والثاني أن يمتنع عن أمور سيئة لا يمنعه منها إلا وازع من نفسه, وأبوالعلاء علي ذلك هو من أكثر الناس تدينا, وأعمقهم إيمانا وإخلاصا لأن طبيعته تأبي عليه غير ذلك.
ويقول في رثائه الشاعر حافظ إبراهيم:
أيقنت أن الدين لله وحده..
وأن قبور الزاهدين قصور
وكم قيل عن كف المساكين باطل..
وكم قيل عن شيخ المعرة زور
ابن معرة النعمان.. سجون ثلاثة أحاط بها نفسه وأحاطت هي بأبي العلاء, فبصره في حجاب, بعد أن أصيب وهو في الرابعة بالجدري فنال من وجهه وعينيه, وكانت عينه اليسري غائرة بينما اليمني بارزة وكان يقول: لا أعرف من الألوان إلا الأحمر لأني ألبست في مرضي ثوبا معصفرا.. وهو في بيته سجين, ونفسه سجينة في جسمه, وسجن رابع هو زهده الذي أمسك وراء قضبانه الغلاظ بحياته اليومية في مطعمه وملبسه, فهو يلبس خشن الثياب, ولا يطعم سوي العدس والتين, ولا يملك سوي دخل محدود من وقف موروث يبلغ ثلاثين دينارا سنويا يقسمها مناصفة بينه وبين من يملي عليه كلامه, وقد رأي مرة أن يزور بغداد عاصمة العلم العربي والحضارة العباسية التي طالما رحل إليها العلماء والأدباء من جميع أقطار العالم الإسلامي, ليظل بها نحو عام ونصف ينهل من مكتباتها, وحدث بينه وبين بعض أعلامها في مجلس الشريف المرتضي ما كدر إقامته بها فارتحل عائدا إلي بلده وفي الطريق بلغه نعي أمه فأثر ذلك في نفسه تأثيرا بالغا, وما أن حط رحاله حتي عاد بكامل إرادته إلي داخل أسوار سجونه الأربعة ليظل خمسين عاما قابعا فيها لا يفارقها إلا للصلاة في مسجده ليغدو بيته أشبه بالجامعة, فطلاب العلم يقصدونه من جميع الأقطار, حتي قد بلغوا أحيانا أكثر من مائتين في وقت واحد..
المعري كما رسمته بنت الشاطئ بقي إلي آخر عمره لم يتزوج, وأمضي نحو نصف قرن من الزمان, فراشه سجادته من لباد في الشتاء, وحصير البردي في الصيف, وهو علي رغم العروض التي انهالت عليه أبي أن يتراجع عما ألزم به نفسه من الامتناع عن اللحم واللبن والبيض, وإيذاء الحيوان ومع هذا فإن في أشعار اللزوميات ما يفيدنا أنه ما كان راضيا في أعماق نفسه عن ذلك الحرمان الطوعي إذ ظل يلوب حول الماء من ظمأ ويشكو وطأة الحرمان إلي عهد المشيب الذي تأخر.
المعري فاقد البصر ثاقب البصيرة الذي نجا من عقدة النقص لأنه اعترف بعجزه ورد الظلم الذي وقع عليه إلي الظلم الجوهري الواقع علي البشر أجمعين.. المعري.. الرجل العف المترفع الذي لزم بيته وعرف قدر نفسه.. المعري.. من لم يخطب ودا ولم ينافق أحدا, بل أعلن رأيه الصريح في أمراء عصره ومثقفيه, فالأمراء يتخذون المذاهب الدينية أسبابا لجلب الدنيا, والأدباء يعلمون الناس الكذب, والشعراء أكثر الناس شرا, والدنيا امرأة حائض ورغم ذلك يقف علي قبره حين دفن84 شاعرا يرثونه.. المعري.. صوم دائم وطقس ديني عنيف ينخرط فيه انخراطا كليا يندمج فيه الظاهر والباطن وكأن حياته كلها كانت صلاة للحقيقة وتكفيرا عن ذنب مجهول.. المعري.. الناقم علي المرأة لأنها سبب الإنجاب واستمرار الحياة فيقول عنها في لزومياته: بدء السعادة إن لم تخلق امرأة.. المعري.. الذي أعجب به طه لكنه إعجاب لم يخل من النقد هذا الرجل الحر الذي لم يعرف المسلمون من يشبهه فيما أباح لنفسه من حرية عقلية لا يستطيع أن يتمتع بها مسلم في هذا العصر الحديث.. عصر الدستور والحياة النيابية, هذا الرجل الحر في رأيه وتفكيره, وفيما تصور وفيما خيل إلي نفسه وإلي الناس, وفيما انتهي إليه الناس من مذهب, هذا الرجل الذي تجاوز الحرية إلي الثورة قد فرض علي نفسه قيودا محكمة, وأغلالا ثقالا. ولقد حرر نفسه من القيود الاجتماعية والطبيعية أيضا, إلا أنه فرض عليها قيودا فنية, ننظر إليها فنبتسم, والتي أقل ما توصف به أنها ساذجة, لا تلائم جد الفيلسوف ومرارته.. المعري.. الذي يظل دارسا عابدا حتي آخر يوم, ويفقد سمعه إلي جانب بصره, ويعجز عن الحركة, وينصحه الطبيب أن يتناول الدواء فيأبي منشدا:
تعللني لتشقيني فذرني لعلي أستريح وتستريح
يا صاحبي الفيلسوف.. آه لو أنهم تركوا المفكرين يفكرون كما يشاءون ويثرثرون كما يريدون, فكل هذا الضجيج لن يصل خبره إلي القلب الذي لا يفتر لحظة عن التسبيح, فالدين في جوهره علم وفكر, ولا عبادة كتفكر كما قال الرسول صلوات الله عليه.
أبو العلاء.. تبت يد من قطعوا رأسك في مسقط رأسك لتجلس تمثالا بلا رأس معبرا عن وطن ذهب الجنون برأس حاكمه.. أبا العلاء أنت الذي قلت: وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل.. ووالله يا رهين المحبسين لقد جئتنا بما لم يسبقك إليه أحد وستظل ذكراك سارية في البلاد فما لهم بإخفاء شمس ضوؤها متكامل!
لمزيد من مقالات سناء البيسى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.