سعر الدينار الكويتى اليوم السبت 14 مارس 2026 أمام الجنيه    قافلة طبية مجانية فى منشية ناصر ضمن مبادرة حياة كريمة فى أسيوط    فوضى عارمة بسبب غياب خطة أمريكية واضحة لحرب إيران.. خبراء لجارديان: ترامب ليس لديه هدف واضح فى حملته العسكرية وتفاجأ من التداعيات.. ويؤكدون: مضيق هرمز يمنح طهران القدرة على جر واشنطن فى حرب طويلة الأمد    أكسيوس: إسرائيل تخطط لهجوم بري واسع النطاق على جنوب لبنان    عمرو السيسي: بحب المطبخ رغم إنى مش أكيل.. وأحمد عبد العزيز كلمة السر بسموحة    مصرع مسن سقطت عليه نخلة بسبب شدة الرياح فى طنطا    خناقة أولوية مرور تنتهي بجرح قطعي في وجه طالب.. والأمن يضبط المتهم بالساحل    «الصحة» تقدم نصائح وقائية للحفاظ على صحة المواطنين أثناء موجة التقلبات الجوية    محافظ أسيوط: ختام دوري "حريفة بلدنا" بمركز شباب الواسطى يعكس دور الدورات الرمضانية    تشكيل تشيلسي المتوقع أمام نيوكاسل يونايتد في البريميرليج    رسائل قوية من السيسي لقادة فرنسا وإيران ولبنان وقبرص والاتحاد الأوروبي بشأن حرب الشرق الأوسط    السبت 14 مارس 2026.. أسعار الخضروات والفاكهة بسوق العبور    رسميا.. سيد معوض مدربا عاما لنادي غزل المحلة    الإمساك عند الرضع.. الأعراض ومتى تستدعى استشارة الطبيب؟    نتائج الزمالك وأوتوهو الكونغولي قبل لقاء اليوم    جامعة القاهرة تطلق النشرة الدورية الأولى لبيوت الخبرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي    لا خوف على مصر، السيسي يطمئن المصريين بشأن الحرب الجارية وتطورات الأوضاع بالمنطقة (فيديو)    شهيد الغربة.. والدة الشاب البورسعيدي محمد ريان تروي تفاصيل مقتله في أمريكا: كان بيسقي طفلة ماء فقتلوه بخمس رصاصات    تجديد حبس تشكيل عصابي لاتهامه بحيازة 3 ملايين قرص مخدر بالقاهرة    خبير سياسى: رسالة مصر كدولة إقليمية مركزية كبيرة تتسم بالحكمة والرشد    حفل قرآني مهيب بمركز سنهور القبلية بالفيوم لتكريم 2000 حافظ وحافظة للقرآن الكريم    وزير الصناعة يبحث إنشاء أول مصنع لإنتاج سيانيد الصوديوم بالشرق الأوسط    الكويت تعلن إسقاط طائرة مسيرة فوق أجوائها    كيفية التسجل في التأمين الصحي الشامل بالمنيا 2026 وخطوات الاشتراك والأوراق المطلوبة    أسعار الحديد والأسمنت اليوم في أسواق مواد البناء    سعر الذهب اليوم في مصر السبت 14 مارس 2026.. وصل لكام؟    ناصر منسي يقود هجوم الزمالك في التشكيل المتوقع أمام أوتوهو    العثور على جثة رضيع ملقاة فى قرية بقنا    مباريات اليوم السبت 14 مارس 2026 والقنوات الناقلة    «الصحة» تطلق 3 قوافل طبية مجانية ب 3 محافظات ضمن «حياة كريمة»    محمد أنور يتصدر المشهد بعد ظهوره في "حبر سري".. اعترافات صريحة تكشف كواليس النجاح وخوفه من السوشيال ميديا    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. السبت 14 مارس 2026    أسعار الاشتراك الشهري لمترو الأنفاق بالخطوط الثلاثة    الكنيسة الكلدانية أمام منعطف تاريخي.. استقالة البطريرك ساكو    حكم إخراج زكاة الفطر نقدًا| دار الإفتاء توضح الرأي الشرعي وتستند إلى أقوال الصحابة    حركة القطارات| 90 دقيقة متوسط تأخيرات «بنها وبورسعيد».. السبت 14 مارس 2026    إشادة رئاسية بتطوير مراكز الإصلاح والتأهيل    نسبة المشاهدات وترند الأرقام.. من يغيّر قواعد المنافسة في دراما رمضان؟    السيطرة على حريق سيارة نقل محملة بالقطن على محور 30 يونيو ببورسعيد    مصر في عيون مؤرخ تركي    حبس سائق 24 ساعة على ذمة التحقيق في واقعة دهس طالب أزهري من الفيوم عقب خروجه من صلاة التهجد بالعبور    الداخلية القطرية تعلن إخلاء مناطق محددة كإجراء احترازي مؤقت    المغرب تستضيف الدورة المقبلة للاجتماع الوزاري المشترك مع دول الخليج    بعد المؤشرات الأولية.. محمد عبدالغني يعلن فوزه بمنصب نقيب المهندسين ويوجه رسالة للمهندسين    8 عمرات و9 سبائك ذهب تكريمًا لحفظة كتاب الله بالقليوبية    حسن الخاتمة.. وفاة شاب خلال الاستعداد لأداء صلاة التهجد بقنا    وول ستريت جورنال عن مسؤولين: هجوم على طائرات أمريكية للتزود بالوقود في السعودية    قرار تاريخي.. تيسير تجديد كارت ذوي الهمم بعد مطالبة «آخر ساعة»    بعد توجيهات الرئيس السيسي| خبراء يؤكدون: إلغاء بعض التخصصات الجامعية يخدم سوق العمل    عميد طب طنطا ينفي سقوط مصعد كهربائي بمستشفي الطوارئ    ترامب: معظم القدرات العسكرية الإيرانية اختفت، ونسعى إلى فرض الهيمنة الكاملة عليها    أنت بتهرج| أركان فؤاد يكشف مفاجأة صادمة عن أغنية "بدنا نتجوز على العيد"    وكيل الأزهر يعزي والد الطالب الأزهري "محمد عجمي "الذي وافته المنية عقب إمامته للمصلين    الفنان السوري أركان فؤاد يفتح النار على السوشيال ميديا: أضرت بالفن    عرض "روح" في ختام عروض نوادي المسرح بالدقهلية    (رسوم تخزين المطار ) يتفاعل على إكس .. وناشطون: السيسي بيزنس الحرب على أي شعارات    مران الأهلي - محاضرة فنية وتدريبات منفردة للحراس قبل لقاء الترجي    عاجل.. عميد طب طنطا يكشف حقيقه سقوط مصعد ووجود إصابات بمستشفى الطوارئ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بصدق
نكبة العرب..!

في حديثه معي بمقر رئاسة الوزراء بالعاصمة العراقية بغداد قال السيد نوري المالكي رئيس الوزراء هناك: إننا في عالمنا العربي قد أزحنا أنظمة دكتاتورية فاسدة..
إلا أننا أيضا يجب أن نعترف بأن بلادنا قد وقعت فريسة للتطرف والتشدد والإرهاب, وأصبحت الطائفية كلمة السر, التي تجمع بين العواصم العربية من المحيط إلي الخليج الآن, مشيرا في هذا الصدد إلي دعم مادي ومعنوي من بعض دول المنطقة للأسف.
وفي مناقشات مع وزراء ومسئولين عراقيين آخرين, أشاروا بصراحة تامة إلي دور كل من قطر وتركيا في هذه الأزمات, خاصة فيما يتعلق بالشأن العراقي, الذي يشهد الآن تفاعلات علي كل الأصعدة, وبقدر ما يضم هذا المجتمع بين جنباته من طوائف مذهبية وتجمعات عرقية, وأشتات سياسية بقدر ما ترتفع فيه حدة السخونة التي لاتخفي أبدا مآرب التقسيم والخروج من عباءة بغداد مادامت الكتلة الجغرافية المستقلة غنية بثروات طبيعية, وقد وجدت في الوقت نفسه المظلة الخارجية.
وإذا كان العراق, تحديدا, في موقف لا يحسد عليه داخليا, فعلي المستوي الخارجي ربما كان الموقف أكثر إثارة, حيث أزمات دول الجوار المتصارعة بدءا من الحرب المتفاقمة في سوريا, مرورا بأزمة إيران مع المجتمع الدولي, وعلاقات ريبة مع تركيا تراها بغداد محاولات للتوسع وتحقيق الأطماع, ثم إرث مفعم بالجراح مع الكويت, وبرود يصل إلي حد التوجس مع بقية دول الخليج.
والعراق, الذي قضي ثماني سنوات في حرب طاحنة مع إيران ثم حصار دولي استمر ثلاثة عشر عاما عقب غزو الكويت, لم يستطع الآن, وعلي مدي عشر سنوات أخري بعد سقوط نظام صدام حسين, أن ينهض من عثرته لأسباب عديدة, أهمها الطائفية التي نخرت في أوصال المجتمع السني والشيعي معا, ثم جاءت العرقية ممثلة في الأكراد بالشمال لتزيد من تعقيدات الخريطة السياسية, ولذلك يعترف رئيس الوزراء بأن تقسيم العراق لم يعد أمرا مستحيلا!
وشأن بقية الدول العربية, هناك في العراق مثقفون وليبراليون, وربما أيضا رجال دين يستنكرون ذلك السلوك الذي ينزع إلي التقسيم إدراكا منهم أهمية الكيان العراقي التاريخي, إلا أن مثل هذه التيارات قد تتراجع أصواتها أمام حدة العنف وأصوات التفجيرات وانتشار السلاح, وبذلك يصبح المواطن العراقي كما الوطن تماما ضحية التطرف والمخططات الخارجية وسط عجز الدولة الرسمية التي باتت تترقب تطورات الأوضاع في دول الجوار إدراكا منها أنها ليست بمنأي عن النتائج هنا أو التفاعلات هناك, ولذلك لم يكن غريبا أن يقر رئيس الوزراء العراقي بمخاوفه من تداعيات الأحداث في سوريا علي بلاده, وخاصة إذا أصبحت في قبضة فئة متطرفة أو متشددة, علي حد قوله, في حالة سقوط النظام هناك, بل إنه أكد أن الأزمة السورية بوضعها الحالي كانت سببا رئيسيا في تفاقم الأوضاع الطائفية ببلاده.
وهنا فقط يمكن أن نتفهم الموقف العراقي الذي رفض, ومازال, منح مقعد سوريا في جامعة الدول العربية- كما حدث في القمة الأخيرة بالدوحة إلي المعارضة, التي رآها العراق سابقة خطيرة, سوف تفتح الباب واسعا في المستقبل لمثل هذا النوع من الممارسات, ولذلك لم يكن غريبا أن نجد هجوما شرسا من نواب في البرلمان الأردني, قبل عدة أيام, خلال جلساته الرسمية, علي كل من قطر والسعودية في هذا الصدد, بل وصل الأمر إلي حد الاستياء من وجود اللاجئين السوريين هناك, كما لم تخف بعض الأقلام العربية موقفها المناهض أيضا لهذا الإجراء العربي علي الرغم من تأييد عواصمها رسميا له, وهو الأمر الذي يؤكد حالة التشرذم التي تعيشها الأمة العربية الآن, وحالة الهوة الواسعة أو الفجوة العميقة بين الحكام والمحكومين في وقت كان من المفترض فيه أن تلقي رياح الربيع العربي بظلال من الترابط والوئام سواء بين الأنظمة المختلفة أو بين الأنظمة والشعوب إلا أن العكس هو الذي حدث.
والغريب في الأمر أن الدول العربية, التي ساندت في معظمها الشعب العراقي للإطاحة بنظام صدام حسين, أصبحت الآن أكثر انغلاقا في التعامل مع النظام الحالي, والدليل علي ذلك أن حجم التبادل التجاري مع مصر الآن علي سبيل المثال لا يتجاوز نصف مليار دولار, في الوقت الذي كان يتجاوز فيه أربعة مليارات مع نظام صدام حسين, بل كان يتجاوز ثلاثة مليارات في زمن الحصار, وهو الأمر الذي يؤكد أن الموقف العربي حينذاك كان خاضعا للموقف الأمريكي الغربي ليس إلا, بل إن عبور المواطنين من وإلي الدولتين لم يكن يحتاج إلي تأشيرة دخول في الماضي, أما الآن فقد أصبح الأمر في غاية التعقيد- علي حد قول أحد الوزراء العراقيين- ومعني ذلك أن الأنظمة السابقة كانت أكثر انفتاحا علي بعضها بعضا لما فيه مصلحة الشعوب, أما الآن فقد أصبحت أنظمة الثورات العربية تعيش حالة من التوجس فيما بينها علي الرغم من حاجة الشعوب الماسة لذلك الانفتاح أكثر من أي وقت مضي.
إلا أننا يجب أن نعترف بأن العروبة في السابق كانت هي الدافع الأساسي والوازع المحرك لذلك التضامن بين هذه الأقطار المتجاورة, أما الآن فقد أصبحت المذهبية والأيديولوجية هما العامل الرئيسي في توطيد العلاقات أو اهترائها بين هذا القطر أو ذاك بعد أن اختفت الوسطية من حياتنا واعتلي سدة الحكم متشددون هنا أو متطرفون هناك, وهو ما ينذر بمزيد من الانقسام, ومن ثم التقسيم الذي أصبح يخيم علي معظم الأقطار, حيث كشفت الأحداث عن عورات عديدة, كانت تتخفي خلف أستار بالية ما لبثت أن تهاوت مع أول اختبار حقيقي للديمقراطية علي الرغم من أن الدين الإسلامي الحنيف علي اختلاف مذاهبه يصون النفس البشرية بنصوص لم تصل إليها أي ديمقراطيات أو مواثيق حتي الآن ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا كما دعا إلي إعمال العقل بنصوص تحمل الكثير من المعاني والدلالات أفلا تتفكرون, أفلا تعقلون, أفلا يتدبرون, إلا أن الأمر قد تجاوز, فيما يبدو, الإطار الديني الحقيقي إلي أطر سياسية نفعية وأصبح الدين مجرد واجهة لاستقطاب العامة.
ومن هنا نستطيع تأكيد أن الدين بمفهومه الصحيح لا يمكن أن يمثل أزمة في إدارة شئون الحياة أو في علاقة الحاكم بالمحكوم, إلا أن استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية هو الأزمة الحقيقية التي تعيشها مجتمعاتنا الآن وإلا لكانت هذه الأنظمة التي خرجت من عباءة الدين قد التقت علي كلمة سواء أيا كانت مذاهبها, ففي يوم لقائي مع رئيس الوزراء العراقي كانت تتواتر الأنباء عن تشييع ثلاثة جثامين بالفلوجة من بينهم أحد علماء الدين السنة وأصابع الاتهام تشير إلي الحكومة, وفي اليوم نفسه تواترت الأنباء عن قيام مسلحين بالهجوم علي مقار أربع صحف بالعاصمة بغداد وتدميرها وحرقها لحساب أحد المراجع الشيعية الذي ضاق ذرعا بانتقاداتها له, وفي اليوم نفسه كان أهالي محافظة الأنبار- وهي محافظة سنية يحتشدون في ساحة العزة والكرامة بمدينة الرمادي للاحتفال بدخول اعتصامهم يومه المائة, وفي اليوم نفسه أيضا أعلن عن إعدام أربعة أشخاص من تنظيم القاعدة, في الوقت الذي أكدت فيه بعض المصادر أنهم ثلاثون شخصا.
إذن لنا أن نتخيل حجم المأساة التي يعيشها الأشقاء في العراق جراء التطرف والتشدد وسط انفلات إعلامي يتبني بوضوح تام هذه المواقف, بل يحرض نحوها علي الرغم من وجود قوانين صارمة تنظم التناول الإعلامي هناك, وربما لا تخلو أي مناقشات في هذا الصدد من الربط بين الأداء الإعلامي في العراق ونظيره في مصر علي اعتبار أنها حالة عامة في البلدين تدعمها المصالح الشخصية والتمويل الأجنبي في معظم الأحيان, كما لنا أن نتخيل أيضا أن منابر المساجد تلعب دورا أكثر خطورة في تأجيج مشاعر الغضب والكراهية بات معها المواطن العراقي في حالة استنفار دائم في بلد حققت فيه المصاهرة والتزاوج بين الطوائف المختلفة نسبا عالية جدا في زمن حكم الفرد أو في زمن الدكتاتورية, أما حينما دخل الخطاب الديني المتشدد إلي الساحة الاجتماعية فقد تراجعت هذه النسبة تماما وتحولت هذه الإيجابية إلي حالات طلاق شبه جماعية في أوساط الأسر العراقية كان الأطفال أولي ضحاياها.
وإذا كانت هناك مخاوف لدي الجانب العراقي من تأثير ذلك الذي يحدث في سوريا علي الأوضاع هناك, فأعتقد أن العراق لن يكون نهاية المطاف في الأزمات الطائفية بالعالم العربي, وخاصة دول الخليج العربي, وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية, التي يري العراقيون أنها لن تكون بمنأي أبدا عن هذه الأحداث في المستقبل, وهو الأمر الذي كان يجب أن تدركه هذه الدول مبكرا, إلا أنه قد بدا واضحا أن الأمور قد خرجت عن السيطرة وسبق السيف العذل, وأصبحت خريطة التقسيم الطائفية واقعا لا مفر منه بأموال خليجية, ووهن عربي, ومباركة دولية, وهو ما يشير إلي أن الربيع العربي سوف يمتد إلي ما هو أكثر من خريف, بمزيد من سفك الدماء والقتل والخراب تحت شعارات: الديمقراطية والانفصال والاستقلال, وستار الدين الذي هو في الحقيقة براء من كل هؤلاء وأولئك, ولا عجب إذن من أن نجد هنا وهناك من يترحم علي الماضي بكل مآسيه ويرفض الحاضر بكل آلامه ويخشي المستقبل بكل ما قد يحمله من مآس أصبحت واضحة للعيان.
أعتقد أن العرب مطالبون الآن بوقفة مع النفس والضمير قد يمكنها إدراك ما يمكن إدراكه من أجل مصلحة شعوبهم قبل أن يندثر مصطلح العروبة أو القومية العربية إلي مذبلة التاريخ ويصبح مقر جامعة الدول شاهدا علي العار والشنار, بعد أن كان جامعا للكبار الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلي صغار تسلموا أوطانهم عزيزة مترابطة وسلموها إلي الأجيال الجديدة مهينة متفككة ينخر فيها الحقد بين أبناء الوطن الواحد, وليس ذلك فقط بل حملوا السلاح في مواجهة بعضهم بعضا وسالت دماء غالية كان الأجدر بها أن تسيل علي أبواب فلسطين المحتلة أو الأقصي الأسير إلا أنه الغباء الذي ظلل العقول والغل الذي طمس القلوب وعبادة السلطة التي لم يجن من ورائها السابقون سوي غياهب السجون وظلمات القبور وما الماضي منا ببعيد.
سوف نعترف, ويجب أن نعترف بأن الدين جزء أساسي من مكونات الشخصية العربية مسلما كان أو مسيحيا أو يهوديا, وهو أمر لا غبار عليه ولا ضير فيه, إلا أن المطلوب الآن هو أن تتصدر تيارات الاعتدال المشهد السياسي في عالمنا العربي, ويمكن تشكيل محور مهم في هذا الصدد تقوده مصر الأزهر, التي كانت, ويجب أن تظل, واحة للوسطية وفهم الإسلام الصحيح, ولم أجد خلافا في ذلك مع رئيس وزراء العراق الذي يري أن مصر يجب أن تتحمل مسئوليتها في هذا الشأن باعتبارها الدولة الأم, والشقيق الأكبر المؤهل لذلك بالفعل, إلا أن الأمر يتطلب أولا أن نبدأ بأنفسنا داخل مصر, وذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه, ولتكن البداية أيضا بالأزهر الذي يجب أن يتصدر دون غيره المشهد الديني, وذلك لثقة المواطن فيه من جهة, وثقة العالم العربي من جهة أخري, وليظل ذلك الصرح شاهدا علي الإسلام الصحيح, وخاصة في هذه المرحلة التي تمثل نكبة عربية بكل ما تحمله الكلمة من معني.
بغداد التى كانت..!
لا يتسع المقام هنا بالتأكيد للحديث عن بغداد, وتاريخ بغداد, والخلافة الإسلامية في بغداد, وشعراء بغداد, وفقهاء بغداد, وعلماء بغداد, إنما فقط أردت الحديث عن الحالة المزرية التي وصلت إليها بغداد.. هذه المدينة التي ما تلبث أن تنهض حتي تتعرض إلي أعنف قصف في تاريخ الحروب, وما تلبث أن تتعافي إلا وتقع أسيرة لحصار اقتصادي ربما أكثر قسوة, وما تلبث أن تلفظ أنفاسها إلا وتعيش حالة من الخوف والرعب جراء تفجير سيارة هنا, أو عملية انتحارية هناك.
فقد أصبح الخوف والرعب من السمات العامة لسكان بغداد, هذه المدينة التي يقطنها نحو خمسة ملايين نسمة, يذهب كل منهم إلي العمل, أو الدراسة, أو الأسواق كل صباح, ولا يدري إن كان سيعود أم لا؟!, آثار الحرب والعنف معا مازالت تظلل وجه بغداد, وعلامات الحزن والمعاناة تخيم علي وجوه سكانها, والإهمال واللامبالاة علامتان بارزتان بشوارعها, بغداد تبدو باكية تتألم, ولا أحد يعلم, إلا الله, من ذا الذي يمكنه مسح دمعتها؟.. ومتي؟, ومن ذا الذي سوف يطببها؟.. وإلي أي مدي يمكن أن تعود, كما كانت, فتية, شامخة, منتصرة؟.
بغداد, التي كان يقطنها أكثر من مليون مصري, يوما ما, أصبحت الآن تضيق بأبنائها, بعد أن وصلت أسعار العقارات هناك لأرقام غير مسبوقة عالميا, ومواطن بغداد الذي كان يحصل علي أعلي أجور ورواتب في المنطقة, أصبح الآن في المرتبة الدنيا, ودينار بغداد, الذي كان يشتري ثلاثة دولارات أمريكية, أصبح الآن يباع مقابل الدولار الواحد بنحو1300 دينار, لنا أن نتخيل إذن حجم المأساة, علي الرغم من أننا أمام بلد يصدر ثلاثة ملايين برميل نفط إلي العالم الخارجي بصفة يومية, وأمام بلد يتمتع بثروات طبيعية وتاريخية, من مياه, وأرض زراعية, وسياحة دينية, وجمال طبيعة منقطع النظير, إلا أنها النفس البشرية التي أبت الاستجابة للأمر الإلهي بإعمار الأرض, فراحت تنشر الفساد, وتتصارع فيما بينها علي سفك الدماء.
لقد زرت بغداد للمرة الأولي عام1988 لتغطية الحدث العالمي, في ذلك الوقت, وهو بدء وقف الحرب العراقية الإيرانية في السابعة من صباح20 أغسطس, عقب إعلان الإمام الخوميني الموافقة علي وقف القتال وكأنه يتجرع السم, علي حد قوله, وقد احتفل البغداديون وقتها كما باقي العراقيين بانتهاء الحرب الدائرة علي مدي ثمانية أعوام وبدء السلام, وكانوا أكثر إقبالا علي الحياة, وأكثر بهجة من أي وقت آخر, علي الرغم مما خلفته الحرب من مآس عديدة, لم تسلم معها أي أسرة عراقية من فقدان شخص أو أكثر.
وبعد عشر سنوات, أي في1998, زرت بغداد لتغطية آثار الحصار الدولي علي الحياة هناك, وكان المواطن في حالة يرثي لها عقب قصف أمريكي ودولي دمر معظم مقومات الحياة, محققا تهديدات جيمس بيكر, وزير الخارجية الأمريكي آنذاك, لطارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي في ذلك الوقت, إننا سوف نعيدكم إلي العصر الحجري, وقد تحقق ذلك, وظل حال المواطن العراقي هكذا إلي أن تحقق أيضا هدف الإطاحة بالنظام, من خلال حرب أخري وقصف آخر أكثر شراسة, فكان من الطبيعي أن تزداد الحال بؤسا وضنكا, إلا أن الوضع المهترئ حاليا, وعلي مدي عشر سنوات, هو من صنيعة العراقيين أنفسهم, يعبثون بوطنهم تحت مسميات واهية, وصراعات وهمية, فكانت بغداد ضحية لذلك الصراع, وقد هانت علي أهلها, كما هانت بقية الأراضي العراقية علي النخبة.
الدبابات والمدرعات, ولجان الأمن, والجيش; أصبحت جميعها تشكل منظومة الحركة في بغداد, وعمليات التفتيش, والمتابعة, والمراقبة; أصبحت أمرا طبيعيا يعيشه سكان بغداد, وانقطاع الكهرباء, وتدني مستوي المعيشة, وحالة الكآبة والتوتر والقلق; أصبحت سمة الحياة في بغداد, والرد الطبيعي من المسئولين علي كل علامات الاستفهام هذه هو علامة استفهام أيضا: وكيف يمكن أن نبني أو ننطلق في ظل هذا العنف القائم وأعمال الإرهاب التي لا تتوقف؟!.
قال لي أحد المثقفين العراقيين ببغداد: إن أكثر ما يؤلمنا هو ابتعاد العرب عنا عقب سقوط النظام السابق مباشرة بدعوي أن العراق أصبح نظاما شيعيا يقترب من إيران؟, والسؤال هو كما يضيف ولماذا جعلتمونا نفعل ذلك؟, بالتأكيد سوف نضطر إلي ذلك في حالة انسحاب العرب من المشهد, وخاصة أن هناك الكثير من العراقيين في السلطة الآن كانوا يعيشون في إيران سنوات طويلة أيام النظام السابق, ولإيران فضل عليهم, ولكن نحن في النهاية دولة عربية.
وقال لي شاب عراقي: أنا أتابع أخبار مصر أكثر من أي شيء آخر, وأتألم كثيرا لآلامها, وأحب المصريين كثيرا, وأتمني أن أراهم هنا في بغداد كما كان الوضع في السابق, فهم الأقرب لنا نفسيا, كما أتمني أيضا زيارة مصر, وبهذه المناسبة أود أن أشير إلي أن شوارع بغداد تعج بإعلانات السياحة إلي كل من تركيا ولبنان, إلا أن التأشيرة المصرية العقيمة قد استبعدت مصر من المشهد السياحي هناك, كما أود أن أشير أيضا إلي أن الطلاب العراقيين يفضلون الدراسة بالجامعات المصرية علي غيرها من جامعات الدول المجاورة, إلا أن علاقات البلدين حتي الآن ليست علي المستوي الذي يدعم ذلك التوجه.
علي أي حال.. سوف تظل القاهرة وبغداد حالة خاصة متلازمة في تاريخ الحضارة الإنسانية, وسوف يظل أنين بغداد يمثل صداعا في رأس القاهرة, والعكس صحيح أيضا, شئنا أم أبينا, وسوف تزول الأنظمة, وتبقي الشعوب التي تدرك ذلك وتؤمن به, وأعتقد أن بغداد, والقاهرة, بهما من النخب الثقافية والعلمية ما يؤهلهما لتصدر هذا المشهد, إلا أن الأمر يتطلب بالضرورة إرادة سياسية, ومن الغباء أن تستمر الأوضاع كما هي, ومن الفطنة أن نترفع عن الهواجس المذهبية.
لمزيد من مقالات عبد الناصر سلامة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.