" رنينُ الذهبِ يقتلُ الضمير".. هكذا قال جُبران، فالذهبُ معبُود الجشع، وللإنسان ظمأ لا يرتوي إليه، فكما كان الذهب مُلهما لكثير من الإنجازاتِ البشريةِ، كان أيضًا مُحرضًا علي أبشعِ الجرائم الإنسانية، كونه مزيج من التناقضات، يهرول الناسُ إليه كملاذٍ، ويسعون لإمتلاكه بشتي الطرق، فيتحول عندها إلي لعنة، وتجول الأممُ في الأرض بحثًا عنه، كي تتمكن من السيطرة علي غيرها، لتكتشف فيما بعد أن الذهب قد هيمن علي مصيرها هي، فلم تملُكه بل هو الذي مَلكها. ويدور صراع الرحا بين تجار ومصنعي الذهب من جهة، والأجهزة الرقابية من جهة أخري، فتجار الذهب يلقون باللوم علي الدولة في تعسفها معهم، حيث التطبيق الخاطئ لضريبة المبيعات المزدوجة ورسوم التثمين وارتفاع رسوم الجمارك المقررة علي الذهب المستورد، ويبرز مع هذا الصرع تجار شرفاء يتحملون أعباء المهنة ويرغبون فى الحفاظ عليها، فيما يظهر آخرون معدومي الضمير، يسعون بطرق غير مشروعة لتحقيق مزيد من الأرباح علي حساب المستهلك وخزينة الدولة، إما بالغش في العيارات او الدمغ خارج المصلحة او استيراد ذهب بطرق غير شرعية، وتداوله بالاسواق. ووفقا لقانون مصلحة الدمغة، رقم 68 لسنة 1976 والمعدل برقم 15 لسنة 2002 بشأن الرقابة على المعادن الثمينة، والذي ينص علي "دمغ المشغولات الذهبية والفضية الواردة من الخارج ودمغها داخل مصلحة الدمغة والموازيين قبل تداولها بالسوق المصري، وذلك للتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية ". وأشارت التقارير الرسمية لمصلحة الدمغة والموازين عن عام 2015، إلي أن جولات مفتيشي المصلحة علي محلات وأسواق الذهب علي مستوي الجمهورية بلغت 470 جولة تفتيشية، تم خلالها تحرير 415 محضر، وتم ضبط ومصادرة 61.354 كيلو من الذهب و147.853 كيلو من الفضة، معظمها بدون دمغة. ومن جابنه، أكد اللواء مدحت عبد الله مدير الإدارة العامة لمباحث التموين، أنه تم مصادرة 20 كيلو ذهب إيطالى بدون دمغة إضافة إلى منتجات غير مطابقة للمواصفات القياسية فى محافظات بورسعيد والدقهلية وبنى سويف وأسيوط والإسماعيلية، خلال الفترة الماضية، لافتا إلى أن الادارة تشكل بالتعاون مع مصلحة الدمغة والموازيين، مجموعات عمل ولجان لمكافحة جرائم الاتجار بالمشغولات الذهبية المزيفة والغير مطابقة للمواصفات، وضبط المخالفين ومصادرة المشغولات وتحرير محاضر لصاحبها. وحول واردت مصر من المشغولات الذهبية، قال محمد سيد حنفى مدير عام غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات، إن بيانات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء عن واردات مصر من الذهب خلال عام 2012 لم تظهر استيراد أى ذهب، بالاضافة إلي أن الإيرادات في السنوات الأخيرة لم تزد عن 3 مليون دولار، بالرغم من أن تجار الذهب بالغرفة يقدرون حجم الذهب المستورد المتداول بالسوق بنحو 15 طن تقريبا، 95 % منه تدخل بطرق غير رسمية، مشيرًا إلى أن الذهب الإيطالى يحتل المرتبة الأولى فى السوق المصرية من حيث حجم التداول يليه الذهب الهندى ثم السنغافورى. وأوضح "حنفي" إن الدولة تفرض 30% جمارك و10% ضريبة مبيعات على المشغولات الذهبية المستوردة، مما يتسبب في زيادة حجم تهريبها للسوق المصري، مؤكدا ان شعبة الذهب تقدمت بمقترح إلي وزارة المالية لحل مشكلة التهريب، والذي ينص علي تثبيت ضريبة محددة ب2.5 دولار على كل جرام ذهب يدخل مصر يتم خصمه من المنبع. ويشير مدحت البيراقدار، كبير مفتشى مصلحة الدمغة والموازين سابقا، إلي تداول المشغولات الذهبية المستوردة بالسوق المحلي، والتي يطلق عليها في الصاغة "ذهب بره"، وعلي الرغم من ارتفاع رسوم الجمارك، بالاضافة الي ارتفاع رسوم دمغة الجرام عليها إلي 2.5 جنيه، إلا أن أرباح تجار الذهب منها تكون مرتفعة، نظرً لبيعهم جرام عيار 18 منها بسعر جرام عيار 22. ويعد ارتفاع الجمارك علي المشغولات الذهبية المستوردة، ورسوم دمغها والضريبة عليها، هي أبرز المشاكل التى يعاني منها سوق الذهب فى مصر مما يؤدي إلي انتشار عمليات التهريب. قال د. واصف أمين واصف، رئيس شعبة المصوغات والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن الذهب الخام معفى من الجمارك وفقا لقرار رئيس الجمهورية فى التسعينات، وليس لدينا مشاكل فى الخام، إنما المشاكل تتمثل فى ارتفاع قيمة الجمارك على المشغولات الذهبية المستوردة، ما يتسبب في انتعاش عمليات تهريب المشغولات الذهبية بالأسواق المحلية. وأضاف واصف، أن مشكلة تجار ومصنعي الذهب مع مصلحة الضرائب العامة، تكمن في فرض ضريبة الأرباح التجارية، علي القيمة الاجمالية (قيمة الذهب وقيمة التصنيع وقيمة الأرباح)، حيث كانت تفرض سابقا على قيمة التصنيع فقط. وأوضح واصف، أن شعبة الذهب تباحثت مع مصلحة الضرائب واتفقا علي "تحيد سعر الذهب الخام"، والمحاسبة علي القيمة المضافة "المصنعية" فقط، مؤكدًا علي أن المشكلة باتت تكمن في تجاهل مأموري مصلحة الضرائب لهذا الاتفاق بتطبيق خاطئ للضرائب علي تجارة الذهب، فمازالوا يحتسبونها علي القيمة الاجمالية، وبالتالي نضطر للدخول في تشكيل لجان لبحث وحل مشكلة الضرائب المرتفعة علي حجم المبيعات. بينما يشير فاروق ابراهيم بطرس، رئيس شعبة الذهب بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن المعوقات والاليات التي تتبعها مصلحة الجمارك، تحد من واردات وصادرات مصر من المشغولات الذهبية، لأنها تؤدي لانصراف المستوردين عن السوق المصري، من خلال الوقت المهدرة والاجراءات المعقدة، في سلعة تتغير أسعارها من يوم لآخر، فمصلحة الجمارك تلزم المورد والمستورد بإجراء عمليات فحص وتقييم للذهب الخام والمشغولات الذهبية. وتابع أن عملية تجارة الذهب تزداد صعوبة نظرًا لصعوبة استيراد الذهب من الخارج بسبب الجمارك التى تفرض رسومًا عالية مما يجعل البعض يلجأ إلى عملية التهريب، مشيرًا إلى أن هذا التهريب يضيع حق الدولة كما يؤدى إلى ارتفاع فى الاسعار بالسوق. ويؤكد " نادي نجيب " سكرتير شعبة الذهب بالغرفة التجارية بالقاهرة، ان معظم الذهب المستوراد المتداول بالسوق المصري يدخل بطرق غير شرعية، كما اوضح ان الدولة لا تمول استيراد الذهب من خلال البنوك، مما يضطر تجار الذهب الي الاستيراد بأنفسهم من الخارج، وبالتالي يصطدموا برسوم الجمارك المرتفعة. وأكد شريف السرجانى، رئيس رابطة تجار الذهب ونائب رئيس شعبة الذهب بالغرفة التجارية بالقاهرة سابقا، أن زيادة الدمغة على الذهب المحلى بنسبة 100% لا تمثل مشكلة، ولكن هناك تحفظًا على الزيادة التى طرأت على المستورد بنسبة 50%، حيث إن رفعها من 80 قرشا كما هو متبع إلى 250 قرشا أمر مبالغ فيه، بالإضافة إلى أن قرار الزيادة تم صدوره دون أن يتم أخذ رأى الشعبة. وقال رفيق عباسى، رئيس شعبة الذهب بالاتحاد العام للصناعات، أن المشغولات الذهبية قد تدخل الأسواق بطرق غير مباشرة، من خلال الأفواج السيايحة، بالتنسيق مع شركات السياحة، مقابل 40 % من قيمة المبيعات. بينما يؤكد فؤادي عبد الباقي تاجر ذهب بالصاغة، إن الدولة هي المتسببة في تفشي ظاهرة تهريب الذهب المستوردة، نتيجة ارتفاع رسوم الثمين عليه بالجمارك بالاضافة الي رسوم الدمغة المصرية وضريبة المبيعات. ويضيف عبد الباقي علي الدولة تقنن قوانين الذهب المستورد، لفتح الاسواق امام التجار، فارتفاع رسوم التثمين ادي الي تقوقع السوق المصري علي نفسه، بالاضافة إلي أنه يجب ان تقوم الدولة بفرض رسوم تثمين علي التصنيع فقط وليس علي الذهب الخام، فعلي سبيل المثال لو استورد التاجر كيلو ذهب من المشغولات، يجب ان تكون الرسوم علي تكلفة التصنيع والتي تصل إلي 5 الاف جنيه وليس علي الذهب نفسه والذي يبلغ حاليًا تقريبًا 350 ألف جنيه، مما يزيد من حجم تهريب الذهب لداخل مصر. ويشير أحمد فتحي، صاحب شركة للتخليص الجمركي، أن المشغولات الذهبية المستوردة تدخل الأسواق بطرق من التحايل، حيث تورد علي أنها اكسسوار صيني، موضحا قيام العملاء بتحديد العينات المراد فحصها لمفتيشي مصلحة الدمغة، والتي لا تكون غير مطابقة للشحنة. كما يوضح عبد الباقي، أن عملية تهريب الذهب المستورد الي مصر لا تتم بصورة منظمة ولكنها تتم بصورة فردية من قبل بعض التجار، مع المهرب والذي يقوم بتهريب الذهب أو أي شئ آخر فهذه وظيفته، مؤكدا أن تجار الذهب ليسوا ضد القانون ولا ضد الرقابة، فهما حماية للتاجر والمستهلك، ولكن التجار ضد الاجحاف وعدم الانصاف في اتفاع رسوم التثمين علي الذهب والمبالغ فيها. ومن جانبه، فقد أكد العميد محمد حنفي، رئيس مصلحة الدمغة والموازين بوزارة التموين والتجارة الداخلية، أن القانون لا يسمح بتداول المشغولات المستوردة باسواق الذهب إلا بعد دمغها بمصلحة الدمغة والموازيين، وأن المشغولات الذهبية المستوردة يتم تسلمها من قبل مندوبي المصلحة المنتشرين بالمنافذ الجمركية، ومن ثم ارسالها الي المصلحة لفحصها وتحديد عيارها ودمغها، قبل تداولها في الأسواق. وأضاف حنفي، أن مفتشى المصلحة يحملون الضبطية القضائية والتي تمكنهم من مصادرة المشغولات الغير مطابقة للمواصفات في حالة شكهم فيها، خلال حملات التفتيش علي محلات الذهب، ومن ثم يتم فحصها داخل مصلحة الدمغة وتحديد عيارها والتاكد من دمغتها. وأوضح حنفي، "أن تداول المشغولات الذهبية المستوردة في الاسواق دون دمغها من قبل مصلحة الدمغة يعد امرا مخالف للقانون ويعرض صاحبه للحبس والغرامة المالية ومصادرة المشغولات". واستكمل حنفي، إن عقوبة غش الذهب، وفقا لقانون المصلحة،(يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لاتقل عن 10 آلاف جنيه ولاتتجاوز50 الف جنيه أو بإحدي العقوبتين كل من أحدث تغييرا أو تعديلا لغرض غير مشروع في المشغولات بعد دمغها). كما يوضح حنفي، علي انه يجوز للأشخاص الذين يحوزون المشغولات الذهبية المستوردة والغير مدموغة بدمغة محلية، بغير قصد الاتجار، أن يعرضوها للبيع، وفي هذه الحالة يلتزم التاجر المشتري بدمغ هذه المشغولات بدمغة الحكومة المصرية، علي ان يتم اعفاء المواطنين من الرسوم إذا كانت قيمة المشغولات لاتزيد علي 5 آلاف جنيه، اذا تقدموا لدمغها خلال 6 أشهر، أي حتي نهاية هذا العام وبعد هذا التاريخ تصبح رسوم الدمغة 20 قرشا علي الجرام. ويشير حنفى أن وزارة التموين والتجارة الداخلية تقوم بإعداد قانون جديد يسمح بتخصيص رقم معين "باركود" لكل مشغولة ذهبية أو فضية، على أن يكون لدى المستهلك فرصة الاتصال بمصلحة الدمغة والموازين من خلال خط ساخن، للاستعلام عما إذا كان المنتج الذى يريد شراؤه مطابق للمواصفات أم لا، وذلك من خلال الباركود الخاص بالمنتج والمسجل فى مصلحة الدمغة.