الدولار يخسر 1.37 جنيه في البنوك المحلية بنهاية تعاملات اليوم    خبراء: استقرار الشبكة الكهربائية التحدي الأكبر في التوسع بالطاقة المتجددة    لبحث شراكات اقتصادية وتعليمية.. وفد جامعة شرق لندن في ضيافة غرفة الإسكندرية    محافظ الجيزة يكرم عمال النظافة والسائقين تقديرا لدورهم فى التعامل مع موجة الأمطار    إسلام عزام: قيد الشركات الحكومية يعزز الثقة ويدعم نمو رأس المال السوقي وتسريع برنامج الطروحات    توقيع عقد شراكة بين «إندوراما» و«فوسفات مصر» لإنشاء مصنع للأسمدة الفوسفاتية    نداء عاجل في بيروت.. السلطات تطالب المواطنين بالبقاء في المنازل مع تصاعد القصف الإسرائيلي    أبو الغيط يرحب باتفاق الولايات المتحدة وإيران لوقف إطلاق النار ويدعو لخفض التصعيد بالمنطقة    التشكيل المتوقع لليفربول أمام باريس سان جيرمان.. صلاح يقود الهجوم في قمة الأبطال    الزمالك يحفز لاعبيه قبل مواجهة شباب بلوزداد بالكونفدرالية    توروب: كأس أمم أفريقيا وراء تراجع الأهلي    إصابة 7 اشخاص فى حادث انقلاب ميكروباص بطريق إسكندرية الصحراوى    الحبس سنة لشخص بتهمة الشروع في قتل شقيقه بقنا    محمد رمضان يثير الجدل بشأن مشاركته في دراما رمضان 2027    قرعة نارية.. مصر بالمجموعة الأولى بجانب المغرب وتونس بكأس الأمم تحت 17 عامًا    مصدر بلجنة الحكام: قرارات حكم مباراة الأهلي وسيراميكا صحيحة    المسرح يصل القرية.. قصور الثقافة تطلق فعاليات فنية بجرفس في الفيوم    ما حكم عمل فيديو بالذَّكاء الاصطناعى لشخص ميّت؟ دار الإفتاء تجيب    محافظ الفيوم ورئيس الجامعة يتفقدان عددا من الأقسام والوحدات بالمستشفى الجامعى    محافظ القاهرة يترأس لجنة المقابلات الشخصية للمتقدمين لشغل وظائف    مدير تعليم البحيرة يناقش آليات التطوير والإرتقاء بالعملية التعليمية    استعدادًا لعيد القيامة وشم النسيم.. محافظ الفيوم يعلن حالة الطوارئ ويكثف الرقابة على الأسواق والخدمات    إحباط بيع 2.5 سولار في السوق السوداء.. وضبط 3 متهمين بأسوان    فيديو الرعب يكشف المستور.. ضبط 7 متهمين بإطلاق النار وفرض السيطرة في شبرا    وزير التعليم العالي يفتتح النسخة الخامسة من الملتقى التوظيفي الأكبر بعين شمس    بعد دورها البارز في وقف الحرب.. الحسيني الكارم: مصر الكبرى حين تتكلم الجميع يسمتع لها    المسلماني عن عودة ماسبيرو: لقد عدنا    إحياء الذكرى ال56 لمجزرة شهداء بحر البقر بالشرقية    فيلم ابن مين فيهم؟ يطلق حملة للتحذير من قرصنة الأفلام في السينما    الإمارات تعرب عن خيبة أملها إزاء إخفاق مجلس الأمن في التحرك بشأن أزمة مضيق هرمز    وزير الشباب والرياضة يهنئ يوسف شامل بذهبية العالم للسلاح بالبرازيل    قطار جديد مكيف من أسوان إلى القاهرة، خطوة لتعزيز راحة الركاب وتوسيع الخدمات    تحذر من مخاطر الشائعات.. المتحدث باسم وزارة الأوقاف يوضح تفاصيل مبادرة "صحح مفاهيمك"    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم الفنانة السورية سلاف فواخرجي    الأوقاف: تنفيذ خطة المساجد المحورية لتنشيط العمل الدعوي بالقرى والأحياء    مذكرة تفاهم بين وزارتين سعوديتين لتعزيز التكامل في المجالات المشتركة    وزير التعليم من الشرقية: الانضباط المدرسي وإتقان المهارات الأساسية ركائز رئيسية لبناء شخصية الطالب    الصحة العالمية تطلق عدة مبادرات للقضاء على داء الكلب ومواجهة الإنفلونزا    الصحة: علاج 197 ألف حالة في جراحة العيون وتفعيل مبادرة "الكشف عن الجلوكوما"    صحة المنيا: تقديم 1208 خدمات طبية مجانية بقرية نواى ضمن «حياة كريمة»    60% تراجعا في الطلب على العمالة الوافدة للخليج منذ بدء الحرب.. والسعودية تخالف الاتجاه    اتحاد جدة يلتقي نيوم لمواصلة الانتصارات في الدوري السعودي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن إجازة شم النسيم    وصول بعثة إيطالية لاستكمال المسح الأثري بمنطقة «أم الدبادب» في الخارجة    الأوقاف: لجنة متخصصة لتطوير الخطاب الديني للأطفال وإطلاق مشروع وطني للطفل والأسرة    خطة من «الصحة» لسرعة الانتهاء من تطوير 8 مستشفيات كبرى    8 أبريل 2026.. الدولار يتراجع قرب 53 جنيها بعد إعلان أمريكا وإيران وقف إطلاق النار لأسبوعين    صور| تفاصيل إصابة 18 طالبًا في انقلاب أتوبيس جامعي في المنيا    مواعيد مباريات الأربعاء 8 أبريل - مواجهتان ناريتان في أبطال أوروبا.. والدوري المصري    ارتفاع أسعار "بيتكوين" لأعلى مستوى في 3 أسابيع عقب التوصل لتهدئة أمريكية إيرانية    كتب 400 أغنية أشهرها "حنيت" للهضبة و"أجمل نساء الدنيا" للرباعي، الراحل هاني الصغير    ناقلة نفط قادمة من مضيق هرمز تصل إلى تايلاند    حكم فصل التوأمين الملتصقين إذا كان يترتب على ذلك موت أحدهما؟ الإفتاء تجيب    "تقدير الذات كمدخل لبناء الاستراتيجية الشخصية" ندوة بعلوم ذوي الاحتياجات الخاصة ببني سويف    وكالة فارس: خطة التفاوض تضمنت التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووى ومرور سفت عبر «هرمز»    سي إن إن نقلا عن مسؤول في البيت الأبيض: إسرائيل وافقت أيضا على وقف مؤقت لإطلاق النار    أمين البحوث الإسلامية يحذر: العلم الذي يزيد المرء كبرًا وبال على صاحبه    وفاة والد المؤلف محمود حمدان.. وهذا هو موعد ومكان العزاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بواب ومشعوذ ثم رئيس للوزراء السناري.. حياة مليئة بالأسرار والحكايات
نشر في أخبار الأدب يوم 01 - 11 - 2014

وقد كان للبيت نصيب من غموض صاحبه حين ترددت بعض الروايات عن أن بيت السناري كان مقرًا لبعض الخلايا والحركات السياسية السرية خلال فترة الاحتلال البريطاني لمصر،وأن الفنانة "أسمهان" كانت جزءًا من ذلك الغموض وعضوا في إحدي هذه الخلايا التي كانت تعقد اجتماعاتها خفية في هذا البيت.. إلا أنها روايات لم تجد من يؤكدها أو ينفيها..
غموض في كل شيء تشعر به بمجرد دخولك من بوابة "قصر السناري"
رحلة في بيت أمير من المماليك
عبر ممرات تلك الحارة الضيقة بحي الناصرية بالسيدة زينب،مشيت،طريقٌ ملتو، الخطوة الأولي فيه ساقتني إلي تلك البوابة الخشبية الكبري،وكأنه بيت من بيوت حكايات ألف ليلة وليلة،ولكن.. لم تكن هناك شهرزاد لتروي لنا عما دار داخل ذلك القصر منذ إنشائه،إلا أن جدرانه وتفاصيله تحكي عن أهم سنوات عاشها هذا البيت منذ إنشائه وحتي اليوم.. بل إنها تحكي تاريخ مصر.. فمن هذا المكان "بيت السناري" خرجت إلي العالم موسوعة "وصف مصر".
دخلت عبر بوابة خشبية عملاقة،ذات طابع تاريخي إسلامي قديم،منقوشة برسومات فنية بالغة الدقة والروعة،بمجرد الدخول إلي قلب البيت تجد نفسك أمام "مصطبة" تواجه مدخل الباب الرئيسي،فوقها كنبة مخصصة لحارس العقار الذي يكلف بفتح وغلق الباب واستقبال الزائرين وإبلاغ أهل البيت.
تركت المكان المخصص للحارس عن يميني واتجهت ناحية اليسار،ممر كبير مبهر يأخذك باتجاه اليمين في زمان آخر،وكأني عدت إلي عصر المماليك.. ووجدتني أقف في بهو البيت بين ثلاثة قطع من المباني وحولي العديد من الأبواب الخشبية لغرف مغلقة بالدور الأول،عرفت بعد ذلك أن منها غرفا كانت تستخدم لإقامة الخدم وأخري ك "مطبخ" للطهو،وغيرها مخزن للحبوب والأغذية الخاصة بأهل البيت،أحد هذه الأبواب هو مكان للبئر التي كان يحصل منها أهل البيت علي الماء،حينما رفعت عيني لأعلي كان الطراز الإسلامي في البناء شاهدًا باقيًا وشامخًا بجمال مشربياته المصنوعة من "الأرابيسك" المبهر،وكأني أري من خلف تلك المشربيات وجوه نساء هذا العصر المطلة ب "اليشمك" من مشربيات بيت يحمل بين جدرانه وأسقفه جماليات الفن المعماري الزخرفي، مما يجعله تحفة نادرة في شكل بيت أثري،كما أنه نموذج مكتمل التكوين، بدليل ما يظهر في عمارته الفريدة بوجود المشربيات الرائعة التي تطل بواجهتها علي الشارع الرئيسي،في حين تتوسط فناء البيت من الداخل نافورة متميزة تضفي عليه المزيد من الجمال والإبداع.
هكذا كان شكل الحياة في مصر في تلك الحقبة من الزمن،المباني التي أنشئت راعت أمرين،أولهما الشكل الجمالي والفن المعماري،وثانيهما مراعاة حرمة أصحاب البيت بشكل كبير فكانت البوابة الرئيسية منكسرة بمعني أنها حين تفتح لا تكشف من بداخل البيت.
التختابوش،مكان شبه دائري مطعم بالخشب في ردهة البيت يخصص لاستقبال الزائرين العاديين،بينما خصصت القاعة الكبري في الدور الثاني لاستقبال كبار الزوار،عبر المباني الثلاث،المنفصلة المتصلة،تمر لكنك لابد وأن تتوه في ردهات ملتوية وسلالم كل منها يأخذك إلي غموض أكثر،وكأنه بيت جان..
نوع من الرفاهية لأثرياء ذلك العصر،اسمه "الحمام التركي" في الدور الثاني من القصر،ينقسم الحمام التركي إلي ثلاثة أجزاء عبارة عن غرف صغيرة، تدخل من الأولي للثانية وحتي الثالثة، لكل جزء فيها مهمة،الجزء الأول لخلع الملابس،والحصول علي حمام بخار، والجزء الثاني مخصص للحصول علي مشروب دافئ والاستعداد للاستحمام والتهيئة لدرجة حرارة الجو لتتناسب مع درجة حرارة الجسم، وبه حوض يمر خلاله "ماسورتان للمياه" إحداهما ساخنة والأخري باردة، تتصلان بالجدار الخلفي للحمام تأخذان المياه من إناءين كبيرين،أحدهما موضوع علي "غلاية" للتسخين،والآخر يستمد مياهه عبر دلو مياه مربوط في حبل يتم إنزاله لأسفل حيث الدور الأول،غرفة بئر المياه، أما الجزء الثالث ويكون في آخر تلك الغرف الثلاث فللحصول علي الحمام.
كانت هذه التقنية وهذا النوع من الترف لا يتوافر إلا في بيوت الأمراء والأثرياء..
الرجل الغامض
صاحب البيت هو إبراهيم كتخدا السناري،شخصية غامضة إلي حد بعيد،ووفقًا لكافة الروايات عنه فقد بدأ حياته بوابًا لكنه أنهاها أميراً ثريًا،كان أسود اللون،تنقل بين البلاد والعباد حتي وصل إلي أن أصبح من أشهر أمراء عصره،يقول عنه الدكتور حسام الدين إسماعيل -أستاذ مساعد قسم الآثار،كلية الآداب،جامعة عين شمس- أنه جاء من مدينة سنارة بالسودان لذلك لقب ب "السناري" أما لقب كتخدا،فهو مصطلح تركي يعني "العدل" بينما هنا فهو يعد وصفًا لمهنة إبراهيم السناري،وتعني رئيس المماليك،وهو ما يوازي منصب رئيس الوزراء في زماننا.
وقد عمل السناري عند وصوله إلي مصر بوابًا بمدينة المنصورة،وكان أميًا ثم تعلم القراءة والكتابة،ثم تعلم أمور السحر والتنجيم،كما تعلم أيضًا اللغة التركية حتي وصل بعلاقاته إلي أن عمل مع كل من مصطفي بك ومراد بك،كبار مماليك هذا العصر،وعينه مصطفي بك آنذاك نائبًا له،فصاغ له كل مكاتباته ومراسلاته،وأدار شئونه فصار لسان حال سيده مما جعله طرفًا في المؤامرات والفتن والصراعات وحين اعتكف مصطفي بك عام 1209هجرية تاركًا لإبراهيم السناري إدارة كل شئونه سطع نجم إبراهيم السناري وزاد سلطانه حيث منحه ذلك فرصة إضافية للصعود والتحكم والسيطرة فتحدي قرارات ورغبات الأمراء بل صار ينفذ أوامر سيده حسب ما تقتضيه مصالحه الشخصية،مما أثار حفيظة الكثيرين ضده لدرجة أن مراد بك الكبير أمر بقتله فهرب و دخل في خدمة الأمير حسين بك حتي عفا عنه مراد بك باتفاق بينهما و قربه منه مرةً أخري لدرجة أنه عينه نائبًا له.
ويضيف الدكتور حسام إسماعيل أن السناري بني داره بالناصرية وصرف عليها أموالاً طائلة بعد أن زحف كما زحف الأثرياء والأمراء وقتها بعيدًا عن وسط المدينة التي كانت بها القوة الرئيسية للجيش العثماني والتي كانت تضج بالصراعات والمشاكل المتكررة،حيث كثيرًا ما أثيرت الصراعات بين أفراد الجيش العثماني،وكذلك بين الأمراء الذين كانوا يقاتلون بعضهم بعضًا،وقد تركت هذه المعارك آثارها علي المكان مثلما فعلت في واجهة مسجد السلطان حسن،من ناحية الرفاعي أمام القلعة،حيث كانت تبدو واضحة آثار القنابل التي كانت تستخدم في تلك المعارك والتي أصابت واجهة المسجد وكسرت حجارته،وتم تصليحها في القرن الثامن عشر،ذلك بالإضافة لسقوط مئذنة مسجد قايتباي الرماح التي انهارت نتيجة الضرب وتم بناء غيرها بعد ذلك.
فضلاً عن الزحام،لذلك اختار أثرياء وأمراء مناطق نائية علي أطراف المدينة تكون أقرب إلي النيل وأكثر هدوءًا-مثل عابدين والسيدة زينب- ليبتعدوا عن كل هذا الزخم -كعادة الأثرياء في كل زمان ومكان،وكما اختار مراد بك حي الجيزة،والذي يحمل أكبر شارع فيها اسمه،،اختار السناري حي الناصرية وبني بيته بضواحي المدينة هناك،وصارت له حاشية وجواري وأتباع وظل هكذا حتي يوم 17 جمادي الآخر 1206 هجرية حيث قتل في الإسكندرية مع غيره من الأمراء في مذبحة دبرها لهم حسين باشا القبطان العثماني حين دعاهم للحضور إليه فلما حضروا قتلهم جميعاً وتم دفنهم بالإسكندرية.
هذا وفقًا لرواية الجبرتي -أشهر مؤرخي التاريخ- إلا أن أحدًا لم يعرف حتي الآن أين دفن السناري ورفاقه المذبوحين.
ويشير الدكتور حسام الدين إسماعيل أن هذه المنطقة كان يسكن بها أبناء الطبقة الراقية من الشعب،وأن السناري ظل يبني في منزله طيلة عشرة أعوام منذ شرائه للأرض عام 1783 حتي العام 1793 ،وكان الأثرياء والأمراء يشترون العبيد والخدم والجواري،وهناك جواري مخصصات للطهو،ويسعون لشراء الجواري الأجمل،بينما تحصل الجواري المفضلات علي مكانة ومرتبة أعلي من الأخريات،خاصةً من تنجب منهن ولدًا يتزوجها الأمير ويخصص لها قاعة مميزة مثل قاعة الأعمدة بالقلعة،وهي أكبر قاعة بالقلعة تمنح للجارية أم الولد.
نهاية مأساوية
بعد إتمام إنشاء بيت السناري بنحو خمسة أعوام جاءت الحملة الفرنسية إلي مصر بقيادة نابليون بونابرت عام 1798, وصادرت الحملة آنذاك ثلاثة بيوت بمنطقة الناصرية،لإقامة أعضاء الحملة العلمية بها،إثنان منها ملكً لثري يدعي حسن الكاشف والثالث هو بيت السناري،وقد وقع اختيار الحملة علي تلك البيوت الثلاث لأكثر من سبب،أولها أن هذه البيوت كانت حديثة البناء مما يجعل حالتها تسمح باستمرار أعضاء اللجنة أطول فترة ممكنة بمكان يسمح لها بذلك،التجهيزات الفخمة لهذه البيوت تمنح أعضاء الحملة المزيد من الراحة في المعيشة طوال فترة الإقامة،فضلاً عن كون المنطقة نائية وهادئة وهي بذلك تكون بيئة مناسبة للكتابة والإبداع.
ويؤكد الدكتور حسام إسماعيل أن السناري ظل في بيته وقت وجود أعضاء الحملة فيه،وكان مقيمًا مع أعضاء اللجنة،بينما هرب مراد بك وأصحابه إلي الصعيد حينما دخلت الحملة الفرنسية مصر،ومات هناك بالطاعون،ودفن أيضًا بالصعيد،بينما هرب إبراهيم باشا إلي الشام لكنه عاد مجددًا مع الجيش العثماني عام 1801 حينما خرجت الحملة الفرنسية من مصر،وكان قائد الجيش وقتها حسين باشا القبطان وكان مقيمًا بالإسكندرية،فطلب عدد من الأمراء منهم حسين بك المرادي وعثمان بك البرديسي وإبراهيم السناري،وهناك ألقي القبض عليهم وقام بذبحهم.
عن هذه المذبحة يقول الدكتور حسام الدين إسماعيل،إن الفترة منذ العام 1801 وحتي العام 1811 شهدت أكثر من مذبحة للمماليك ولم تكن مذبحة القلعة هي المذبحة الوحيدة التي وقعت لكنها الأشهر إعلاميًا،فقد كان هناك أوامر من السلطان العثماني بالقضاء علي المماليك نهائيًا حتي يتمكن العثمانيون من استرداد مصر،حيث كانوا يسيطرون علي كل شيء في الحياة ويدبرون المؤامرات ويرهبون الناس بسطوتهم ونفوذهم،ويفرضون عليهم المزيد من الضرائب التي كانت وقتها تسمي "الفِردة" وكانت معاملة معظم أمراء المماليك بالناس سيئة،فقليلون منهم فقط من كانوا يقدمون العون والمساعدة للفقراء،أما الغالبية العظمي فكانوا يسيئون معاملتهم ويبتزونهم،ولم يكن أمراء المماليك علي علم بما أمر به السلطان العثماني لذلك ذهب السناري ورفاقه إلي حسين باشا القبطان للتفاوض معه ففوجئوا بما حدث لهم.
الغريب فيما قاله الدكتور إسماعيل أن محمد كريم الذي نقرأ عن بطولاته في كتب التاريخ وعن رفضه تسليم
الإسكندرية لنابليون بونابرت، واستبساله في مقاومة الفرنسيين كان وفقًا لما قاله الدكتور حسام إسماعيل- بلطجيًا،يفرض "الإتاوة" علي المصريين،ويبتز الأجانب المقيمين في مصر،وأن نضاله هذا لم يكن لاسترداد مصر والدفاع عنها من الاحتلال الفرنسي بل كان لاسترداد نفوذه وسطوته!
محمد كريم الذي لقب ب "القائد" والذي حكم مدينة الإسكندرية وصنعنا له تمثالاً وضع بحديقة الخالدين فيها "بلطجي"؟!!.
عجيبٌ أمرك أيها التاريخ،من يكتبك؟ ولماذا تشوه رموزاً وتنتصر لآخرين؟ ما هو معيار التأريخ ومن نصدق؟ وأين الحقيقة فيما نقرأ؟
إنها مصر،بلد التناقضات في كل شيء!!
نعود لبيت السناري لنتابع ما جري للبيت الفخم بعد ذبح صاحبه،فإبراهيم السناري لم يكن له أسرة ولا عائلة،لم يتزوج ولم يكن له أبناء،وبعد مقتله -كما يقول الدكتور حسام إسماعيل- تم تسجيل البيت كمنزل أثري عن طريق لجنة حفظ الآثار،والتي تمثلها الآن وزارة الآثار،ثم قام رجل فرنسي باستئجار البيت وعمله كمعرض ليعرض فيه صور الحملة الفرنسية في مصر وخطواتها مسجلاً بالفوتوغرافيا معظم ما تم من إجراءات أثناء وجود الحملة في مصر.
وسط البلد.. زماااان
يحكي الدكتور حسام عن تلك المنطقة التي كانت "وسط البلد" آنذاك،قائلاً: أن المدينة كانت تسكنها الطبقة المتوسطة وتحت المتوسطة،والغلابة،فالطبقة المتوسطة وتحت المتوسطة كانوا يقيمون في "الأرباع" وهي مباني سكنية مجمعة،أسفلها محلات تجارية وفوقها مساكن،أما الغلابة فكانوا يقيمون في "الحيشان" أي "الأحواش" وكانت في مناطق مثل المغربلين وسوق الليمون والنحاسين والغورية والمجاورين والسكرية..
وعن طبيعة الطبقة المتوسطة يقول الدكتور حسام أنها مكونة من العلماء والتجار،والعلماء معظمهم علماء الأزهر،ومن أشهر التجار الأغنياء آنذاك،الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي،وهو من بني بيت السحيمي،ومصطفي جعفر،وكان من أكبر تجار البن.
أما الطبقة تحت المتوسطة فهي مكونة من الباعة الجائلين الذين كانت تخصص لهم أسواق ليبيعوا فيها بضاعتهم تسمي أسواق "القفصان" أي "الأقفاص" ومقابل ذلك كانوا يدفعون إيجارًا يوميًا للوقف بالمسجد نظير بقائهم في المكان,هؤلاء كان يطلق عليهم "المتسببين" أي من هم علي باب الله،يحصلون علي رزقهم بشكل غير ثابت،وهو المصطلح الذي نطلقه اليوم علي الدخل غير الثابت فنقول "السبوبة".
أما عن طبيعة الحياة وقتها فالمعلومات المتوافرة عن تفاصيل الحياة اليومية في هذه الفترة شحيحة للغاية كما يقول دكتور حسام،حيث اهتم المؤرخون بالكتابة عن الأحداث التاريخية الكبري دون الخوض في تفاصيل المعيشة وأشكال التعامل اليومي بين الناس،إلا أن من أكثر ما اشتهر به المصريون وقتها "الثريد" ونسميها اليوم "الفتة" حيث توضع عليها الخراف،كما اشتهر هذا العصر بالحلويات مثل الهريسة والمعمول في الإسكندرية ورشيد والبحيرة،والحلويات الشامية مثل القطائف والكنافة والبقلاوة في القاهرة ودمياط والشرقية والمنصورة،أما عن الهدايا التي كان يتم إهداؤها للأثرياء والأمراء فكانت مثل سيف مرصع بالذهب والفضة،و"الخلعة" وهي العباءة المصنوعة من الحرير،لكن شيئًا لم يذكر عن مقتنيات بيت السناري أين ذهبت وما الذي جري لها؟
في مكتبه الذي مازال يحتفظ ببساطته وشكله التاريخي- التقيت أيمن منصور،نائب مدير إدارة المشروعات الخاصة،والمشرف علي بيت السناري،قال:بدأ إنشاء بيت السناري منذ العام 1792 وتم الانتهاء منه عام 1795 أي قبل دخول الحملة الفرنسية إلي مصر بخمسة أعوام،وكان هذا البناء الحديث سببًا من أسباب اختيار الحملة للبيت ليكون مقرًا لأعضاء لجنتها العلمية،فالبيت كان حديث البناء يملكه أحد كبار الدولة آنذاك- وهو إبراهيم كتخدا السناري مما يعني أن البيت كان مجهزًا تجهيزًا جيدًا يلائم أعضاء الحملة،فضلاً عن موقعه حيث يوجد بمنطقة تتوسط القاهرة القديمة،هذا بالإضافة لوجود منزلين آخرين كان يمتلكهما شخص يدعي "حسن الكاشف" استغلتهما الحملة أيضًا لإقامة اللجنة العلمية.
يعد هذا البيتِ واحداً من القصور الفخمة الباقية التي تم بناؤها للصفوة في هذه المنطقة عرف هذا البيتِ كأحد ثلاثة بيوت التي تمت مصادرتها مِن قِبل الفرنسيين عام 1798 وذلك لإسْكان أعضاء لجنةِ العُلومِ والفنونِ، التي جاءتَ ببعثةِ نابليون العسكرية لعمل دراسة منهجية للبلادِ.
كان إنشاء هذا المجمع العلمي حدثًا تاريخيًّا شهده نابليون بونابرت، وفي الجلسة الأولي له تم انتخاب مونج رئيسًا له.. سميت الحارة المؤدية للبيت علي اسمه وبونابرت نائبًا للرئيس، وفورييه سكرتيرًا، وكان يضم علي غرار المجمع العلمي الفرنسي أربعة أقسام هي: قسم الرياضيات، وقسم الطبيعة، وقسم الاقتصاد السياسي، وقسم الآداب والفنون الجميلة،وكان الباعث علي إقامته سببين،العمل علي تقدم العلوم في مصر، وبحث ودراسة أحداث مصر التاريخية ومرافقها الصناعية، وعواملها الطبيعية، فضلا عن إبداء الرأي حول استشارات قادة الحملة الفرنسية، وهذه الأسباب هي الظاهرة للعيان، ولكن كان الهدف هو دراسة مصر دراسة تفصيلية لبحث كيفية استغلالها لصالح المحتل الفرنسي، ونتج عن هذه الدراسة كتاب "وصف مصر".
ونتيجة لذلك كان لابد وأن يجد الفرنسيون مكانا لهذا المجمع فوقع الاختيار علي منزل إبراهيم السناري وذلك لما يمتاز به المنزل من روعة التصميم وجمال الزخارف، وبمغادرة الفرنسيين مصر العام 1801 توقف نشاط المجمع لانتهاء سبب وجوده،ومما يميز هذه الدار الأثرية عن بقية البيوت الأخري ذات العمارة الإسلامية، استخدام الخشب في بنائها إلي جوار الحجر، من دون أي مواد مساندة،وهذا ما يجعلها نموذجا للبناء السائد في تلك الفترة،ويوجد هناك أيضا ملقف هواء في الناحية اليمني من البيت، هي الفتحة الموجود بالسقف لإدخال هواء رطب، وبالتالي جعل جو الدار مقبولاً أثناء النهار لدي ارتفاع حرارة الجو.
يتضح لنا من خلال قراءة مجمل وثيقة إبراهيم كتخدا السناري (الوثيقة هي ما يعرف الآن بعقد ملكية المنزل وفيها تكتب المساحة والتصميم) أن هذا المنزل قد تمت عملية إنشائه وتطويره علي فترة طويلة استمرت حوالي 10 سنوات حيث تتكون أرض هذا المنزل من عده قطع انتقلت لملك إبراهيم كتخدا بتواريخ زمنية مختلفة وقد قام هو بتجديد بعض العمائر التي كانت موجودة علي بعض هذه القطع كما أزال البعض وأعاد تعمير البعض الآخر بشكل كامل وأتم عملية دمجها مع العمائر الأقدم.
وقد بلغت تكاليف بناء المنزل 17.559 ريال، وهو مبلغ باهظ التكلفة في ذاك الوقت.
جدير بالذكر أنه ليس لهذا المنزل سوي واجهة واحدة تطل علي حارة مونج وهي الشمالية حيث فتح بطرفها الغربي المدخل الرئيسي للمنزل الذي يعلوه مشربية كبيرة من خشب الخرط ويفضي هذا الباب المربع ذو الضلفة الواحدة إلي هذا المنزل عبر مدخل منكسر يفتح عليه باب علي اليمين يفتح علي قاعة أرضية مخصصة للاستقبال وهي ذات سقف من عقود متقاطعة،حيث تم ترميم المنزل أكثر من مرة وبالتالي اختلفت طرق وأدوات وخامات الترميم.
ويضيف منصور أن البيت ظل مسكنًا لمجموعة من علماء وفناني الحملة الفرنسية حتي بعد خروج الحملة من مصر،ومن أشهر الفنانين الذين أقاموا في البيت بعد خروج بونابرت "دوبوراييه مونج" وهو رسام شهير سميت الحارة المؤدية للبيت علي اسمه حتي الآن،ثم خرج مونج وأصدقاؤه من البيت عام 1850 وتوالت علي هذا البيت الكثير من الأحداث حتي تقدم فرنسي آخر يدعي "جلياردو" بمقترح لإقامة متحف لعرض مقتنيات ما تبقي من الحملة الفرنسية علي مصر وسوريا،علي أن يطلق عليه متحف نابليون بونابرت،وهنا عاد بيت السناري لدائرة الضوء مرة أخري حين تمت الموافقة علي هذا الطلب وفي عام 1916 أقام جلياردو بك متحفا باسم بونابرت إلا أن البيت أغلق بعد وفاته وتم إنهاء المتحف وتم إخلاء البيت في أواخر الأربعينيات، ولا أحد يعرف شيئًا عن مقتنيات البيت ولا المتحف.
وفي عام 1910 تم إنشاء لجنة حفظ الآثار العربية التي تعمل وزارة الآثار مكانها اليوم،ووافقت اللجنة علي أن يبقي البيت مستأجرًا كسكن لرجل وأسرته شريطة عدم تغيير أي شيء فيه والحفاظ علي حالته كما هي.
وبعد ثورة يوليو تحولت مجموعة كبيرة من الآثار إلي جمعيات تعاونية ،وهو ما حدث أيضًا لبيت السناري،حيث تحول جزء منه إلي جمعية تعاونية،بينما تحول جزء آخر إلي مشغل للسيدات،وفي فترة الثمانينيات تم تحويل البيت إلي معهد للحرف الأثرية وهي إدارة تابعة لوزارة الآثار مهمتها تنفيذ العناصر الفنية الخشبية الجبسية المفقودة من أي آثار أخري،وظل المعهد لأواخر الثمانينات حتي البدء في مشروع ترميم البيت الذي تقدم به معهد الآثار الشرقية التابع للمركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة.
وقد ظل البيت رهن الترميم لمدة ثمانية أعوام تحت إشراف خبير فرنسي يدعي "برنارد موريه"،بعدها تم فتح البيت كمزار منذ عام 2000 وحتي 2010 حتي استلمته مكتبة الإسكندرية لإعادة استخدام وتوظيف البيت حين تقدمت المكتبة بمقترح لوزارة الثقافة لاستغلال البيت ليكون مركزًا ثقافيًا تابعًا لها بالقاهرة،وتم الاتفاق بحق الاستغلال لمدة عشرة أعوام قابلة للتجديد بمقابل شهري.
ليعود بيت السناري مرة أخري منارة ثقافية وفنية حيث تقام به الندوات والدورات التدريبية والأمسيات الفنية وورش العمل في العديد من المجالات الفنية ليقدم خدمة لأبناء الوطن بشكل عام ولأبناء حي السيدة بشكل خاص.
رحل إبراهيم كتخدا السناري رحيلاً مأساويًا بعد أن عاش حياةً صاخبة،ما بين الفقر والغني،والجهل والعلم،بين العامة والساسة،بين الطيبة والشعوذة والسحر،رحل السناري تاركًا خلفه غموضًا عن ثري عاش بلا زوجة أو أبناء،ومات ولم يعرف له قبر،بينما ظل بيته يحكي المزيد من الحكايات ويخفي داخل جدرانه أكثر مما يظهر،ليموت السناري ويبقي الغموض حول كل شيء في حياته ومماته،وبيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.