فقدت السينما البوليودية وهي الشريان الأقوي بين عشرات المدارس السينمائية في شبه الجزيرة الهندية الكثير من طبيعتها خلال منتصف ثمانينيات ومطلع تسعينيات القرن الماضي، رغم تميزها ولسنوات طويلة، وتحديدا منذ نشأة عالم بوليود في مدينة بومباي التي أصبحت فيما بعد مومباي عام 1932، واستمدت هذه الصناعة قواعدها من جذور تاريخية سابقة عندما بدأت السينما الصامتة في الهند عام 1910، ولكنها وخلال العقد ونصف الأخير استطاعت أن تستعيد الكثير مما فقدت، وعادت سينمات العالم بما فيها هوليود تلهث وراءها.. والفضل في ذلك لمواهب فذة كشاروخان وشركائه. علي الرغم من أن بوليود استمدت اسمها من هوليود باستبدال الحرف الأول الذي يشير لبومباي، ولكنها قدمت للعالم أفلاما ذات طبيعة مختلفة تعبر عن الحضارة الهندية الثرية متعددة الثقافات بصرف النظر عن تحضرها أو تخلفها من وجهة نظر غرب الكرة الأرضية، وشجعهم علي الاستمرار سوق متعطش لمثل هذه النوعية التي مزجت الدراما بالرقص والغناء بتكوين لا يشبه غيره، ومع تطورها حافظت السينما الهندية بكافة مدارسها علي هذا البناء حتي منتصف الثمانينيات؛ والذي انحرف فيه المنتجون بحثا عن الربح فقط، وذهبوا ينقلون تجارب هوليود بعيوبها، بداية من الأفكار والموضوعات وصولا إلي أساليب الإخراج الفني، فبدت إنتاجات بوليود صورة باهتة مما يقدم في هوليود. استنفر كبار المنتجين وعادوا إلي السوق السينمائي الهندي مجددا، وغايتهم تقديم إنتاج يعبر عن تاريخ بوليود ولكن في ثوب متطور من ناحية، وإعداد كوادر تدرك قيمة هذه المنظومة من ناحية أخري، واعتمدوا في ذلك علي مجموعة من المواهب في مختلف العناصر وخاصة التمثيلية التي تصنع الفارق بصرف النظر عن مدي جودة الصورة المقدمة للجمهور، ومن هؤلاء شاروخان ، عامر خان، أجاي ديفجان، ثم سيف علي خان، أكشاي كومار، كاجول، ومادهوري ديكست في فترة لاحقة. وعام بعد عاما تولي قيادة الحركة السينمائية في بوليود جيلٌ أطلق عليه "الصناع الجدد" من منتجين ومخرجين، اهتموا كثيرا بالمزج بين الدراسات الأكاديمية والتجارب العملية، وهو ما قادهم إلي رؤية مختلفة مفادها أن التأثير البصري أكثر أهمية من فكرة العمل وموضوعه، وإن كان هذا لا يعني إهمال هذا الجانب، ولكنه دفعهم إلي التركيز بشكل أكبر علي جماليات الصورة المقدمة للجمهور وكأنها الغلاف الخارجي للهدية التي يقدمها صناع العمل للجمهور. ولأن الشيء بالشيء يذكر، فهذه الرؤية سبقهم إليها الكاتب والسيناريست المصري الراحل أسامة أنور عكاشة عندما أكد أن غالبية الأعمال الدرامية التي قدمت من قبل واللاحقة لها ستدور جميعها في فلك 35 فكرة فقط، وبالتالي فهناك عوامل أخري يجب علي صناع الدراما الاعتناء بها لجذب الجمهور في تلك المنافسة الشرسة متعددة اللغات. تجلي هذا التطور الهوليودي وهذه الرؤية التي ترتكز علي الرؤية البصرية في أحدث ما قدم ملك بوليود "شاروخان" بفيلم "ديلوالي"، في ثاني تعاون بينه وبين المؤلف والمخرج بعد فيلمه الناجح السابق "تشيناي إكسبريس"، وتمثلت الإضافة في الجوانب الحسية التي ربما يمثل هذا الفيلم مبادرة ليسير الآخرون علي نهجها مستقبلا، وهو أمر صعب للغاية أن تستطيع المزج بين الحس والبصر في لغة واحدة لتظل درجة انجذاب الجمهور للعمل متواصلة خلال زمن عرض الفيلم والذي يتجاوز المائة وستين دقيقة. إضافة إلي ما بات يجيده الهنود بشدة واحترافية في مختلف أفلامهم الحديثة وتمثل في اختيار الممثلين؛ فمن زاوية يتناسب كل منهم علي حدة مع الشخصية التي سيؤديها إلي حد التطابق، والتعامل مع جميع الشخصيات الرئيسية سواء كان دور أول أو ثان أو ثالث علي نفس الدرجة من الأهمية، ويختص بكل منهم فرد من مجموعة العمل يتولي تدريبه، ومن ناحية أخري ووفقا لرؤية علمية ومن واقع التجارب السابقة مع مختلف الممثلين يتم اختيار من لديهم إمكانية التوافق مع بعضهم البعض في أقل وقت ممكن، لأن صناعة الفيلم الهندي البوليودي ذي المستوي الأول لا يجب أن يتعدي إلا في حالات خاصة الخمسة أشهر. وبعيدا عن الفيلم وماهيته؛ فإن الحديث عن شاروخان كمنظومة سينمائية في حد ذاته يحتاج قراءة أكثر عمقا، فرغم ما بلغ من مكانة في نمو لا يتوقف، ولكنه من أكثر النجوم الذين يتعرضون للنقد في السنوات العشر الأخيرة علي الأقل، ورغم هذا لم يهتز وبدا واثقا معتمدا علي تحليل