عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، شهد العالم سلسلة من المؤتمرات الدولية التي أرست ملامح النظام الدولي الجديد، فقد تم تأسيس الأممالمتحدة عام 1945 عبر مؤتمر سان فرانسيسكو، بينما سبق ذلك مؤتمر بريتون وودز عام 1944، الذي وضع أسس النظام المالي العالمي، وقام على ربط العملات بالدولار، مع التزام الولاياتالمتحدة بتحويل الدولار إلى ذهب بسعر ثابت، وهو ما أضفى قدرا من الاستقرار للعملات الوطنية نظرا لارتباطها بمعيار خارجي يمنحها غطاء نسبيا من الحماية. إلا أن هذا التوازن لم يستمر طويلا، فمع صدمة نيكسون في أوائل السبعينيات، ألغيت قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، لتدخل العملات مرحلة جديدة من التعويم، حيث لم تعد قيمتها تستند إلى غطاء ثابت، بل إلى قوة الاقتصاد والثقة في قدرته، لتتحرك العملات الأخرى في نطاقات متفاوتة الصعود والهبوط وفقاً لقوى العرض والطلب، بينما بات الدولار نفسه يستمد قوته ذاتيا انطلاقا من قوة الاقتصاد الأمريكي نفسه. التحول سالف الذكر، فلم يكن ماليا فحسب ولكنه كان انعكاسا عميقا في فلسفة النظام الدولي ومنطق ادارته، من البحث عن معايير ثابتة توفر مظلة من الاستقرار نحو الاعتماد على القدرة الفعلية والوزن النسبي داخل عالم متشابك، بينما امتدت تلك التحولات في اللحظة الراهنة لتتجاوز قيمة العملة او حجم التجارة إلى أبعاد أكثر عمقا، تتجلى في مفهوم السيادة نفسه، باعتباره جوهر السلطة التي تمارسها الدولة على إقليمها وعلاقاتها الدولية، في إطار المرحلة الجديدة، والتي أسميتها في مقالات سابقة ب"GAPS" او " Global Architecture for Policy Sovereignty " والتي تعني (الهندسة العالمية لسيادة السياسات). ولعل طبيعة التغيير التي يشهده النظام الدولي في اللحظة الراهنة تثير التساؤل حول ما إذا كان العالم بصدد حقبة جديدة من التعويم، تنتقل فيها من العملة إلى السيادة نفسها، في ضوء العديد من المعطيات، أهمها التراجع الكبير في القانون الدولي مقابل القوة الفعلية او بالأحرى ما تحظى به الدولة من ثقل بنيوي داخل النظام الجديد. فلو اعتبرنا ان القانون الدولي يضاهي الذهب في النظام المالي القديم، باعتباره ضمانة نظرية للدولة، للحصول على حقوق وواجبات متساوية مع أقرانها من أفراد المجتمع الدولي على أساس "المواطنة الدولية"، بمجرد الحصول على اعتراف قانوني، فان التحولات الراهنة تبدو وكأنها تنقل مركز الثقل من الاعتراف القانوني إلى الوزن الفعلي، بحيث لا يصبح الاعتراف وحده كافيا، بل تتحدد مكانة الدولة بقدرتها على التأثير، وبما تمتلكه من أدوات اقتصادية وتكنولوجية وأمنية داخل شبكة مترابطة ومعقدة من العلاقات الدولية. وهنا لم تعد السيادة قيمة ثابتة تتحقق بالحصول على اعتراف من عدة دول، ويمنحها عضوية الأممالمتحدة، ولكنها اصبحت المقابل للعملة، التي تتغير قيمتها صعودا وهبوطا، بالقدر الذي يمكنها من خلاله التأثير داخل الشبكة الدولية، وبذلك ينقسم المفهوم إلى مستويين، أولهما قانوني، تستمده الدول من الاعتراف القانوني به، وتصبح من خلاله عضوا في ميثاق الأممالمتحدة، والثاني بنيوي، وتستمده من وزنها وتاثيرها، وبالتالي فهي قابلة للتأرجح او بالأحرى معومة، تخضع في جوهرها لما تمتلكه من أدوات تاثير ونفوذ وبنية سياسية وتحتية وتكنولوجية قادرة على الانغماس بفاعلية في العالم الجديد. والملاحظ في المستوى الثاني أنه لا يخضع إلى قوانين مكتوبة او مواثيق، وهو ما يتماهي مع طبيعة ال" GAPS " والذي سبق وان تناولنا الكيفية التي يستمد بها شرعيته من الواقع الدولي الراهن، دون الحاجة إلى اتفاق موقع على غرار حقبتي ال"GATT" وال"GATS". وإذا كانت السيادة أصبحت معومة، فإنها لا تنعكس فقط على موقع الدولة داخل النظام العالمي، ولكن يبقى انعكاسها ممتدا على الهياكل الدولية التي تتشكل على إثرها، فالمنظمات الدولية في صورتها الكلاسيكية تبنت مبدأ المساواة القانونية بين الاعضاء حتى وان اختلفت أوزانهم الفعلية، بينما تتشكل في اللحظة الراهنة هياكل جديدة، تتسم بنفس سمات ال"GAPS"، تتراوح بين الانتقائية والمشروطية، ولا تقوم على مواثيق مكتوبة يمنحها الشرعية، ولكنها تعكس توازنات القوة بين اعضائها، فالعضوية لم تعد حقا تحصل عليه الدولة لمجرد الاعتراف القانوني بها، ولكنها في واقع الأمر امتدادا لوزنها وثقلها، ليصبح العالم امام كيانات اكثر مرونة واكتر ارتباطاً بالقوة الفعلية على الارض، وهو ما يبدو في أطر دولية ناشئة ذات عضوية انتقائية ومرونة تنظيمية، لا تستند إلى مواثيق جامعة بقدر ما تعكس موازين القوة بين أطرافها، بما يؤكد أن المؤسسية نفسها باتت خاضعة لمنطق الوزن لا لمنطق المساواة الشكلية. وهنا يمكننا القول بأنه إذا كان النظام المالي قد شهد انتقالا من غطاء ذهبي يمنح الاستقرار إلى تعويم يعكس القوة الاقتصادية الفعلية، فإن النظام الدولي يبدو اليوم بصدد انتقال مشابه، تنتقل فيه السيادة من مظلة الاعتراف القانوني إلى منطق الوزن البنيوي، حيث لم تعد الدولة متساوية بحكم النص، بل تتحدد مكانتها بقدرتها على التأثير داخل شبكة عالمية أكثر تعقيدا وأقل اعتمادا على الضمانات الشكلية وهو ما يعني ان السيادة تدخل مرحلة جديدة تقاس فيها قيمتها بميزان القوة لا بضمانات المواثيق المكتوبة.