فجر خطاب ألقاه رئيس وزراء كندا، مارك كارني في منتدى دافوس الاقتصادي نقاشًا واسعًا داخل الدوائر الغربية حول ما وصفه بتآكل "النظام العالمي القائم على القواعد"، في اعتراف صريح من قلب النخبة التي أدارت هذا النظام لعقود. وبحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، فإن هذا الاعتراف لا يمثل اكتشافًا جديدًا لبقية العالم، بقدر ما يعكس صحوة متأخرة من داخل المؤسسات الغربية نفسها، بعدما أصبحت الأزمات الجيوسياسية، من غزة إلى أوكرانيا، ومن حروب التجارة إلى طموحات واشنطن الإقليمية، كاشفة لتفكك القواعد التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة. اقرأ أيضًا| العالم ناقص واحد.. كيف يدير المجتمع الدولي النظام العالمي في ظل واشنطن المتمردة؟ وترى الصحيفة أن ما يحدث اليوم لا يقتصر على تراجع نفوذ بعض المؤسسات الدولية، ويشير إلى أزمة بنيوية أعمق، تمس الأسس التي قام عليها النظام الليبرالي الغربي، بما في ذلك ادعاءات الحياد، واحترام القانون الدولي، والتوازن بين القوة والقيم، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا نحو «هل نخبة دافوس مستعدة فعلاً لتفكيك النظام الذي صنعته، أم أنها تحاول فقط ترميمه بخطابات جديدة؟». اعتراف متأخر بنهاية "النظام القائم على القواعد" كشفت «الجارديان»، أن خطاب رئيس وزراء كندا، مارك كارني، في دافوس كان أول إقرار علني واضح من مسؤول غربي رفيع بأن النظام القائم على القواعد يمر بمرحلة "تلاشي" وانقطاع لا رجعة فيه. ورغم أن هذا الطرح بدا صادمًا داخل أروقة دافوس ومجموعة السبع وحلف الناتو، فإن كثيرًا من الدول خارج هذا الإطار ترى أن هذا النظام انهار عمليًا منذ سنوات، مع تصاعد التدخلات العسكرية، وازدواجية المعايير، وتراجع الالتزام الفعلي بالقانون الدولي. البنية الهيكلية للنظام: مؤسسات لضبط القوة لا لتحقيق العدالة أوضحت الصحيفة أن النظام القديم استند إلى عنصر هيكلي يتمثل في اتفاق بين القوى الكبرى على إنشاء آليات وبروتوكولات تهدف إلى احتواء الحروب، وضمان الاستقرار السياسي، وحماية المصالح الاقتصادية المشتركة. وتتمثل هذه الطبقة المؤسسية في كيانات مثل الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، وهي مؤسسات صُممت لضبط التنافس بين الكبار، أكثر من كونها أدوات لتحقيق عدالة عالمية متكافئة. المعايير والسلوكيات.. «التزامات لم تُحترم دائمًا» أما الطبقة الثانية، وفق التقرير، فكانت قائمة على معايير سلوكية غير مكتوبة، من بينها الامتناع عن السياسات الحمائية العدوانية، وعدم السعي لضم أراضي الغير، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. غير أن هذه المعايير تآكلت تدريجيًا مع تصاعد النزعات القومية، وعودة سياسات القوة، وفرض العقوبات الاقتصادية، واستخدام التجارة كسلاح سياسي. الغطاء الأيديولوجي: الليبرالية كواجهة أخلاقية تمثلت الطبقة الثالثة في الرابط الأيديولوجي، الذي قدّم النظام باعتباره قائمًا على مبادئ ليبرالية عالمية، مثل حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير، وقدسية الحريات الفردية. لكن «الجارديان» تشير إلى أن هذا الغطاء الأخلاقي كان في كثير من الأحيان وسيلة لتجميل نظام قائم في جوهره على موازين القوة، وليس على القيم. اقرأ أيضًا| أوروبا تراجع علاقتها التجارية مع واشنطن تحت ضغط تهديدات ترامب| ما القصة؟ وهم الحياد والهيمنة الأمريكية المقنّعة وصفت الصحيفة ما أسماه كارني ب"الوهم المُرضي"، وهو الادعاء بأن النظام لم يكن قائمًا أساسًا على الهيمنة الأمريكية. فبينما انتهكت الولاياتالمتحدة وحلفاؤها القانون الدولي مرارًا، تم تقديم هذه الانتهاكات باعتبارها ضرورات لحماية النظام العالمي نفسه، في إطار خطاب أخلاقي يبرر استخدام القوة باسم الاستقرار والأمن العالمي. غزة.. اللحظة التي سقط فيها القناع بالكامل بحسب «الجارديان»، مثلت حرب غزة لحظة فاصلة، حيث انهارت آخر بقايا الوهم بأن النظام قائم على مبادئ أخلاقية عالمية. فحجم القتل والآلة الإسرائيلية، وانتهاك القوانين الدولية، ومنع الغذاء والدواء في القطاع، كشف أن القواعد تُطبق بشكل انتقائي، وأن القيم الليبرالية لا تشمل الجميع، وتُستخدم وفق اعتبارات التحالف والمصالح. وأشارت الصحيفة إلى أن تقديم السلاح والغطاء الدبلوماسي لإسرائيل جعل حلفاءها شركاء فعليين في الانتهاكات، وليسوا مجرد متفرجين. وهو ما كشف أن النظام لا يتسامح مع الانتهاكات فحسب، وإنما يشارك فيها عندما تتعلق بحلفاء استراتيجيين، ما يعمّق أزمة المصداقية. صدام مع المؤسسات الدولية أدت تداعيات غزة إلى صدام غير مسبوق بين بعض الحكومات الغربية ومؤسسات دولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، حيث رفضت بعض الدول احترام قراراتها، بل وفرضت الولاياتالمتحدة عقوبات عليها. وهو ما كشف أن هذه المؤسسات تعمل فقط عندما لا تتعارض قراراتها مع مصالح القوى الكبرى. وأوضحت «الجارديان» أن المرحلة الأخيرة من تفكك النظام تمثلت في تحول بعض مكوناته نفسها إلى أهداف مباشرة للهيمنة الأمريكية، كما ظهر في طموحات ترامب تجاه جزيرة جرينلاند، وازدرائه للحلفاء الأوروبيين، وتصعيده للحروب التجارية. وهنا لم تعد المؤسسات أدوات لخدمة الهيمنة، بل أصبحت هي نفسها موضع ضغط وإعادة تشكيل. صحوة دافوس.. "متأخرة ومشروطة" ترى الصحيفة أن اعتراف مارك كارني لقي ترحيبًا، لكنه جاء متأخرًا، وبعد أن وصلت آثار التفكك إلى قلب الدول الغربية نفسها. وتشير إلى أن دولًا كثيرة خارج الغرب عاشت آثار هذا النظام غير العادل منذ عقود، لكنها لم تحظَ باعتراف أو تعاطف مماثل. خلصت «الجارديان» إلى أن الحلول المطروحة حاليًا، مثل بناء تكتلات جديدة، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتقليل الاعتماد على الولاياتالمتحدة، قد تعيد إنتاج النظام القديم بأدوات مختلفة، بدل تفكيكه فعليًا. والسؤال الحقيقي، وفق الصحيفة، ليس ما الذي سيُبنى بدل النظام القديم، بل إلى أي مدى ما زالت نخبة الغرب أسيرة للقيم والهياكل التي صنعت هذا النظام، حتى وهي تعلن نهايته. اقرأ أيضًا| خبراء السياسة الخارجية يحذرون من بؤر تهدد الاستقرار العالمي خلال 2026