حتى اللحظات الأخيرة كان الرئيس الأمريكى «ترامب» يؤكد من على الطائرة البديلة التى حملته إلى «دافوس» بعد تعطل طائرته الرئاسية على موقفه المتشدد فى قضية «جرينلاند» وإصراره على الاستيلاء عليها وترك الباب مفتوحاً أمام الخيار العسكرى لتحقيق ذلك، بعد الوصول إلى «دافوس» وتأكده من جدية أوروبا فى موقفها المساند للدنمارك والرافض للتخلى عن «جرينلاند» تغير موقف ترامب وأعلن استبعاد استخدام القوة العسكرية فى هذا الخلاف، كما أعلن أنه لن يفرض الرسوم الجمركية على الدول التى تعارض موقفه فى «جرينلاند» كما سبق أن أعلن قبل أيام!! هكذا نجت هذه الدورة من منتدى «دافوس» من أن تكون الدورة التى ينفجر فيها الخلاف بين حلفاء الأمس وتستخرج فيه شهادة الوفاة الرسمية لحلف «الناتو»، لا يعنى ذلك بالطبع أن الخلافات قد انتهت أو أن الصدع الذى أصاب علاقة «التحالف التاريخي» بين أمريكا وأوروبا قد تم علاجه.. لكنه يعنى -على الأقل- أن ساعة النهاية لم تحن بعد، وربما تعنى عند بعض المتفائلين أنه مازالت هناك فرصة للمراجعة على ضوء الحقائق الأهم التى برزت فى لقاء «دافوس» هذا العام والتى تشير إلى أزمة شاملة لنظام عالمى يتم تقويض مؤسساته بينما البديل ما زال ميلاده يتعثر، والطريق إليه مازال مليئاً بتحديات صعبة وحروب لم تحسم بعد!! خطاب رئيس وزراء كندا «مارك كارنى» كان كاشفاً لعمق أزمة النظام العالمى الذى ساد العالم منذ الحرب العالمية الثانية والذى يرى أنه لم يعد فاعلاً. قال الرجل الذى يقود إحدى أكبر الدول الصناعية الثرية فى العالم إن قصة النظام العالمى القائم على القواعد كانت طوال الوقت «زائفة جزئياً» وأن الأقوياء كانوا يستثنون أنفسهم من هذه القواعد حينما يكون ذلك ملائما لهم، وأن القانون الدولى كان يطبق بمعايير متفاوتة طبقاً لهوية المتهم أو الضحية، المختلف الآن أن العالم يمر بمرحلة قطبية مع كل ذلك وليس بمرحلة انتقالية، فى الفترة الأخيرة يرى «كارنى» أن القوى العظمى استخدمت التكامل الاقتصادى سلاحاً، والتعريفات الجمركية أوراق ضغط.. والعالم يتجه نحو نظام يقوم على الإكراه الاقتصادى، والقوى العظمى ستلتهم الدول المتوسطة القوة التى ينبغى عليها التكاتف والتعاون فيما بينها لتجد لها مكاناً فى عالم مختلف. إنذار «كارنى» وهو بالمناسبة ليس سياسياً شعبوياً بل رجل اقتصاد عالمى قاد البنك المركزى فى كندا ثم فى انجلترا لسنوات عديدة قبل أن يصل لحكم كندا لم يكن الإنذار الوحيد أمام «دافوس» كانت هناك إنذارات عديدة بأن كل المؤسسات الكبرى فى النظام العالمى شبه مشلولة.. بدءا من منظمة التجارة العالمية وحتى الأممالمتحدة نفسها.. الأخطر أن هذه الإنذارات تقاطعت مع إنذارات من نوع آخر كما فى تقرير منظمة «أوكسفام» السنوى الذى صدر بالتزامن مع انعقاد «دافوس» والذى أكد أن ثروة مليارديرات العالم ارتفعت فى العام الماضى 16٪ لتضيف إلى ثرواتهم 2.5 تريليون دولار بينما يكافح ربع سكان العالم من أجل تناول الطعام بانتظام (!!). ومع تقرير «أوكسفام» كان 400 مليونير وملياردير من أنحاء العالم يبعثون برسالة مفتوحة إلى «دافوس» يدعون فيها إلى زيادة الضرائب على فاحشى الثراء، ويحذرون من خطورة تركيز الثروة فى يد حفنة قليلة تسيطر على كل المؤسسات السياسية والاقتصادية والاعلامية، وتضع مستقبل العالم أمام أفدح المخاطر.. ومع رسالة المليارديرات كانت هناك نتائج استطلاع رأى فى أغنى دول الغرب «مجموعة العشرين» تظهر أن 60٪ يقولون ان تركيز الثروات يهدد الديمقراطية والسلم الاجتماعى. ربما يكون الشىء «الإيجابى» الأساسى هنا هو الوعى المتزايد بأزمة النظام العالمى وبمخاطر سيطرة منطق القوة على قوة القانون. لم تعد دائرة الخطر مقصورة على الاضعف بل اتسعت لتشمل الجميع، صراع القوة ينتهى عادة إلى تقسيم النفوذ والسيطرة بين القوة الكبرى، وإلى تقسيم المجتمعات إلى قلة فاحشة الثراء وأغلبية تبحث عن أقل درجات الأمان. أزمة النظام العالمى لن تحل بإحياء عصور الاستعمار القديم ولا بالقوة المنفلتة من حكم القانون، وإنما بنظام جديد أكثر عدلاً واحتراماً لحقوق كل البشر فى فرص متساوية للحياة الكريمة فى أوطان حرة ومستقلة.. ولا بديل آخر إلا الفوضى التى يتوهم الأغبياء فقط أنها سوف تكون لصالحهم!