فى اللحظة التى تحدّث فيها الرئيس عبد الفتاح السيسى عن "إعادة بناء الإنسان المصري"، لم تكن الكلمات عابرة ولا مجرد شعار سياسى يُقال ثم يُنسى.. هذه الجملة بدت لبعض الناس بسيطة ومباشرة، لكنها فى الحقيقة تحمل مشروعًا كاملًا يتجاوز حدود الحاضر، ويتعامل مع التاريخ كدرس، ومع المستقبل كمسؤولية لا تقبل التأجيل. على الرغم من أن كثيرين اختزلوا الفكرة فى بعدها الاجتماعى، معتبرين أن المقصود هو تهذيب السلوك وتجميل المظهر العام، فإن القراءة المتأنية تُظهر أن الأمر أعمق بكثير، وأننا أمام رؤية تحاول إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع والإنسان نفسه. إذا نظرنا إلى الواقع المصرى خلال العقود الماضية سنجد أن الخلل لم يكن اقتصاديًا فقط أو سياسيًا فقط، بل كان خللًا فى منظومة القيم، فى الإحساس بالمسؤولية، فى مكانة العمل، وفى مفهوم الدولة.. نشأت طبقات شعرت بأنها خارج اللعبة تمامًا، وتآكلت الطبقة الوسطى التى تعد عادة العمود الفقرى لأى مجتمع، وظهرت أنماط من الثراء السريع والنجاح الزائف، يقابلها شعور بالظلم والإقصاء لدى قطاعات واسعة. هذه الاختلالات تركت آثارًا مباشرة على الإنتاج والأمن والحالة العامة للبلد، وخلقت حالة من الارتباك فى الوعى الجمعي. لذلك بدا واضحًا أن إعادة بناء الاقتصاد أو البنية الأساسية وحدها لا تكفى إن لم تترافق مع إعادة بناء الإنسان الذى سيتعامل مع هذه المنجزات. فى جوهر الفكرة، إعادة بناء الإنسان المصرى تعنى استعادة الثقة بالنفس، وتأكيد الهوية، وربط المواطن بجذوره، ليس من باب التفاخر بالماضى، بل من باب استلهام قيمه، الانضباط، الإبداع، احترام العلم، وقدسية العمل.. نحن أبناء حضارة من أقدم الحضارات التى علّمت العالم الإدارة والعمارة والطب والهندسة، لكننا فى لحظة ما سمحنا لغزو ثقافى وفكرى متدرج أن يقتحم وعينا، يضعف علاقتنا بتراثنا، ويعطينا نماذج مستوردة للنجاح والسعادة والقيمة الإنسانية. لم يعد المعيار هو الكفاءة، بل الشهرة؛ لم تعد القدوة هى العالم والمعلم والطبيب والمهندس، بل المؤثر العابر الذى يصنع ضجيجًا ولا يقدم قيمة. هذه التحولات لم تأتِ بمحض الصدفة. العالم من حولنا يعيش اليوم نمطًا جديدًا من الصراعات، تُسمى حروب الجيل الخامس، حيث تتحول العقول إلى ساحات معركة.. لا تحتاج القوى المنافسة إلى جيوش تقاتل على الأرض، يكفى أن تبث رسائل مشوشة، وصورًا مختارة بعناية، ومحتوى ترفيهيًا سطحيًا يقتل الطموح ويهز الثقة ويزرع الشك فى كل شيء. التكنولوجيا هنا ليست مجرد أدوات، بل منصات لإعادة تشكيل الوعى وإضعاف المناعة الثقافية.. ومصر، بما لها من وزن وتاريخ وموقع، بطبيعة الحال هدف لأى مشروع يريد تفكيك المنطقة أو إعادة رسم خرائطها. من هنا يمكن فهم لماذا قرأت القيادة المصرية المشهد مبكرًا، ولماذا طُرح ملف الإنسان بهذه القوة، فالإنسان الواعى بهويته، المطمئن إلى مكانته فى وطنه، المدرك للفارق بين النقد الهادف والهدم الفوضوى، هو خط الدفاع الأول عن الدولة.. ليس المقصود إنسانًا مؤدلجًا أو منغلقًا، بل إنسانًا قادرًا على التساؤل دون أن يفقد انتماءه، وعلى الاختلاف دون أن يتحول إلى خصومة، وعلى الانفتاح دون أن يذوب. فى هذا السياق جاءت المبادرات الكبرى فى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وتطوير البنية الأساسية، ليس باعتبارها مشروعات خدمية فقط، بل كجزء من محاولة لإعادة الاعتبار للإنسان، علاجه، تعليمه، حمايته، وتمكينه.. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تظل نصف الطريق. النصف الآخر يتعلق ببناء وعى ثقافى وفكرى جديد يمنح المجتمع بوصلة أخلاقية ومعرفية تقوده وسط عالم مضطرب. يكفى أن ننظر إلى ما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعى لندرك حجم التحدي.. ساعات طويلة يقضيها الشباب أمام محتوى غالبًا ما يروّج للعنف، والابتذال، وتعاطى المخدرات، والتهكم على القانون، وتكسير هيبة أى قيمة راسخة.. تتحول التفاهة إلى نجومية، وتصبح الجريمة مادة للضحك، وتُختزل قضايا الوطن فى سخرية سطحية، ومع الوقت، يتسلل الإحباط، وتضعف الثقة فى المؤسسات، ويبدو كل شيء بلا معنى. إنها حرب بلا رصاص، لكن نتائجها قد تكون أكثر تدميرًا من أى معركة تقليدية، ومن هنا تتبدى أهمية أن تتحرك الدولة والمجتمع معًا لوضع مشروع متكامل لبناء الوعى، يقوم على الإعلام المسؤول، والتعليم الحديث، والفنون الراقية، والثقافة الحية التى تحاور ولا تُملي. المطلوب ليس خطابًا دعائيًا، بل سردية وطنية جديدة تُصارح الناس، تعترف بالمشكلات بدل إنكارها، وتقدم حلولًا واقعية بدل الشعارات، وتعيد الاعتبار لفكرة "الصالح العام" التى تراجعت أمام الفردية المتوحشة. النقد هنا يصبح واجبًا لا ترفًا، لكنه نقد يحب البلد، ويخشى عليه، ويبحث عن الإصلاح لا عن الهدم، فحين نتحدث عن الأخطاء الإدارية، أو عن القصور فى الخدمات، أو عن فجوات العدالة، فنحن نفعل ذلك لأن مشروع إعادة بناء الإنسان لا ينجح فى بيئة ظالمة أو مرتبكة.. الإنسان يحتاج إلى قدوة يثق بها، وإلى مؤسسات تحترمه، وإلى قوانين تُطبَّق على الجميع بلا استثناء. وإلا فإن أى خطاب أخلاقى أو توعوى سيتحوّل إلى مجرد كلمات لا تجد طريقها إلى الواقع. إن إعادة بناء الإنسان المصرى تعنى كذلك إعادة الاعتبار للذوق العام، طريقة حديثنا، تعاملنا فى الشارع، نظافتنا، التزامنا بالقانون، احترامنا للوقت، وغير ذلك من التفاصيل الصغيرة التى تصنع فى مجموعها صورة المجتمع. ليست القضية أن نمنع الناس من الفرح أو الترفيه، ولكن أن نمنحهم نماذج أجمل وأرقى، تجعل الفن والثقافة أدوات لرفع الوعى لا لتخديره. وفى قلب كل ذلك تأتى الأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة والجامعة والإعلام كحلقات متصلة.. إذا أدى كل طرف دوره، نشأ جيل يعرف من هو، ولماذا يعيش، وما الذى يُطلب منه تجاه وطنه، وإذا غاب أى طرف، اتسعت الفجوة، ووجدت الرسائل السلبية طريقها بسهولة أكبر. هذا ما يجعل الرؤية المطروحة تتجاوز اللحظة؛ فهى لا تتعامل مع حدث عابر، بل مع معركة طويلة على المستقبل. ربما يظن البعض أن الحديث عن الغزو الفكرى أو حروب الوعى نوع من المبالغة أو نظرية المؤامرة، لكن السؤال البسيط، هل يمكن لدولة تريد التقدم أن تسمح باختطاف عقول شبابها بواسطة محتوى رخيص بلا ضمير؟ وهل يمكن لبلد بحجم مصر أن يخوض سباق التنمية بينما جزء كبير من طاقته مهدَر فى العبث، أو فى الصراع على أوهام؟ الحقيقة أن تجاهل الخطر أكبر من الاعتراف به، وأن الوعى — مهما بدا شعارًا — هو فى النهاية شرط لأى نهضة حقيقية. إن رؤية الرئيس السيسى لإعادة بناء الإنسان المصرى ليست معصومة من النقد، وليست مكتملة بطبيعتها؛ فهى مشروع مفتوح يحتاج إلى تطوير دائم، وإلى مشاركة المجتمع المدنى، والمثقفين، ورجال الدين، والقطاع الخاص، لكنها فى الوقت ذاته تطرح سؤالًا جوهريًا: أى إنسان نريد لمصر خلال العقود المقبلة؟ هل هو إنسان مُستهلك، منغلق على ذاته، يدور فى فلك التفاهة، أم إنسان منتج، معتز بهويته، قادر على التفكير، مستعد لتحمل المسؤولية؟ الإجابة على هذا السؤال لا تُكتب فى الخطب، بل تُبنى فى البيوت والمدارس والجامعات والشوارع، وكلما اقتربت الدولة من الناس، واستمع المسؤول إلى نبض الشارع، ووجد المواطن أثرًا حقيقيًا فى حياته اليومية، أصبح هذا المشروع أكثر قابلية للحياة. فى النهاية، إعادة بناء الإنسان المصرى ليست مهمة الحكومة وحدها، وليست مسؤولية الرئيس وحده، بل مسؤولية مجتمع بكامله، لكنها فى الوقت ذاته مؤشر على أن الدولة تدرك طبيعة المرحلة، وتفهم أن المعركة الكبرى لم تعد فقط على الحدود، بل فى داخل العقول والقلوب. وإذا نجحنا فى أن نعيد للإنسان المصرى ثقته بنفسه، وإيمانه بدوره، واحترامه لذاته وقانونه ووطنه، فإننا نكون قد وضعنا الأساس الحقيقى لأى تنمية أو قوة أو مكانة، أما إذا اعتبرنا الأمر مجرد ترف أو تسلية، فسندرك — ولكن بعد فوات الأوان — أن الهزائم الكبرى تبدأ دائمًا بهزيمة الوعى قبل أى شيء آخر.