تمر علينا المناسبات بمختلف تنوعاتها؛ لتعبر عن صورة الوجدان المصري؛ حيث دلالة الوحدة، والاتحاد، وتبادل المشاعر النبيلة، التي ترصدها المعايدة، والتبريكات، عبر التفاعلات، التي تؤكد قوة الرباط، والمحبة، وفي هذا الإطار يؤكد شعبنا العظيم على ثوابت نابعة من قيم مشتركة، تدور حول الولاء، والانتماء المبرهن عنه في كل ما مر به المجتمع الأصيل من أزمات، وتحديات؛ حيث سطرت صفحات التاريخ ملاحم الإرادة الجماعية، والفلسفة، التي ساعدت في استقرار الوطن المتمخضة عن صبر، ومرونة، وتعاون، ومثابرة، ونوايا صادقة، قد اجتمعت على نيل الحرية. احتفالات المصريين ليست مجرد طقوس، نرى فيها ممارسات بعينها؛ لكنها في واقع الأمر تشير إلى رسائل، تتجاوز سياج المعتقد إلى رحابة المحبة، والانتماء إلى تراب هذا الوطن؛ فأصبحت بمثابة تعزيز الوعي المجتمعي تجاه حماية، وصون، وتنمية مقدّرات البلاد، وهذا يؤكد غاية رئيسة، قد أفصح عنها دستور البلاد؛ حيث ترسيخ الهوية، عبر شراكة البناء، ودعم أطر، ومسارات، تحقق استدامة تنموية في كافة المجالات؛ ومن ثم فقد أضحت المناسبات الوطنية أدوات فاعلة؛ لدعم لُّحْمة شعب، يقطن البلد الأمين. التاريخين الهجري، والميلادي يعبران عن قيم تأسيس كيان الديار؛ إذ يحملان عبر بوابات الزمن قيمًا، وفضائل، وشمائل تسهم في بناء إنسان، يمتلك الوعي، ويدرك ماهية الدولة؛ فيعمل دومًا وفق منظومة التكافل المحاطة بسياج الرحمة؛ ومن ثم يرصد القاصي، والداني، والعدو، والصديق قوة نسيج هذا الشعب، من خلال مواقف، أفصحت عنها حضارة القدماء، وصدقت عليها كتب السماء وترجمتها ممارسات إنسانية على أرض السَّلام بلغة واحدة، تجدد العهد، والوعد في كل مناسبة تمر عليها؛ حيث شعار جامع فحواه: الوطن فوق الجميع. قيم المواطنة نراها تتجلي في صورة احتفاء المصريين بميلاد السيد المسيح - عليه السلام-؛ إذ تعبر التهنئة عن مشاركة وجدانية، تعظم من قيمة السلام، وتعمق أطر التواصل، وتؤكد على الشراكة، وتدل على وحدة الصف، وتبرهن عن مساواة بين شعب يعشق الأمن، والأمان، ويهرول دومًا إلى واحات الاستقرار في كافة ربوع المحروسة، ونشير إلى أن تلك الممارسات الحميدة، تعد أداة ردع لكل من يحاول النيل من نسيج الوطنية المصرية، وكل من يبتغي إثارة الفُرْقة، وإشاعة الفوضى، عبر بوابة الفتن الطائفية القميئة. من الاحتفاء بالهجرة إلى الميلاد، نبحر في ضمير الأمة المصرية، فلا نجد إلا التضحية، من أجل الوطن، ولا نقرأ إلا الاتحاد؛ بُغية بناء الدولة، ولا نرصد إلا قصصا، دالة على التمسك بقيم الرحمة، والإحسان، والبر بين كافة أطياف المجتمع المصري، عبر تاريخه المجيد، المفعم بالممارسات المنبثقة من شمائل، وفضائل، يرقُّ لها الوجدان، وتدمع لها العيون؛ لذا أرى أن المصريين، لا يقبلون بطبيعتهم صور العنف، والتطرف، ولا يسمحون بممارسة كل فعل، يرهب الإنسان، أو يكدر صفوه؛ ومن ثم فإنهم يحاربون أصحاب الفكر المشوب بكافة الطرائق التي سمحت بها الشرائع السَّماوية. أمجاد المصريين، ورمزية المعتقد، لا تنفك عن طيب كلمات التهنئة، وصور المباركات الدالة على أن الوطن للجميع، وهنا نشاهد زيارات متبادلة بين قطبي المؤسسات الدينية في مشهد، يعضد ماهية الوطنية، ويؤصل ويرسخ قيم المواطنة، بل، تشاهد حرص القيادة السياسية على حضور الاحتفالات من أجل إرسال مضمون، يعزّز احترام نصوص الدستور، المؤكدة على وحدة الشعب، وسلامة، وحماية أراضٍ هذا الوطن، كما يبرهن على صورة الاصطفاف، والدعم المتبادل بين رئيس، يقدر شعبه، وشعب يدعم رئيسه من أجل نهضة، وإعمار البلاد. الأعياد، والمناسبات العقيدية فرصة، نغتنمها من أجل أن نشكل ذاكرة جيل، تلو الآخر؛ كي يدرك غور ثقافته المتجذرة، ودور هذا الشعب في الحفاظ على عاداته، وتقاليده، وأعرافه في خضّم تموجات، أضارت بنسيج أوطان، وشعوب، لا حصر لها؛ ومن ثم ينبغي أن نستثمر احتفالاتنا بصورة تعزز وحدتنا، وتقوي من عزيمتنا، وتعضد إرادتنا من أجل أن نستكمل مسيرة بناء، وتنمية مستدامة، لا أقول إلا أنها مستحقة، وباتت ملامحها على أرض الواقع واضحة المعالم، والمراحل. اسمحوا لي أن أبعث تهنئة مفعمة بالمحبة إلى أقباط مصر، وإلى جموع شعبنا العظيم، وإلى قيادتنا السياسية، ومؤسساتنا الوطنية، وكل عام، ونحن في وحدة، ورباط، وفي مسيرة نهضة مستدامة.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع. _ أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر