الضربة الحديدية، نتنياهو يقر خطة الهجوم الإسرائيلي على إيران    حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها بالقليوبية    «أون لاين».. كيفية الإستعلام عن فاتورة الكهرباء لشهر يناير 2026    الحصر العددي، حسين غيتة يقترب من حسم مقعد مغاغة بالمنيا    فيديو.. وزير الطيران يكشف تفاصيل إلغاء كارت الجوازات للقادمين والمغادرين نهاية يناير الجاري    رئيسة فنزويلا المؤقتة ل ترامب: شعبنا ومنطقتنا يستحقان السلام لا الحرب    ترامب يحذر إيران.. ويؤكد مقتل عدد كبير من الكوبيين المرتبطين بمادورو    خبير سيبراني: حظر السوشيال ميديا عمن دون ال 16 عاما سهل التنفيذ.. واللوم على الأهالي    الاتحاد الأوروبي يدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي وإرادة الشعب الفنزويلي    أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 5 يناير 2026    وفقا للحصر العددي، يونس الجاحر يقترب من حسم مقعد القوصية بأسيوط    بعد إثارتها الجدل بسبب محمد عبد المنصف، من هي إيمان الزيدي؟    فاجعة تهز قليوب.. حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها في «أم بيومي»    اللجنة العامة بالوراق وطناش تعلن الحصر العددي للمرشحين    ترامب: كوبا على وشك الانهيار والسقوط    «قفلت السكة في وشه».. عمرو مصطفى يكشف كواليس أول مكالمة مع الهضبة    الصحة: إنشاء مجمع تعليمي طبي متكامل بأرض مستشفى حميات إمبابة لدعم منظومة التمريض    الصحة العالمية تدعو لترشيد استخدام المضادات الحيوية قبل فوات الأوان    بالأرقام.. نتائج الحصر العددي لأصوات الناخبين بالدائرة الثالثة بالفيوم    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مهرجان المسرح العربي يكشف تفاصيل دورته الجديدة في مؤتمر صحفي اليوم    إبراهيم عيسى عن فيلم «الملحد»: المشاهد سيضحك ويبكي ويناقش    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    ياسر ريان: مشاركة الزمالك بالناشئين أمام الاتحاد السكندرى قرار خاطئ    اتحاد الغرف التجارية: وفرة السلع تسمح بوقف الاستيراد من مناطق النزاع دون رفع الأسعار    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بالدائرة التاسعة كوم حمادة وبدر بالبحيرة    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    محمد رمضان يفاجئ جمهوره بمسابقة نارية قبل حفل استاد القاهرة    هنا الزاهد تحتفل بعيد ميلادها.. ومهاراتها الفنية تثبت أنها نجمة متعددة المواهب    الاختلاف فى الرأى يفسد للود قضية    أيمن منصور يكشف كواليس تسجيله أسرع هدف في تاريخ أمم إفريقيا    العثور على جثة مسنه داخل منزلها بطنطا    دمياط.. الانتهاء من 548 مشروعا ضمن المرحلة الأولى من حياة كريمة    ميراث الدم| يقتل شقيقه ونجله بقنا.. والمحكمة تُحيل أوراقه إلى فضيلة المفتي    بيع سجائر بأغلى من التسعيرة.. حملة تفتيش على المحلات بأسواق العريش    أخبار × 24 ساعة.. إضافة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب التعليم الفنى    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    للمرة الأولى منذ 47 عاما.. سان جيرمان يفوز على نادي باريس بهدفين    سيف زاهر: منافسة كبيرة بين الأهلى وبيراميدز على ضم موهبة بتروجت    115 عامًا من المجد والتاريخ، الزمالك يحتفل بذكرى تأسيسه    أمم إفريقيا - بروس: إذا لم نهدر فرصنا لم نكن لنخسر أمام الكاميرون    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    ديلسي رودريغيز: الهجوم الأمريكي واعتقال مادورو يندرجان ضمن مخطط ذي «دلالات صهيونية»    خالد الدرندلي: البنية الرياضية المتطورة تجعل مصر جاهزة لكأس العالم    مسلحون يقتحمون سوقًا في وسط نيجيريا ويقتلون 30 شخصًا ويختطفون آخرين    آخر تطورات سعر الريال القطري أمام الجنيه مساء اليوم الأحد    الوزير يتفقد الخط الرابع للمترو واستعدادات الحفر للفسطاط    أسباب زيادة الوزن في الشتاء    احتياطي السلع الأساسية يغطي احتياجات رمضان.. الغرف التجارية تكشف تفاصيل المخزون الاستراتيجي    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    الصحة تطلق حملة «365 يوم سلامة» لتعزيز ثقافة سلامة المرضى    محافظ الغربية يجري جولة مفاجئة داخل عيادة أحمد عرابي الشاملة بكفر الزيات    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    القمة الإنجليزية.. ليفربول يواجه فولهام في مواجهة حاسمة بالبريميرليج 2025-2026    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التزلج فى بلاط صاحبة الجلالة.. هوامش على ضفاف انتخابات نقابة الصحفيين
نشر في اليوم السابع يوم 01 - 05 - 2025

كان المعتاد أن يتلاقى الصحفيون فى بيتهم على المواعيد الانتخابية بلهفة واشتياق، وفى أجواء لا تخلو من المحبة رغم احتدام المنافسة.

وأزعم أن الجمعية العمومية ستتدفق على النقابة غدا، أو أغلبها على الأقل، بمنطق الخلاص من حالة لم يعهدوها من قبل، استطالت حتى باخت، ومسّت عصبا عاريا لدى الجماعة الصحفية، يتصل عضويا ومن نقطة عميقة بجوهر المهنة وقيمها الراسخة، وبما يطلبه أهلها جميعا طوال الوقت، ويتعثر فيه بعضهم أحيانا. والجولة الراهنة ربما تُحسب على العثرات.

حتى اللحظة؛ فإننى شخصيا حسمت اسما أو اثنين فى خياراتى، ولم أحسم البقية. السباق النصفى على مقعد النقيب وستٍّ من أعضاء المجلس، والمرشحون خمسون فقط؛ والصخب يتخطى نظيره فى نقابات تفوقنا حجما، بل ربما تفوق ما نراه فى انتخابات وطنية عامة، من طبيعتها الصراع والتكسير، وجمعيتها العمومية بالملايين. وهنا لست معنيا بالأسماء على الإطلاق، أكان الذين أحب لهم الفوز بشرف تمثيل الجماعة الصحفية، أو مَن أختلفُ عليهم فكرا وأداء؛ إنما تشغلنى الحالة الدائرة منذ شهرين تقريبا، والمناخ الذى تُدار فيه عملية انتخابية لم يُطعَن فى نزاهتها على مدار جولاتها السابقة، ويتنافس فيها الناس على مهمة تطوعية بالأساس، ويغلب فيها التكليف على التشريف.

تعداد الهيئة الناخبة يتجاوز عشرة آلاف بقليل. ومن حصيلة المتابعة طوال الأسابيع المنقضية منذ فتح باب الترشح وانطلاق السباق؛ فإن المشتبكين مع الورشة الانتخابية، ترشحا وتعليقا ونشاطا فى حملات المرشحين، يدور حول الألفى عضو على أقصى تقدير، أى الخُمس أو أقل قليلاً.

البقية صامتون عن القتال المُفتعَل ترفُّعًا، أو ثقةً فى مختاريهم واكتفاءً بالحسم فى الصناديق؛ المهم أنهم يضعون المسألة فى نصابها السليم، ويعرفون أن ما يجمع العائلة الصحفية أكبر مِمَّا يفرّقهم، وما بينهم من رباط يُهان إن اختُزِل فى معركة انتخابية، أو تأطّر بالمُغالبة على مجلس لن يكون الأخير، ومهما أضاف للمهنة فلن يُطاولَ جُلّ أسلافه من الآباء المؤسسين مرورا بثلاثة أجيال ذهبية تالية.

ولنكن مُنصفين، ونتبدئ من نقطة موضوعية عاقلة. لا خلاف على أن الانتخابات بطبيعتها مُنافسة مفتوحة، ويُقبَل فيها ما لا يُقبَل فى غيرها، وما قد تستنكره الأغلبية فى الأحوال العادية. وكطبيعة المنافسات كلها، فى السياسة كما فى الرياضة، لا يخلو الأمر من خشونةٍ نسبيّة، ومن أكتافٍ قانونية يُمرِّرها حُكَّام الساحة، وتقبلها قواعد اللعبة، فضلا على ما قد يُعَدّ تجاوزا ولا تلتقطه الأبصار، والأخير لا يغيب عن الكواليس اليوم، ولا فى أى استحقاق سابق.

الخلاف على تمديد المسموحات وتكثيفها، وتكييف التعاطى معها تحت صفة المقبولية وطبائع الأمور؛ حتى صار التجاوز أصلاً لا فرعا، والتلوين أكثر بضائع السوق رواجا، وتحريف الإشارات عن مواضعها لتّتخذ أبعادًا أكبر من حجمها، أو تُسقِط مُتلقّيها فى لُجَج من التلفيق والاصطناع، وخلط الأوراق والمعايير، وإعادة تعريف السياق على وجهٍ غير صحيح، وبما يُناقض أسسه البنيوية وأدواره العملية تماما.

باختصار؛ النقابة فاعليّة مهنيّة، وليس تفصيلاً عابرا أنها تنتمى فى التسمية للمُمارسين لا الممارسة نفسها/ الصحفيين لا الصحافة. صحيح أن الصنعة تظل جوهر الرباط، وبها يكتسب الممتهنون صفتهم أصلا؛ لكن الالتفات عن الأصيل إلى الوكيل هُنا ليس مجّانيا، ويرسم خطوطًا فاصلة بشأن الأولويات، وما يتعيّن على المُتصدّين لإدارة الكيان أن يُولوه اهتمامهم، دون إفراط فيه قطًعا، أو تفريط فى غيره من المضامين الأصيلة.

والحال؛ أن النقابة فى تشكُّلها الأوّل كانت خليطًا من الصحفيين وأصحاب الصحف، ثم حِيد عن هذا المسار لصالح الطرف الأوّل على حساب الآخر. وهكذا؛ صُوِّبت الرؤية من الانشغال بالصناعة ونظامها العام، إلى التركيز على الصنايعية الحرفيِّين ومصالحهم الأصيلة. والإفادة؛ أن الرعيل الأوّل اختار أن ينحاز للفرد لا القبيلة، وكان فى هذا قضاءً مُبرما على الحالة القبائلية، وتلزيمًا للدولة بمهمّة الضبط والتنظيم والموازنة بين الطرفين، وبينهما والآخرين من المعنيِّين بالعملية الصحفية قِيَمًا وممارسة، وفاعلية وتداعيات.

وكل خروج على تلك الفردانيّة، أمس واليوم وفى أية لحظة مقبلة؛ إنما يرتدّ على الركائز التى بُنِيت الفكرة من فوقها، وتحرّكت فى إطارها، وحدّدت فى ضوئها ما تتوخّاه من غايات كُبرى، ووسائل تُفضى لتلك الغايات. وليس القصدُ أن تخرج النقابة إلى الشارع حشدًا من الأفراد مُنبتّى الصلة عن بعضهم؛ إنما أن يُصاغ الكيان داخليًّا تحت قيد المراكز المتساوية، والشراكة الكاملة، والتخلُّص من تأثيرات الاستقطاب والمُنازعات خارج فضائها الصغير.

وإذ يُمكن أن تُشَكَّل تحالفات فكرية، وجبهات من لون واحد أو عابرة للأيديولوجيا؛ فإنها تقوم بالأساس على الذات الواحدة، التى تُقدِّم نفسها بإيمان شخصىٍّ فى القدرة والإمكانية، وتتوافق مع الآخرين على قاعدة أنهم ذوات مُتعيّنة، وأدمغة مُستقلّة؛ وليسوا فيلقًا مُنتدبًا لجبهة الحرب مع فيالق نظيرة أو بديلة.

وكما أنه لا يُمكن أن ينسلخ الفرد عن أفكاره وانحيازاته العامّة؛ فالواجب ألا يَسلُخ النقابة عن كيانيتها المُتحلّلة من التنسيب البسيط، وأن يُوازن بين التنفُّس على اتّساع رئتيه؛ وألا يخنق المجال المشترك مع الآخرين بزفيره الساخن.

وبينما يغلُب على قائمة المرشحين اليوم أنهم آتون بمددٍ فردىٍّ، وتُرافقهم فى المسيرة ظلالهم فحسب؛ فإن نذرًا منها اختاروا أن يطرحوا أنفسهم على الجمعية عائلة داخل العائلة، أو تيّارًا يُميّز نفسه بين نهرٍ هادر؛ وإذ يمتزج الماء بالماء بالطبيعة؛ فكلما استُشعِر أنَّ التمايزات تنفرط من الأيدى، بُولِغَ فى إبرازها وتسييدها بالصخب أو الجنوح، حتى آلت المشاكسة المشروعة إلى مصادمة دامية، والدعايات المنطقية إلى افتئات على المنطق وانجراف إلى الوصم، وسقوط فيما يُشبه التلاسُن والهجاء المُتبادَل.

ومن مُنطلق التجرُّد الكامل، إخلاصا للنظرة الشمولية الفاحصة، وتغليبا للموضوعى على الذاتى؛ فإن الاستقراء النزيه للوقائع والمشاهدات، وجماع ما كان من هُنا أو هناك، يُثير فى النفس شعورًا بالاستهجان والغضب من كل التيّارات. اجتهد المرشَّحون جميعًا فى ضبط خطاباتهم، والحفاظ على حدٍّ مقبول من التناسب بين تقديم النفس واختصام المنافس، وبين النقد والنقض؛ لكن المُتحزّبين لتلك الجماعات انزلقوا إلى ممارسات ممجوجة، والخوف من ألا تكون مواقفهم انفعالا شخصيًّا، أو أن تكون وثيقة الصلة بالحملات الانتخابية من طَرفٍ خفىٍّ.

بعض الزملاء المُقدّرين من ذوى المكانة الاجتماعية والمهنية وقعوا فى الفخ، وبعض الأعضاء الباقين فى مجلس النقابة أفرطوا فى إعلان تأييدهم لفريق على فريق، وتمادوا فى استخدام حق الاختيار إلى توظيف مكانتهم النقابية لإذكاء حال الفرز والتأجيج، وكلاهما مُخطئ من دون شَكّ، وسواء اعتذروا عن الخطأ أم أنكروه وتعالَوا عليه؛ فقد ساهموا فى صناعة واحدة من أسوأ تجارب السباقات الانتخابية، وتصح معها استعارة جُملة الإخوة اللبنانيين الشهيرة «تنذكر وما تنعاد».

وحتى تكون مواضع الخلاف واضحة؛ فليس لأحدٍ أن يُزايد على مَن يُؤسِّسون برنامجهم الانتخابى على سؤال الحرية، أو يختزلونه فيه. كما لا يحقّ لغيره أن يقدح فيمن يُقدِّمون الخدمات على ما يعُدّونه من قبيل الشعارات. التوصيف بالحنجورية مُضرّ مثل الوصم بالارتزاق والنفعية؛ وكلاهما ينزلق فى السطحية استخفافا، ويغوص فيها إلى الحلقوم ابتسارًا، أو اكتفاء بالجزء عن الكل.

الوظيفة الأولى للعمل النقابى أن يكون منصّة لأهله، ومتراسًا للدفاع عنهم. مغناطيسا يجذب حقوقهم المشروعة، ومصيدةً تقتنص لهم ما تستطيع من مزايا وكسب إضافى. هكذا تبدو الخدمات أولوية مُقدّمة على غيرها من الأدوار؛ لكن ما يغيب عن القائلين بهذا الرأى أن التحرُّر والتمكين والحق فى مظلة حماية قوية خدمة لا تقل أهمية عن سواها. وعليه؛ فلا يغنى المعنوىّ عن المادىِّ، ولا يُكتَفى بأحدهما دون الآخر إلا عن عجزٍ أو قلَّة وعى، وربما عن غرضٍ مُضمَر أو مظنّة خائبة.

والتجزئة هنا إنما تُمارس لعبةً ضلاليَّة بالكامل؛ وإن من دونٍ قصدٍ. وإذ يُمكن الطَّعن فى الخدمىِّ لأنه يُفرِّط فى الرساليَّة كما يرى البعض؛ فالقيمىُّ بدوره سيكون عرضةً للمَطاعن أيضًا، لجهة أنه يحلُّ النقابة من التزاماتها تجاه أعضائها، ويتحصّل على كامل السعر بينما يبيع لهم سلَّةً منقوصة. سيُختَصمُ الأوّلُ بأنه يُفرِّط للدولة طمعًا، ويُنالُ الثانى بدعوى أنه يُعاديها دون طائل أو منفعة.

ولأن الدولة ليست عدوًّا على الإطلاق؛ ومن زاوية التنظير السياسى الخالص لا الدبلوماسية الخطابية الهامسة، فليس من واجب النقابة أن تقف معها على طرفى نقيض، ولا أن تُؤسِّس شرعيّتها على معركة مُلفّقة بالكامل، ولا سبيلَ لحسمها وفق الخيارات المطروحة. إنها مُنازلةٌ ناعمةٌ كالحرير، ومحاورةٌ خَشِنةٌ كاحتكاك التروس ببعضها، وبينهما تُبنَى التوافُقات بالتدرُّج والتراكُم ومجموع النقاط، لا بالعداء أو القطيعة.

أمَّا التعريض ذهابا وإيّابًا؛ فإنه كما يسمح لطرفٍ بأن يصبَّ على غريمه اتهامات التخاذُل والتفريط والليونة فى غير مواضعها، يرتدُّ عليه فى اللحظة نفسها نقدًا للصدامية والاستنفار، وما كان من توريط النقابة فى صراعات سابقة مع مُؤسِّسات تُلازمها فى المجال العام، ولا يُفترض أنها تتعادى أو تصطرع مجانيًّا، ولصالح أيديولوجيا بعينها، أو أحد أطيافها وعائلاتها الصغيرة.

لم تعرف النقابةُ طوالَ تاريخها مجلسًا من لون واحد، وهى بالطبيعة والتكوين وعمق التوازنات وتعقيدها، غير قابلة لتلك الحال من الأساس. وعليه؛ فالمتنافسون جميعًا على أمل السبق، محكومون استباقًا بإلزاميَّة العمل مع شركاء مُختلفين، ما يعنى بالضرورة تحييد الأيديويوجيا أو النزول عن بعض اشتراطاتها؛ لأجل الحوار وتخليق المُواءمات الضامنة للتوافق، والمُحصِّنة للعمل النقابى من أن يكون منصَّةً للاشتباك السياسى، أو ينقل من البيئة الحزبية عيوبَها دون مزاياها وإمكاناتها.

والحق؛ أنَّ التجمُّعات المهنية لا يُمكن أن تكون كياناتٍ أيديولوجية على قاعدة التحزُّب والانغلاق العقيدى، ولو تخوَّف البعضُ من هذا أو بالغَ غيرُهم فى طلبه. بالتعريف كلاهما من مكوِّنات المجتمع المدنى، يشتركان فى ملء المساحة العريضة بين الفرد والدولة، ويختلفان فى المنطلقات والأهداف؛ ولو اتَّحدَا أو تطابقا لأغنى أحدهما عن الآخر. كيانٌ يتعقَّبُ الحكومة نقدًا وحصارًا، ويتنافس معها على الثقة وانعقاد الشرعيَّة الشعبية، والآخر يُجادلها ويحتجُّ عليها ويتّفق أيضًا، من دون أن يكون غريمًا أو حليفًا، والثلاثة: الأحزاب والنقابات والسلطة التنفيذية، أضلاعٌ فى بناء المجال السياسى ونظام الحُكم.

لستُ مَعنيًّا فى المستوى الشخصى إلا بالقائمة التى سأمنحها ثقتى؛ لكننى جاهز من الآن للتفاعل مع مَنْ تُصعِّده الجمعية العمومية بجموع أفرادها، بعيدًا من لونه أو سيرته الذاتية ومَن يعتبرُهم عائلتَه الأُولى أو الثانية. والمُنتَظَر من المُتنافسين جميعًا أن يُبادلونى وغيرى ما نُبادلهم؛ وألَّا يصطنعوا شرخًا بيننا بالفرز والتطييف، وبالتشويه والتخوين فى مجال لا يحتملهما أصلاً، وليس من طبيعته ولا مهامّه والتزاماته أن يكون منصّةً لتصفية حسابات، تعطَّلت المرافق المَعنيّة بها فى الخارج عن حَسمها.

الأيديويوجيات تتركّز فى الأحزاب، وتشتبك فى المجال السياسى، وتحسم صراعاتها فى صناديق الانتخابات العامة. والنقابة آخر مساحةٍ تصلح لتلك اللعبة؛ ومن مصلحتها أن تظل بمنأى عنها تمامًا.

«سئمت تكاليف الحياة ومَن يَعِش/ ثمانين حولاً لا أبًا لك يسأمِ»؛ على ما قال زُهير بن أبى سلمى. وفسحة الانتخابات اتّسعت؛ حتى ضاقت على المُرشّحين والناخبين، وتزاحمت فيها الأجساد، وعُصِر الذين لا ناقةَ لهم فيها ولا جمل، ولا ينقلون معاركهم الشخصية والقبائلية إلى فضاء وُلِد حُرًّا، وما يزال، وعليه أن يُوسِّع لنفسه قبل أن يلتزم بوعودٍ تجاه الغير.

وإن كان من درسٍ فى التجربة؛ فأنه لا ينبغى السماح بإرخاء حبل السباق هكذا فى أية جولة مُقبلة، ولا لاشتباك الباقين بالمجلس مع الورشة الانتخابية؛ إلَّا بالتنظيم والرقابة والحياد الكامل، والأهمّ أن يحتفظ الناس بالحدِّ الأدنى من اللياقة؛ لا لأنفسهم فقط، بل للمهنة ونقابتها أيضًا، أقلّه لجهةِ ألَّا يصعد الفائزون لمنصابهم مُثخنين بالجراح، ومُلطّخة أثوابهم بطِين المعارك وغبارها؛ لأنَّ هذا مِمَّا يَمسُّ برمزيّتهم التى تُدار الانتخابات لأجلها، وبالبيت كله وساكنيه من دون استثناء.

ليس منطقيَّا أن نلتزم ميثاقًا للشرف الصحفى فى المُمارسة اليومية، وندوس عليه بأحذيتنا الثقيلة فى ترتيب علاقتنا ببعضنا، وضمن منافسة موسميَّة نعيشها مرَّةً كلَّ سنتين. وإذا كانت الأُطر القِيَميَّة للمهنة أوسع وأكبر من سباق المجلس، أو كانت الوثيقةُ الناظمة للشرف عاجزةً عن الاضطلاع بالمهمة؛ فربما نحتاج إلى وثيقة شرف انتخابية، وإلى آليات واضحة ومُفعّلة بحسمٍ للرصد والمُساءلة وإبراء الذمّة أوّلاً بأوّل.

التناقُض عميقٌ بين من يطلبُ الحريَّة ولا يُمارسها، ويُنادى بالتنوّع ثمَّ يبتسرُه بالفكرة الشمولية أو اللون الواحد. هذا شبيه بالأحزاب التى تتطلّع إلى الديمقراطية فى المجال العام، وتخنقها خنقًا فى أروقتها، ويُؤبِّد قادتُها جلوسهم على المقاعد أو تغييبهم للاختلاف والمنافسة. ونقابة الصحفيين من حيث أنها مَعنيّة بمهنةٍ حُرّة أصلاً، وتتعيّش على الكشف والمُصارحة، وأنها أقرب للوسيط من الخصيم؛ فليس لها أن تسقُطَ فيما يمسُّ خطابها واستقامته، ويتضادّ مع هويّتها وتأسيسها الصلب.

على أيّة حالٍ؛ فقد عبرنا المرحلةَ السائلة بمحاسنها وسَوءاتها، ووصلنا إلى محطّة الحسم، على أن يعود طرفٌ بهتافات المُنتصر كأنها حرب، ويتجرّعَ غيرُه كأسَ الهزيمة، أمَّا أنا فمِمَّن يرتضون «من الغنيمة بالإياب» كما قال الشاعر. والذين أوقدوا النار قد لا يرتاحون لانطفائها، وقد يتمادَون إلى الطعن فى العملية/ أى فى الجمعية العمومية نفسِها. سيكسب زملاء أعزاء فى كلِّ الأحوال؛ لكنَّ النقابةَ خسِرَت كثيرًا فى تلك المعركة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.