خلف واجهات العمل المدني والجمعيات الخيرية، يتحرك تنظيم الإخوان الإرهابي داخل أوروبا بخطوات هادئة لكنها محسوبة. حضورٌ لا يلفت الانتباه في ظاهره، لكنه يثير قلقًا متزايدًا لدى الدوائر الأمنية والسياسية، التي باتت ترى في نشاط التنظيم نموذجًا مختلفًا للتهديد، لا يعتمد على السلاح بقدر ما يرتكز على النفوذ والتغلغل طويل الأمد. لم تعد أوروبا مجرد ملاذ آمن لعناصر الإخوان الفارين من ملاحقات في بلدانهم الأصلية، بل تحولت إلى ساحة تنظيم وإعادة تموضع، تُدار منها شبكات سياسية وإعلامية ومالية عابرة للحدود. من اللجوء السياسي إلى بناء الشبكات استفاد تنظيم الإخوان من قوانين اللجوء والحريات الواسعة في بعض الدول الأوروبية، ليعيد بناء نفسه تحت مظلة قانونية. ومع مرور الوقت، تشكلت شبكات معقدة من الجمعيات والمراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية، تعمل ظاهريًا في إطار الاندماج المجتمعي، بينما تُتهم بلعب أدوار تنظيمية غير معلنة. هذا التحول منح التنظيم مساحة حركة واسعة، مكنته من الحفاظ على بنيته الفكرية والتنظيمية، بعيدًا عن الضغوط الأمنية المباشرة. ازدواجية الخطاب يعتمد الإخوان في أوروبا على خطاب ناعم يتحدث عن التعايش والمواطنة، في مقابل خطاب داخلي مختلف، يُوجه للأنصار ويُغذي فكرة المظلومية والصراع مع الدولة الوطنية. هذه الازدواجية باتت محل انتقاد واسع، خاصة مع تزايد التقارير التي تحذر من تأثير هذا الخطاب على فئات من الشباب المسلم. التمويل.. شريان النفوذ الصامت يمثل التمويل أحد أخطر أدوات الإخوان في أوروبا، فمن خلال التبرعات، والاستثمارات الصغيرة، والشبكات الاقتصادية غير المباشرة، نجح التنظيم في تأمين موارد مالية مستقرة، تُستخدم في دعم أنشطته الإعلامية والتنظيمية، وأحيانًا في مساندة فروعه خارج القارة. هذا البعد المالي جعل التنظيم أكثر قدرة على الصمود، وأقل عرضة للضغط السياسي السريع. قلق أوروبي متصاعد خلال السنوات الأخيرة، بدأت عدة دول أوروبية في إعادة تقييم تعاملها مع تنظيم الإخوان، بعد رصد علاقات مقلقة بين بعض الكيانات المحسوبة عليه وأفكار متطرفة. و تقارير رسمية وبرلمانية حذرت من أن التنظيم لا يمثل تهديدًا أمنيًا مباشرًا فقط، بل خطرًا طويل الأمد على منظومة القيم والاندماج المجتمعي. الإخوان والفراغ السياسي يستغل التنظيم أحيانًا حالات التهميش الاجتماعي أو الفراغ التمثيلي داخل بعض الجاليات المسلمة، ليقدم نفسه ك«ممثل شرعي»، وهو ما يمنحه نفوذًا غير رسمي داخل المجتمعات المحلية، ويضعه في موقع تفاوض غير مباشر مع السلطات. هل يقترب المشهد من المواجهة؟ مع تصاعد الوعي الأوروبي بطبيعة تنظيم الإخوان، تتجه بعض الدول نحو تشديد الرقابة على أنشطته، ومراجعة الأطر القانونية التي سمحت بتمدده. غير أن المواجهة تظل معقدة، نظرًا لاعتماد التنظيم على أدوات ناعمة يصعب تصنيفها أو تجريمها بشكل مباشر. خلاصة المشهد لم يعد تنظيم الإخوان في أوروبا مجرد جماعة في المنفى، بل لاعبًا منظمًا يسعى لترسيخ نفوذ طويل الأمد داخل المجتمعات الأوروبية.