يوم هادئ بدون عمل ولا إزعاج، داخل قاعة مكيفة الهواء.. هكذا تمر الثلاثة أيام بين المحاضرات والترفيه التى يتلقى فيها ضباط الشرطة المصريون محاضرات فى حقوق الإنسان. بدأت وزارة الداخلية فى وضع هذه التدريبات منذ عام 2000 تقريبا، بناء على توصيات من الأممالمتحدة بعد أن ساهمت الثورة الإعلامية فى نشر حالات التعذيب داخل السجون وأقسام الشرطة على يد الضباط، وانتشار منظمات المجتمع المدنى. ورغم استمرار هذه التدريبات التى تقدمها الداخلية كدليل على تدعيمها لحقوق الإنسان لما يزيد على 8 سنوات إلا أن حالات التعذيب مازالت مستمرة دون توقف. 619 حالة رصدتها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان لتعذيب المواطنين داخل أقسام الشرطة، خلال الفترة من عام 1993 وحتى شهر يونيو من عام 2008. ورغم بداية هذه الدورات فى عام 2000، إلا أنه شهد فى العام نفسه 7 حالات تعذيب فى السجون أدت للوفاة ومثلهم فى عام 2001، ومع استمرار هذه الدورات ارتفع عدد الحالات إلى 22 حالة طبقا لتقرير المنظمة عن حالة الحريات العامة، والحقوق السياسية والمدنية فى مصر. عدم وجود نتيجة ملحوظة لهذه الدورات على مر السنوات الماضية دليل على فشلها فى الوصول للهدف المطلوب، والأسباب ليست خفية على أحد، فمن الملاحظ أن فترة التدريبات قليلة جدا لا تتجاوز بضعة أيام، وهى فترة يصعب فيها تغيير سلوك فرد من النقيض إلى النقيض. دكتور قدرى حفنى أستاذ علم نفس سياسى، يؤكد أن المحاضرات تزيد من المعرفة، ولكن تغييرها فى السلوك يعتمد على الأشخاص المتلقين، وليس معنى زيادة المعرفة أن يتغير السلوك، لذلك لا تعتبر المعلومات حلا للبعد عن أسلوب القمع والتعذيب. يدرس الضباط فى هذه الدورات المواثيق الدوليه لحقوق الإنسان ونصوص البرنامج العالمى لحقوق الإنسان، ورغم أن المادة جيدة جدا ولكنها لا تتخطى حدود التثقيف، والقضية ليست فى إجراء دورات، ولكن حافظ أبو سعدة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان يرى أن المشكلة تكمن فى تكريس هذه الأفكار العدوانية طوال سنوات الدراسة فى كليات الشرطة. ومن أبرز الأمثلة نظريات القيادة التى تدرس بمادة علم النفس الجنائى، حيث تؤكد على أن أهم ما يميز القائد خصائصه الجسدية، التى أبرزها السيطرة على من أمامه وقوة العضلات وقوة الشخصية وطول القامة وضخامة الجسم وثقل الوزن.. وأن العقاب لابد أن يتماشى مع الفعل المنحرف ويتناسب معه بلا تهاون. وتؤكد أيضا المواد التى يدرسونها على أن الحفاظ على سيادة الدولة واجب على الضباط لابد الدفاع عنه، ولهم الحق فى إكراه الأفراد على احترام نظم الدولة ولو "بالقوة". هذه الأمثلة الحية من المواد التى يدرسها الضابط ليست للحصر وإنما كمثال على تكريس فكرة القوة والسيطرة طوال أربع سنوات، والتى يصعب تغييرها فى أربعة أيام. ولم تنته أسباب لجوء الضباط إلى العنف فى تعاملاتهم عند حد المواد الدراسية فقط، بل إن هناك أسباباً أخرى يراها محمد زارع مدير مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء، وهى أن خوف الضابط أثناء حياته العملية من الفشل فى الوصول إلى الجانى فى إحدى الجرائم، يدفع به إلى اللجوء لأى وسيلة تجنبه هذا الفشل.. علاوة على أن الضابط المصرى لديه قناعات أن من يرتكب أى جريمة يستحق التعذيب، ومن كثرة تعامله مع المتهمين افتقد للخيط الفاصل بين المجرم والمواطن العادى، فصار العنف أسلوبه فى التعامل مع الجميع. فإذا كانت هذه الدورات لن تقضى على التعذيب بمفردها، وتأكد أنها تحتاج إلى البحث فى الأسباب السابقة ومحاولة إيجاد حلول لها، فلماذا تستمر الوزارة فى تنفيذها؟ بعد طرح قضايا التعذيب فى مصر على الرأى العام العالمى والانتقادات الدولية التى واجهتها مصر، كان لابد أن تقدم الحكومة المصرية دليلا على رفضها لهذه الممارسات والتى مازالت تعتبرها حوادث فردية. من جهته، يرى محمد زارع أن هذه الدورات مجرد ترفيه عن الضباط، وتجميل لصورة مصر فى الخارج وللإشادة بالأجندة المصرية دوليا، واعتبر أن حل مشكلة التعذيب بوضع دورات تدريبية هو تهميش لقضية مهمة، وهى مجرد خطوة نحو هدف يبعد أميال.