أردوغان يعلن عزمه إجراء محادثات مع ترامب حول أوكرانيا    مفاجأة إن حدثت، حاسوب عملاق يتوقع الفائز بكأس العالم 2026    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    عميد حقوق المنصورة: لا صحة لما تداول حول مجاملة ابن رئيس الجامعة    مملكة البحرين تبدأ عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن    مجدي الجلاد: مصر تعزل تحركات إسرائيل في الصومال عبر دبلوماسية ذكية    فعاليته تجاوزت ال90%، الكشف عن لقاح ثوري يقضي على سرطان الجلد وهذا موعد طرحه رسميا    عاجل.. "تنظيم الاتصالات": احتمالية تأثُر بعض الخدمات يوم 3 يناير نتيجًة لأعمال صيانة    «بالدموع والآهات».. أحمد سعد يحتفل بعيد ميلاد تامر عاشور بطريقة ساخرة (فيديو)    محافظ أسيوط يتفقد مقر اللجنة العامة استعدادا لجولة الإعادة ب3 دوائر انتخابية (فيديو)    قضية اللاعب رمضان صبحي تضع المدارس الدولية في مأزق    مطلقات يواجهن حيل الأزواج.. للهروب من حقوقهن    مستوطنون إسرائيليون يقتحمون قرى فلسطينية ويطلقون الرصاص الحي على الأهالي (فيديو)    إيران توجه رسالة عاجلة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن عقب تهديدات ترامب    الأسعار بين الاستقرار والارتفاع.....اسعار الفاكهة اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    لانس يحقق فوزا ساحقا على تولوز ويعزز صدارته في الدوري الفرنسي    أمم إفريقيا - المجبري: المنافسة الحقيقية تبدأ من هذه المرحلة.. ومن المهم تحليل مباريات مالي    نائب محافظ كفر الشيخ يشهد ختام الدوري الرياضي لمراكز الشباب    أجبروني على هذا التصرف، حمزة الجمل يكشف سبب تقدمه بشكوى ضد الإسماعيلي    لحظات رعب داخل منزل بدمنهور.. تسريب غاز يُصيب أسرة كاملة بالاختناق    المخدرات حولت الابن إلى قاتل    عندما تتحول ليلة الزفاف إلى مأتم    اليوم، نظر دعوى محاسبة أطباء العباسية لإصدارهم تقارير تسببت في أحكام سجن لسيدات    إن بعض الظن شائعة، قصة محاولة سيدة في المنوفية إلقاء أطفالها أمام القطار بمزلقان قويسنا    سقوط صانع محتوى في قبضة مباحث الدقهلية بتهمة ابتزاز الفتيات    رفع الإشغالات وتكثيف النظافة بمحيط اللجان الانتخابية بمدينة العياط بالجيزة    عمرو يوسف النجم الأكثر إيراداً في 2025    حكاية أغنية رفضها «سامو زين» وكانت سر نجاح فضل شاكر    د. نادين حسني: هدفي علاج الأمراض من جذورها لا تسكين أعراضها| حوار    دمياط تتزين باللون الأخضر في «أسبوع التنمية المستدامة»    تنظيم أم صدمة للسوق؟.. نقل معارض السيارات خارج العاصمة    لأول مرة.. توسيع للمريء باستخدام البالون لمسن بمستشفى كفر شكر بالقليوبية    كيف تحمي صحتك بأطعمة الشتاء؟    ننشر مواقيت الصلاه اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    إيبارشية القاهرة الكلدانية تحتفل بعيد مار أنطونيوس الكبير    عبدالملك: الزمالك بحاجة لثورة في الفريق    تنظيف كنيسة المهد استعدادًا لاحتفالات عيد الميلاد المجيد حسب التقويم الشرقي    عاجل- طقس شديد البرودة ليلًا وتحذيرات من الصقيع والشبورة خلال الفترة من 4 إلى 8 يناير 2026    أجواء شتوية مائلة للبرودة....طقس المنيا السبت 3يناير 2026    جوتيريش يدعو إسرائيل للتراجع عن تعليق عمل منظمات دولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة    وزارة الدفاع الإماراتية تعلن استكمال عودة جميع عناصرها من اليمن    فصل التيار الكهربائي عن عدد من مناطق بمدينة دسوق    ثلاثي البريميرليج يتنافس على ضم مهاجم ريال مدريد    الشاعر شعبان يوسف ل العاشرة: 2025 شهد حراكا ثقافيا ملموسا رغم التحديات    استمرار انقطاع مياه الشرب عن بعض مناطق بلطيم والبرلس والمصيف بكفر الشيخ    أخبار × 24 ساعة.. وزارة العمل توفر مليون فرصة عمل فى الداخل والخارج خلال 2025    سلوت قبل مواجهة فولهام: ترتيبنا الحالي عادل.. ونسعى لصناعة الفارق    سباعية نارية تقود مودرن سبورت دبي لصدارة مستحقة    بعد حكم حبس رمضان صبحي.. عمرو أديب: اشتراط مؤهل الأب لدخول بعض المدارس الدولية حرام    نتيجة حلقة اليوم من برنامج "دولة التلاوة"، مفاجأة بخروج هذا المتسابق (فيديو)    المصل واللقاح: شتاء 2026 سيكون عنيفا من حيث الإصابة بالأمراض التنفسية    ضمن المبادرة الرئاسية ... إجراء عملية زراعة قرنية ناجحة بمستشفى رمد المنصورة    وزير شئون المفاوضات الفلسطيني الأسبق: زعامة عبد الناصر ونهرو وتيتو الأولى والأخيرة من نوعها    غدًا.. 667 ألف ناخب يحسمون جولة الإعادة لانتخابات النواب بالدائرة الثالثة في الفيوم    أذكار مساء الجمعة.. سكينة للقلب وتجديد للإيمان مع ختام اليوم المبارك    فى ذكرى ميلاد المسيح    الأقصر تعلن جاهزيتها لماراثون انتخابات النواب فى جولة الإعادة بإسنا والقرنة وأرمنت    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أنشودة الحياة فى صحراء العدم..عمارة الخلاء(1-2) قايتباى.. رسالة إلى السماء
نشر في المصري اليوم يوم 14 - 09 - 2009

قبل أن ألج إلى كون قايتباى، أحد أجمل مساجد الدنيا، والآية الفنية الرائعة أخاطب كل من له صلة، خاصة الدكتور زاهى حواس أمين المجلس الأعلى للآثار أن يهرع فوراً ليرى الكارثة المنتظرة، إننى من المبهورين بهذا المسجد، دائم الزيارة له، ولاحظت خلال الشهور الأخيرة تدهوراً ملحوظاً فى كل أرجائه، خاصة بعد أن تمكن اللصوص من سرقة كرسى المصحف الذى كان من التحف التى لا يخلو منها كتاب أو مرجع عن الفن الإسلامى، سألت فقيل لى إن عضو مجلس الشعب عن المنطقة منع زيارات الأجانب، ولا أدرى بأى صفة قرر ذلك، وجود الأجانب كان حافزاً على اهتمام السكان بالمنطقة وأيضاً بالمسجد.
المثير للملاحظة تلك الأسلاك الكهربائية العشوائية التى تتمدد حول المئذنة وداخلها، مع ملاحظة أن القبة خشبية، فى رمضان فوجئت بمصابيح كتلك المستخدمة فى السيرك أو الأفراح العشوائية وقد علقت حول أجمل مئذنة فى العالم الإسلامى، تطفئ وتضىء كأنه فرح تاجر مخدرات غشيم.
ماذا يدبر بليل لقايتباى بعد سرقة كرسى المصحف من داخل القبة؟ هل يشهد الزمن المقبل حريقاً مدبراً، أو عملية سرقة أسطورية قد تطال المسجد نفسه بما حوى؟
إننى أحذر وأحاول التبليغ فاللهم اشهد، ولنقبل معاً على المسجد وما حوى وما يصلنى به وكيف أتلقاه.
إذ تتكأكأ علىّ الكدورات
إذ تتقاطر الهموم وتترى
إذ أغترب عن الوقت، أسعى إلى زمنى الخاص، أوغل فى ذاتى، أنفرد، أرحل إلى لحظات مولية، منها ما عشته، ومنها ما أتخيله. وحتى يكتمل ذلك ويتم أحتاج إلى موضع، إلى مكان.. مكان يمكننى أن أقعى فيه، أن أستند بظهرى إلى جدار، أصغى فيه إلى أصداء الحياة اليومية قادمة من بعد سحيق فتشير إلى ما يجرى ولا تحدده.
وهل مثل مساجد القاهرة العظيمة ما يوفر لى ذلك، مع تجوالى فيها، رحيلى إليها، وهجراتى إلى ما ارتبطت به منها، أصبحت لى أماكن آوى إليها وأعتصم قدراً من الوقت. ألوذ بالحجر!
مدرسة ومسجد وضريح وسبيل وكتاب السلطان الأشرف أبوالنصر قايتباى إحدى قلاعى الذاتية، إليه أمضى، وفيه أقعد، ومنه أرتحل. فتكتمل غربتى، وفى الغربة يتصالح الإنسان مع ذاته.
■ ■ ■
فى طفولتى الأولى بقصر الشوق، سمعت اسم قايتباى لأول مرة، أو كما ينطقه القاهريون الأصلاء «آيتباى»، بالنسبة لى كان مكاناً نائياً، قصياً، موحشاً، فيه مقابر يسكنها بعض الناس الذين قادتهم مصائرهم إلى هناك، قايتباى بدأ عندى اسماً لمكان مرتبط بالصحراء، والموت والعدم والإحساس بالخطر، والبعد أيضاً، كان إحساسى ببعده فى أول عمرى يساوى شعورى الآن ببعد سيبيريا أو آلاسكا.. فالأمر دائماً نسبى.
فى مدرسة محمد على الإعدادية، التى أصبح اسمها فيما بعد الحسين، كان أحد زملائنا يسكن قايتباى. كان اسمه اسحق، وكنت أتطلع إليه مخفياً استفساراتى، كيف يقطن زميلنا هذا المكان الموحش؟
مع الزمن عرفت الموضع خلال تجوالى القاهرى، وشيئاً فشيئاً نمت علاقتى به، من خلال مؤرخى مصر العظام، وحفّاظ زمنها، ابن إياس، وابن تغرى بردى، والجبرتى، والمقريزى وعلى باشا مبارك، وغيرهم، هكذا أضيفت أبعاد جديدة، والمكان يظل أصماً بلا معنى إذا لم تربطه بزمنه، بما جرى فيه، هكذا سرت الحياة فى الحجارة والنقوش، والزخارف، وهكذا تتوطد الصلة بين الإنسان وما يظنه جماداً.
■ ■ ■
لنتخيل ما كان عليه المكان فى الزمن القديم، خلاء ممتد، فسيح كان بعيداً عن القاهرة المسكونة الضاجة بالحياة، ولنضع فى الاعتبار المسافات بحساب الأيام النائية، عندما كان الناس ينتقلون مشياً، أو راكبين الدواب، هنا.. قامت قرافة المماليك الشرقية، والكلمة تطلق على أماكن دفن الموتى فى مصر، كلمة لا توجد إلا فى مصر فقط، يرجع بعض المؤرخين أصلها إلى قبيلة المغافر العربية، كان يقال لهم بنوقرافة، هذا تعليل وربما كانت هناك أصول أخرى للاسم لا ندريها الآن، المهم أن السلطان قايتباى شرع بعد عامين من توليه الحكم عام 872 هجرية، فى بناء تربته.
يقول ابن إياس فى تاريخه، بدائع الزهور فى وقائع الدهور فى أحداث ذو الحجة عام 874 هجرية.
«وفيه ابتدأ السلطان بعمارة تربته التى أنشأها فى الصحراء، وجعل بها جامعاً بخطبة، وقرر به صوفة وحضوراً بعد العصر، وأنشأ هناك عدة خلاوى برسم الصوفة وحوضاً وصهريجاً وأشياء كثيرة من وجوه البر والمعروف».
حقا.. ما أذكى ابن إياس، لم يقل إن السلطان بنى مسجداً أو مدرسة، إنما قال إنه أنشأ تربة، أى مدفناً، وهذا عمل لم ينفرد به قايتباى، إنما كان أول ما يشرع فيه أى حاكم يتولى حكم مصر، أن يشرع فى بناء تربته، والحق أنه همُّ أى مصرى، أميراً كان أو موظفاً أو تاجراً، أو إنساناً عادياً، والحرص على اقتناء مقبرة لتكون مأوى أبدياً من الأمور الجليلة عند المصريين، إنه المضمون الفرعونى القديم، الانشغال بالخلود، ليس تولها فى الموت، ولكن حباً فى الحياة الدنيا، وشوقاً إنسانياً خالداً إلى الرغبة فى بقائها على هيئة عمل صالح، أو عمل جميل يضمن استمرار السيرة، فالذكر للإنسان عمر ثان، لم يتغير مضمون مصر القديم وانشغالها الروحى، الرموز فقط هى التى تتبدل، فمن أهرام إلى كنيسة إلى مسجد. وهذا موضوع يطول الحديث فيه.
هناك، فى الصحراء التى كانت نهاية العمار، وبداية الخلاء أقام قايتباى تربته، وللأسف لم أستدل على اسم المهندس الذى صمم وشيد هذا البناء الجميل، فى وقائع ذو القعدة عام 883 هجرية يقول ابن إياس إن السلطان نزل من القلعة وتوجه إلى جهة القرين بمحافظة الشرقية الآن. وكشف عن الجامع والسبيل اللذين أنشأهما هناك، وكان الشاد على العمارة الأمير يشبك الجمالى.
شاد العمائر هو المسؤول عن البناء، فهل هو يشبك؟ ربما، وربما سجل المهندس المصرى المجهول لنا اسمه فى زاوية قصية غير مرئية من البناء، فإلى الملوك والسلاطين تنسب هذه العمائر الجليلة، لكن عباقرة هذا الشعب العظيم البناء لا يذكرون أنفسهم.
إنهم يجيئون من أعماق القرى، ومن على ضفاف النيل، يحملون الحجارة، والأتربة، وينقشون الجص، ويلونون الجدران، ثم يمضون فى صمت، يجيئون من المجهول ويمضون إلى المجهول، كلنا نقول هرم خوفو، أو معبد رمسيس، أو مسجد السلطان حسن، أو قلعة محمد على، لكن من يعرف منا آلاف الذين حركوا هذه الأحجار، وهذبوها، ورصوها، وارتفعوا بها إلى الفراغات العلى، من مات تحت الردم، ومن سقط من فوق البناء.
يذكر ابن إياس حادثاً عجيباً، غريباً، وقع أثناء حكم الأشرف قايتباى، ذلك أن عاملاً فقيرا، نجاراً، سقط من فوق سقالة أثناء عمله بطباق المماليك بالقلعة فأمر السلطان بكفن له من ثلاث طبقات، وصرف لعائلته الفقيرة مبلغاً من المال، ونزل وصلى على العامل الفقير!
يقول ابن إياس بالنص فى حوادث شوال سنة 876 هجرية.
«وفيه وقعت حادثة غريبة وهو أن نجاراً كان عمَّالاً فى القلعة فى بعض الطباق فسقط من مكان عال فمات لوقته، كان له أولاد وعيال وهو فقير. فوقفوا أولاده وعياله بقصة للسلطان، بقصة يلتمسون منه شيئاً من الصدقة، فلما وقفوا إليه أمر لهم بمائة دينار، وأمر للميت بثوب بعلبكى وثلاثة أشرفية يجهزونه بها فعد ذلك من محاسن الأشرف قايتباى»!
من حق ابن إياس أن يعتبر ذلك غريباً، فلم تسجل لنا وقائع التاريخ أى اهتمام بأولئك الذين شيدوا هذه المبانى، أو الذين نقشوا الزخارف، أو كتبوا الخط، أو الذين صقلوا الأحجار عند زيارتى إلى المبانى العظيمة أذكر أولئك المجهولين وأترحم عليهم، وأقرأ الفاتحة على أرواحهم، أولئك الذين لا يعرفهم أحد ولا يذكرهم أحد.
لابد أن السلطان اطلع على نموذج للمسجد قبل بنائه، يذكر المقريزى أن ابن طولون تفحص طويلاً نموذجاً مصنوعاً من الجلد لمسجده، كذا بقية السلاطين والأمراء، ولابد أن مصمم هذا المسجد كان شاعراً فى أعماقه، لا أعرف أى مبنى فى العالم رأيت فيه هذا التناسق الفريد بين النسب، كما تتجسد فى مسجد قايتباى، بين القبة والمئذنة بين المسجد والسبيل.
لقد صمم المهندس المصرى المجهول قصيدة من الحجر.
هذا التناسق يبدو من بعيد كما يلوح من قريب، وفى كل ساعات النهار والليل، فى تقلبات الطقس المختلفة يبدو هذا الجمال الفريد، والذى جعل مصممى النقود فى النصف الأول من هذا القرن يضعون صورة المسجد على أثمن ورقة مالية وقتئذ، من فئة المائة جنيه، كان الناس يقولون «الورقة أم مئذنة»، إنها مئذنة مسجد قايتباى، هذه المئذنة الرشيقة، التى أهيم بها إذا نظرت إليها عند عبورى طريق صلاح سالم، أو عند دنوى منها، أو عند صعودى إلى سطح المسجد حيث يبدأ ولوجى داخلها، أو عند وقوفى فى أعلى شرفاتها، فأرى منها الخلاء اللامتناهى، وأشعر أننى أكثر قرباً من السماء، من الصفاء، من الخالق.
للأسف الموجع.. أحيط خصر هذه المئذنة النحيلة بعدد من مصابيح النيون القبيحة التى تشوهها فى الليل، وحتى يتم إضاءتها مدوا أسلاكاً كهربائية، بعضها عار داخل المئذنة، مما يهدد بكارثة مروعة، فقبة المسجد من الخشب، وأقل ماس أو شرر يطيح بها. مرة أخرى إننى أنبه وأحذر المسؤولين فى هيئة الآثار، لعلهم يتحركون لعلهم يفعلون شيئاً للمسجد الذى لم يهتم به أحد بعد رحيل الشهيد أحمد قدرى. وما نطلبه ليس بعسير، إزالة هذه السلوك، واستبدال مصابيح النيون بنظام إضاءة من الخارج يبرز ولا يخفى، يكشف عن جمال الأثر ولا يشوهه.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
■ ■ ■
لكى نلج المسجد، لابد أن نرتقى.. أن نصعد إليه.. أربع عشرة درجة عريضة، تؤدى بنا إلى المدخل.
وللمداخل فى البنيان الإسلامى شأن عظيم، فالمدخل هو الذى يفصل بين عالمين، بين العام والخاص، بين الوضوح والسر، بين العلانية والخصوصية، والمدخل طبقاً للتقاليد الإسلامية لابد أن يكون جميلاً، رائعاً ولهذا تفنن الصناع فى تجميل الأبواب القديمة، ولأن المدخل أول ما تقع عليه عينا الضيف فلابد أن يتضمن بحضوره دعوة، وإشهاداً بالأمان، لذلك تكتب الآيات القرآنية أو الجمل المطمئنة المرحبة.
«ادخلوها بسلام آمنين..»
«يا مفتح الأبواب، افتح لنا خير باب..»
منذ عامين كنت فى فلورنسة بصحبة الشاعر الكبير أدونيس وأثناء تجولنا فى شوارعها لاحظت الأبواب المتجهمة للبيوت، وللمنشآت المختلفة، كانت مقابضها على هيئة حيوانات مفترسة وشياطين بقرون، ومحاربين بشعى الهيئة، واستعدنا الأبواب المغربية التى صورتها الفنانة التشكيلية لطيفة التيجانى وجاءت لتعرضها على الإيطاليين، كل باب تحفة، والأهم أنه دعوة للسلام، وللترحيب، وللشعور بالأمان.
هكذا أيضاً مدخل مدرسة قايتباى، ولكن يضاف إلى ما ذكرته الخصوصية المصرية، الواجهة المرتفعة المحيطة بالمدخل تذكرنى بالمعابد الفرعونية العظمى من الخارج، الواجهة هنا بلقاء، والأبلق مصطلح معمارى يطلق على الجدران التى كانت صفوف الحجر فيها ذات لونين، أبيض وأحمر. أو أبيض وقاتم.
فوق الباب دائرتان محفورتان فى الحجر، إنهما رنك السلطان أى شارته، أو شعاره، أو خاتمه، أو بمعنى آخر «الخرطوش» الفرعونى القديم. أما كلمة «رنك» فأصلها فارسى وتعنى لون، كان الرنك أو الختم أو الخرطوش يطبع على سائر ما يمت للسلطان، أو يصدر عنه، نراه محفوراً على واجهات الأبنية أو منقوشاً على الأبواب، محفوراً فى الأوانى المعدنية، على الملابس، إنه نوع من التواجد المستمر للسلطان على الأشياء والموجودات وربما كان البديل له الآن الصور التى تعلق فى كل مكان أو الظهور المستمر فى وسائل الإعلام المرئية. لكن هذا كله لا يلغى القيمة التاريخية المستمرة للرنك.
كان فى العصر الفرعونى خرطوشة مستطيلة الشكل يكتب داخلها اسم الفرعون وشعاره، وفى العصر المملوكى أصبح دائرة داخلها اسم السلطان وشعاره. إنه الختم على الأوامر، والرسائل، والمبانى، والملابس، سوف نرى رنك قايتباى على جدران المسجد، أعلى المدخل، وعلى الجدران الداخلية، وعلى قاعدة القبة، وفوق الأخشاب المحفورة.
الأشرف أبد النصر قايتباى
عز نصره
إنه الختم الرسمى، الذى بدونه تفقد أى ورقة مصداقيتها وبدونه لا تنتمى هذه المنشأة إلى صاحبها ومؤسسها، إنه الختم الذى يؤكد صحة التوقيع، مهما كانت شخصية الموقع، ولنا عودة إلى تقاليد الدواوين المصرية.
■ ■ ■
نجتاز المدخل.
ومدخل هذا المسجد متواضع، هامس، مرحب، ليس شاهقاً مثل مدخل مدرسة السلطان حسن، وليس غامضاً مثل مدخل قبة المنصور قلاوون، إنه مدخل صريح لا يوحى بما سنراه فى الداخل من ثراء روحى ومادى. نجد أنفسنا فى مساحة توازى غرفة متوسطة، إلى اليمين وفى المواجهة باب خشبى جميل يؤدى إلى السلم الصاعد إلى الكتاب الذى يعلو السبيل الموجود خلفنا إلى اليسار، وإلى السطح حيث بداية ارتقاء المئذنة.
لنتطلع إلى سقف المدخل الخشبى، هذه الألوان المعتقة، المتناغمة، الكامنة فى الظلال العلوية، عليك اكتشافها بإطالة النظر إلى أعلى، مرة توحى بالنجوم، والليل، ومرة توحى بزرقة السماء فى النهار، على الجدران لوحات من الرخام، مستطيلات ومربعات منقوشة، الأرضية تتداخل فوقها الأشكال مدخل هادئ، لكن كل جزء فيه أعد بعناية، منمنم، وتلك سمة المكان كله.
لنمض!
■ ■ ■
إلى اليمين دهليز ضيق، هذا الدهليز قد يطول كما هو الحال فى مسجد السلطان حسن أو مسجد الظاهر برقوق، أو يصبح قصيراً كما هوالحال هنا، لكن فى كلا الوضعين يؤدى إلى الغرض نفسه، وهو عدم الدخول إلى الصحن الرئيسى، إلى القلب، إلى المركز مباشرة، إنه مرحلة الانتقال من الخارج إلى الداخل، أو من الداخل إلى الخارج، من عالم إلى عالم، ومن حضور إلى حضور، تلك سمة تميز المساجد المصرية الصميمة، بعكس المساجد القاهرية ذات الأصول الوافدة، ومنها مساجد القاهرة الأولى الفاطمية، الحاكم، والأقمر، والأزهر، والصالح طلائع، حيث تدخل إلى الصحن مباشرة، وعند وقوفك فى الطريق الخارجى يمكنك رؤية الداخل أو جانب منه، فى المساجد المصرية لابد من مرحلة فاصلة، لابد من عملية تحضير غير مباشرة يقوم بها المدخل والدهليز.
ما من مرة عبرت فيها هذا الدهليز إلا وشعرت أننى أرتحل، أو أننى أنتقل من طور إلى طور، فاصل بين عالمين، المادى اليومى بكل ما فيه من ضجيج وكدورات، ومشادات، وصراعات سخيفة، ومفارقات، وبين هذا العالم الروحى الذى يتجه فيه العبد إلى ربه، ويتضح الأمر بين الإنسان وخالقه، إنها خطوات قليلة، لكنها تفصل الإنسان وتهيئه للدخول إلى عالم مختلف، هل لهذا السبب تبدو أصوات الشارع القريب بعيدة جداً عند الإصغاء إليها من داخل صحن المسجد، عند دخولى إلى قبة قلاوون، أتطلع إلى شارع المعز عبر النوافذ الضخمة، الطريق فى متناول اليد لكنه بعيد جداً فى الوقت نفسه، عند جلوسى مستنداً بظهرى إلى جدار مسجد المؤيد والذى اعتدت أن أقرأ فيه أو أرحل بفكرى إلى هنا أو هناك. يكون الطريق المزدحم لسوق الغورية فى المدى مباشرة، ولكنه بعيد بكل ضجيجه وصراخ باعته وزبائنه.
هذا الدهليز الفاصل يجتازه الإنسان بخطوات تنقله من عسر إلى يسر، من ضيق إلى فرج، كأنه الوصلة ما بين رحم الدنيا والخروج إلى عالم مغاير، مختلف، هكذا.. يبدأ الصحن الداخلى فى الظهور، الألوان، الحضور، يبدأ انسدال السلام والطمأنينة على الروح. يلوح جانب من الإيوان المواجه، يبدأ ولوجنا إلى منظومة الألوان، والأضواء، والظلال، وإذ نلج الصحن تماماً، نقف فى مدخله، نتطلع إلى الإيوانات الأربعة، ينزل برد وسلام على القلب، هذا كون روحى مصغر، حيث يشير كل جزء من البناء، حجراً كان أو خطاً أو وحدة زخرفية أو مقرنصة أو قطعة زجاج إلى الخالق الأعظم الذى لا تدركه العيون ولا تحيط به الأبصار.
■ ■ ■
لنصغ قليلاً إلى وصف معمارى متخصص. يقول الدكتور كمال الدين سامح:
«تعتبر مجموعة قايتباى بالقرافة الشرقية من أبدع وأجمل المجموعات المعمارية فى مصر الإسلامية، ويتكون المسقط الأفقى من صحن مربع محاط بأربعة إيوانات أكبرها إيوان القبلة، الجانبيان منهما صغيران وإيوان القبلة يشرف على الصحن بواسطة عقد مدبب من طراز نعل الفرس كما هو الحال فى إيوان القبلة بمدرسة الظاهر برقوق بالنحاسين، ويكتنف المحراب من جهتيه نافذتان شكلهما من الخارج داخل تجويف مستطيل الشكل ومن الداخل يظهران معقودين وتعلوهما نوافذ مدببة تملؤها أجزاء من الزجاج الملون، وأسقف الإيوان الرئيسى من الخشب المزخرف والمحلى بنقوش مذهبة، وقد كان الصحن فى بادئ الأمر بسقف من الخشب يعلوه منور مثمن، وبجواره إيوان الصلاة الضريح الذى يبرز قليلاً عن الواجهة الجانبية ومغطى من أعلاه بقبة حجرية محمولة على مقرنصات مزخرفة من الخارج بزخارف نباتية داخل مناطق هندسية محفورة على الحجر».
■ ■ ■
هذا ما كتبه الدكتور كمال الدين سامح فى كتابه «العمارة الإسلامية فى مصر»، ولن يخرج الأمر عن ذلك الوصف المختصر فى الدراسات الأخرى الحديثة. وإن كان الدكتور عفيف بهنسى قد توقف مطولاً أمام المسجد فى كتابه الضخم الفن الإسلامى الذى طبع فى دمشق.
للأسف.. لا توجد صور دقيقة للمسجد يمكن أن يشتريها الزائر، لا ملونة ولا غير ملونة، وفى بلاد العالم المختلفة بعد أو قبل الزيارة يمكن للزائز أن يجد ركنا صغيراً فى المتحف أو الكنيسة، يبيع نماذج للمكان أو ما يضمه من تماثيل ولوحات، وسلايدات، شرائح ملونة، وبطاقات بريد، وكتب عن تاريخ المكان، لماذا لا تقوم هيئة الآثار بعمل منظم يستهدف بيع النماذج واللوحات والكتيبات باللغات المختلفة فى المواقع الأثرية الفرعونية والقبطية والإسلامية، إلى جانب دلالة ذلك الثقافية فإنه عمل تجارى مربح، ولكن.. من يسمع ومن يرى؟
أذكر بعد وقوفى مطولاً أمام تمثال موسى الذى أبدعه مايكل أنجلو أن خرجت إلى مكتبة صغيرة عند مدخل الكنيسة التى يوجد بها التمثال، مخصصة فقط لكل ما يدور حوله، بدءاً من الكتب التى تدور حوله، حتى بيع نماذج مختلفة الأحجام له، وقد اشتريت نموذجاً من الرخام دقيقاً إلى حد كبير، أضعه فوق مكتبى. كمصدر تحد واستفزاز أقول لنفسى دائماً: يجب أن تتعامل مع الأدب، مع الكلمات، كما تعامل مايكل أنجلو مع الحجر الصلد فأوشك أن ينطقه.
فى القرن التاسع عشر جاء إلى مصر معمارى ومهندس وفنان كبير، إنه «بريس دافن»، أمضى عدة سنوات ليرسم زخارف ونقوش الفنون الإسلامية من عمارة، وأخشاب، ورخام، وجص، ونحاس، وجلود، وخط.
فرنسيان جاءا إلى مصر ورسما ودرسا العمارة الإسلامية، باسكال كوست، وبريس دافن، وكتاباهما يعتبران الآن من النفائس، وقد طبع كتاب بريس دافن فى فرنسا خلال القرن التاسع عشر، ومنذ سنوات أعادت دار نشر لبنانية خاصة إصداره فى نسخة تشبه تماماً النسخة الأصلية، تتكون من نص مكتوب وثلاثة مجلدات ضخمة، يصل حجمها إلى حوالى متر طولاً وسبعين سنتيمتراً عرضاً، ويبلغ ثمن هذا الكتاب بضعة آلاف من الجنيهات الآن، ولكم كنت أتمنى أن يعاد إصدار مثل هذه الكتب عن دور نشر مصرية، خاصة الهيئة المصرية العامة للكتاب، ولكن.. لم يحدث هذا،
ومنذ عامين أقدم المهندس عهدى فضلى مدير عام مطابع أخبار اليوم على خطوة ذات بعد ثقافى فى مدلولها، وتدل على حس وطنى سليم، عندما قام بإصدار نتيجتين، الأولى تضم ست لوحات من بريس دافن، والثانية تضم اثنتى عشرة لوحة من الكتاب نفسه، وتباع كل منهما بقروش زهيدة، وعند سفرى أحمل عدداً منها كهدايا إلى الأصدقاء الأجانب، ولكم يكون سرورى بالغاً إذ ألمح انبهارهم. أولاً بجمال الآثار الإسلامية وثانياً بروعة الطباعة. إننى أفضل لوحات بريس دافن وأديم النظر فيها، كتابه فى متناول يدى باستمرار، أتوقف عند مسجد قايتباى، لأرى كيف كان يبدو فى النصف الأول من القرن التاسع عشر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.