سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
لماذا بدأ «السيسى» زيارته للصين بالعلم ولقاء رؤساء 36 جامعة ومركز بحث صينياً وأنهاها بالعلم.. وزيارة «سيشوان» إحدى أكبر القلاع الصناعية وأهمها ؟..السبب فى سر خلطة صناعة الإرادة الصينية لبناء دولة قوية
لكل فرد نقطة انطلاق، ولكل وطن حدث يجعل ما بعد، غير الذى كان قبله.. فى اليابان يؤرخون لزمنهم بما قبل القنبلة النووية وما بعدها، وفى ألمانيا يكتبون تاريخهم بمقارنة ما كان قبل هدم سور برلين وما حدث بعد إزالته، وفى الصين تحدد الحياة بما كان قبل تأسيس الجمهورية الشعبية فى 1949، وماحدث بعدها من قفزات متتالية نحو القمة. نحن فى مصر نبحث عن نقطة انطلاق، عشنا سنوات كثيرة نتمنى ظهور تلك النقطة، هذا الحدث الذى يمكنا من وضعه فى المنتصف بين «مصر قبل كذا» و«مصر بعد كذا»، حدث الأمر لكنه لم يكن فارقًا بالشكل الذى يجعل الصورة مختلفة تمامًا، كما حدث فى ألمانياواليابانوالصين. مصر قبل 73 غير مصر بعدها قطعًا، ومصر قبل اغتيال السادات غير بعدها فعلًا، ومصر بعد مبارك غير مصر التى كانت تحت سيطرته، ومصر بعد 30 يونيو تختلف عن مصر التى كان يريد الإخوان امتلاكها، ورغم ذلك لم يصنع حدث واحد فيها تلك العلامة الفارقة القادرة على نقل مصر إلى المقدمة، رغم أن كل حدث فيها كفيل بأن يغير مسار دول، وأقدار أوطان. لم يحدث فى مصر التغيير المناسب والملائم لحجم الأحداث، لتتبقى لديك نتيجة وحيدة تقول بأن الأزمة كامنة فى العنصر البشرى، ربما لم يستوعب الأحداث، وربما لم يدرك اللحظة التى يجعل منها منصة انطلاق، وربما لا يملك الإرادة الكافية لتطويع الأحداث لخدمته كما فعل أهل اليابانوألمانياوالصين.. تحديدًا الصين. وتحديد الصين هنا، لأن كل الدراسات والتأملات الخاصة بالتجربة الصينية تشير- دون شك- إلى المواطن الصينى كرأس حربة فى التغيير، ودفع وطنه إلى الأمام، بإرادة نقلت الصين من صفوف الفقراء إلى ذلك الصف الذى تناطح فيه الولاياتالمتحدةالأمريكية على قمة العالم. منذ أيام كنت هناك، فى العاصمة الصينيةبكين، حيث الأضواء والأنوار والزحام.. السير فى شوارع بكين المنتظمة كما خطوط الحاسب الآلى، والواقعة كما الوديان بين جبال شاهقة من المبانى الخرسانية الحديثة الطراز، المتطورة المعمار، وبين آلاف السيارات الفارهة، أمر كافٍ للإيمان بشعار الحملة الإعلانية لمنتجات أديداس الشهيرة.. «Impossible is Nothing»، المستحيل لا شىء، خاصة مع إدراك الحالة التى كانت عليها بكين قبل 20 عامًا من الآن، وكيف انتقلت من وضعها العشوائى القبيح إلى شكلها الحضارى الحالى. وهذا هو تقريبًا ملخص التجربة الصينية.. الإرادة التى خلقت للمواطنين قبل أهل السياسة والسلطة القدرة على البناء والإنجاز السريع، القدرة على تصدير إحساس التغيير والرغبة فى التطور إلى كل مواطن على أرض الصين، القدرة على إقناع المواطن الصينى بأنه أساس المعادلة كلها، إذا استوعب وتفهم وتحمل وقدم التضحية خلف الأخرى سيحصل فى النهاية على وطن أفضل. وهذا هو ما نحتاج بالضبط إلى استيراده من الصين، المواطن الصينى أو روح المواطن الصينى إن شئنا الدقة، نحتاج إلى استيراده أكثر من الفوانيس، وكل الأطنان التى تصل مصر من الصين، نحتاج إلى تلك الروح التى تجاهلت رغبة الغربة فى تحطيم حلم الصين التى تعاملت مع كل التدخل الغربى فى شؤون بلادها، وكل الاتهامات الأمريكية للسياسة الصينية برد عملى، هو المزيد من العمل. ربما لهذا السبب ذهب عبدالفتاح السيسى إلى الصين، يطلب منهم الإرادة، السرعة فى البناء والإنجاز، يطلب منهم خبرة إعادة بناء الدولة وتقديمها مرة أخرى فى ثوب القوة، لا ثوب الباحث عن الإعالة، ربما كان ذلك هدفه، أو ربما تلك أمنية خلقتها الأجواء الصينية، وقصص الانتقال من مركبة ذيل العالم إلى حيث كابينة قيادته. السير فى هذا الطريق، طريق اعتقاد أن السيسى أراد من التجربة الصينية خبرتها فى إحياء الإرادة الشعبية، وإعادة بناء وطن من كومة رماده، تعززه طبيعة الزيارة وظروفها، وبدايتها وخاتمتها، والرسالة التى كررها السيسى على مسامع الصينيين فى كل الاجتماعات مرة على سبيل الإشارة، ومرة بطريقة حازمة، ومرة ثالثة فى هيئة شرط مسبوق قبل أى تعاقد أو استثمار. بدأ السيسى زيارته بالعلم وأنهاها بالعلم، بدأ أولى فعاليات زيارته للصين بلقاء رؤساء أكثر من 36 جامعة ومركز بحث صينيًا، وأنهاها بزياة مقاطعة «سيشوان» إحدى أكبر القلاع الصناعية وأهمها فى الصين، والتى تضم بشكل أساسى مشروعات البحث العلمى والتكنولوجى، ومصانع الطاقة التقليدية والجديدة والمتجددة، وربما تعزز لك هذه البداية إدراك السلطة فى مصر إلى أن ما تريده من الصين ليس المال ولا العون السياسى بقدر ما تريد العلم، أو سر خلطة صناعة الإرادة الصينية لبناء دولة قوية. فى النصف الأول من القرن العشرين سقطت الصين فى فخ الحروب الأهلية التى قسمت البلاد إلى معسكرين سياسيين رئيسيين، هما «الكومينتانج»، الحزب القومى الصينى، والشيوعيين، حتى انتهت أعمال العنف الكبرى فى عام 1949 عندما حسم الشيوعيون الحرب الأهلية، وأسسوا جمهورية الصين الشعبية.. رقميًا يعتبر البعض هذا العام هو بداية التجربة الصينية، لكن الحقيقة تقول إن عام 1978 هو البداية الحقيقية لظهور الصين فى ثوبها الجديد، لأنه كان العام الذى حققت فيه الصين معدلات نمو إيجابية بحد أدنى %6 سنويًا، رغم ما اعترضته من عقبات، ومن بعده نجح القطاع الخاص الصناعى فى الصين أن يحقق نموًا فى 3 أعوام من عام 1980 حتى 1993 بلغ %11.5 سنويًا، وكان النمو الصينى قويًا، ولم يأت مصادفة أو على عجل، بدليل أنه حينما تعرضت اقتصاديات دول شرق وجنوب شرق آسيا لهزة كبيرة فى 1997 حتى بدايات 1999 كان الاقتصاد الصينى يسير بخطوات ثابتة، محققًا نموًا كبيرًا بلغ %8.8، ومن يومها تتنامى القوى الصينية بشكل منتظم وقوى وثابت. كيف حدث ذلك؟! يجب أن تعود مرة أخرى إلى ما قبل 1949 لتكتشف أن الصين فى هذا الوقت كانت دولة فقيرة وضعيفة، تعداد سكانها 500 مليون، لا يعرفون طريقًا ولا علمًا ولا مستقبلًا، وقتها أدرك قادة الصين ومواطنوها أن اتساع الفجوة بينهم وبين العالم فيما يخص الاقتصاد، وسرعة التنمية، فعملوا على إصلاح النظام الاقتصادى، وإعادة تأهيل المواطن الصينى للمرحلة الجديدة، لتأتى الانطلاقة الكبرى مع تولى الأمور «دينج هسياو ينج» الأب الروحى للنهضة الحديثة، الذى عمل على التحول التدريجى من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق، والمزج بين الاثنين، ومحاولة الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية. وقد حدد «دنج شياونيج» ثلاث نقاط أساسية تحرص عليها الصين، هى: «دعم العمل من أجل حكومة نظيفة وأمينة، بذل الجهود لتضييق الفجوة فى التنمية الاقتصادية بين شرق الصين وغربها، ملاحظة الضغوط المتزايدة للتضخم المحتمل»، وفى هذه الفترة بدأ الإصلاح يتم بشكل منهجى، بدأ أولًا فى الريف، وتعميم مسؤولية الانتفاع من الأراضى على الفلاحين، ثم ألغت الحكومة نظام توحيد الشراء وتحديد الحصص، وألغت كثيرًا من السياسات الحكومية، كنظام توحيد الشراء للفلاحين بتنشيط الاقتصاد المتنوع، وإنشاء المؤسسات الريفية، الأمر الذى أثار حماس الفلاحين فى الإنتاج إلى حد كبير، وهذا ما نحتاج إلى فعله مع الفلاحين فى مصر الآن، نحتاج إلى إحيائهم من جديد. المرحلة الثانية للإصلاح بدأت فى عام 1984، وتم نقل إصلاح النظام الاقتصادى من الريف إلى المدن، وخلال تلك الفترة تحمل المواطن الصينى مرحلة من التقشف لا يمكن الاستهانة بها، بل يجب التعامل معها كدلالة على عظمة المواطن الصينى، ودوره الكبير فى هذه النقلة النوعية لوطنه فى سنوات قليلة، حتى أن تحمله لهذا التقشف ساهم كثيرًا فى عدم إطالة مدته، حيث أعلنت الحكومة عام 1992 عن نهاية برنامج التقشف، وأبدت اهتمامها بالإسراف فى جهود الإصلاح والانفتاح الاقتصادى الخارجى مع التأكيد على مبدأ «اشتراكية جديدة ذات ملامح صينية». وبعد تجربة الإصلاح والانفتاح لمدة عشر سنوات، استطاعت الصين بلورة مفهوم اقتصاد السوق الاشتراكى، لتحديث تسوية عملية ونظرية بين الحفاظ على دور الدولة التدخلى فى الاقتصاد من وجهة، وخلق فضاءات أو جزر اقتصادية ليبرالية من جهة أخرى، ربطتها بالاقتصاد العالمى، تلك التجربة سمحت لها بالاندماج دون أن تعانى من الزلازل التى تواكب عادة التحول من الاقتصاد المغلق إلى الاقتصاد المفتوح. كل ما سبق أدى إلى نتيجة واحدة، أينما تذهب بوجهك ستجد الصين، إما فى شكل منتج، أو مواطن ينتج، حتى أسواق الدول الصناعية يسيطر عليها المنتج الصينى أو الخبرة الصينية، وأغلب دوريات الأبحاث العلمية لا تخلو من اسم لباحث صينى، حتى دورى كرة السلة للمحترفين فى أمريكا يتصدر مشهده لاعب أو اثنان من الصين. كيف وصلت الصين إلى هذا؟، كيف نجح هذا الوطن المنغلق على نفسه حتى سنوات قليلة مضت فى الانطلاق بهذا الشكل؟، كيف يهرول الجميع خلف السوق الصينية؟.. على هذه الأسئلة توجد العديد من الإجابات الخاصة بدراسات، ووجهات نظر اقتصادية وسياسية، لكن تبقى الإجابة الوحيدة المشبعة والمنطقية والقابلة للتصديق هى المواطن الصينى الذى يعرفه العالم بأنه الأيدى العاملة الرخيصة والماهرة، بينما تعرفه الصين بأنه المادة الخام التى تشكل مستقبل هذا الوطن كقوة عظمى، لأنه ليس كل يد عاملة رخيصة قادرة على أن تفعل ما فعله المواطن الصينى، فلم تفعل ذلك اليد العاملة فى الهند وباكستان وأمريكا اللاتينية ودول أفريقيا، لأن اليد العاملة فى الصين تميزت بالعلم الذى جعل منها أيدى عاملة مؤهلة ومدربة تدريبًا جيدًا، كما تتوفر بأعداد كبيرة مؤهلات نادرة فى مجالات الهندسة والعلوم التطبيقية والاقتصاد وتقنية المعلومات، وكل ذلك حدث ببساطة لأن الصين وضعت نظام تعليم ملزمًا، يتطور حسب ظروف السوق، بحيث يبقى قادرًا دومًا على تزويد السوق بهذه الوفرة من الكفاءات. وهنا يكمن السر.. سر الإمبراطورية الصينية فى مواطن يمتلك عزيمة، ودولة لديها إرادة على تطوير هذا المواطن، والحفاظ على روحه كما هى، روح قادرة على البناء والتطور، وغير منفصلة أبدًا عن سوق العمل.