كتب عملاق الأدب العربى عباس محمود العقاد مقالا بعنوان " عرفت.. نفسى ! " بمجلة الهلال مارس 1947، متحدثا فيه كيف عرف الأشياء التي عرفها عن نفسه، ومؤكدا أنه لو عرف الإنسان نفسه لعرف كل شيء في الأرض والسماء، ولم يكتب لأحد الفناء، قائلا: عرفت أننى أثق بنفسى وأعتمد عليها، ولكنى أعتقد أننى وثقت بها عن طريق النفى قبل وثوقى بها من طريق الثبوت، فقد كنت في بادئ الأمر أحسب أننى أنا المخطئ وحدى، وأن جميع الناس على صواب. وعرفت أننى من أعجز الناس عن رفع حاجز واحد يقام بينى وبين إنسان، ولا سيما حاجز الكلفة والإعراض.. فإذا تلقانى إنسان بمثل هذا الحاجز فلا اقتراب بينى وبينه أبد الدهر، وليس أشق على نفسى من تلك الزلفى التي يزلف بها بعضهم لكسب صداقة أو تمكين علاقة، فإن زال الحاجز وحده فهناك يمتزج العقل بالعقل والنفس بالنفس طواعية وعفوا كأننا في عشرة حميمية منذ سنين. وعرفت أننى أكره الهزيمة في كل مجال.. ولكن يشهد الله أننى أعاف النصر إذا رأيت أمامى ذل المنهزم وانكسار المستسلم. ولولا هزيمتى أبغض إلى من هزيمة خصمى لا بغضت النصر الذي يفضى لا محالة إلى انهزام واستسلام ، وأعرف أن العادة قوية السلطان ولا تعصمنى منها إلا الثورة النفسية، فكل بناء تبنيه العادة ينهار فيما بين ليلة ونهار. وأعرف أننى أعامل الناس والأشياء كأنهم معادن مجردة في الضمير، لا كأنهم شخوص ومحسوسات، وأكره الظلم حين أكره الظالم، والشر حين أكره الشرير، والخبث حين أكره الخبيث، ولهذا يفوتنى أحيانا أن أفرق بين كراهية المبدأ وصاحب المبدأ، ولا يسيغ طبعى ما يقال عن التفرقة بين العمل وعامله من الاطهار ! وعرفت أن الفيلسوف سقراط كان يستعير لغة الكهانة حقا حين قال: " اعرف نفسك! " لأنه كان كمن يطالبنا بمعرفة الغيب أو معرفة المجهول وكلاهما من صناعة الكهان !.