قدمت مدريد، في لحظة دولية شديدة الحساسية، نموذجًا لدولة حليفة ترفض أن تتحول إلى ساحة صراع، وتصر على أن تبقى شريكًا لا تابعًا. ويبقى السؤال المطروح أمام الدول العربية اليوم: هل يمكن الجمع بين الحماية والاستقلال في آن واحد، أم أن ثمن الاصطفاف الكامل قد يصبح أكبر مما يبدو في لحظة الاطمئنان المؤقت؟ فالتاريخ كثيرًا ما أثبت أن أخطر ما تواجهه الدول ليس العدو الخارجي وحده، بل فقدان القدرة على اتخاذ القرار حين تشتد العواصف. فرغم تسارع التحولات الجيوسياسية التي تعيد صياغة موازين القوة والنفوذ، فلم تعد قيمة الدول تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروة أو تسليح، بل بمدى قدرتها على اتخاذ قرار سيادي مستقل حين تتعارض ضغوط التحالفات مع مصالحها الوطنية.
ومن هنا بدا الموقف الذي اتخذته إسبانيا مؤخرًا لافتًا للنظر، حين قررت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز وضع قيود واضحة على استخدام القواعد العسكرية الواقعة جنوب البلاد في أي تصعيد عسكري مرتبط بالمواجهة مع إيران، رغم أن مدريد عضو فاعل داخل منظومة حلف شمال الأطلسي، وأحد شركاء الولاياتالمتحدة التقليديين في أوروبا. هذا الموقف لا يعكس خروجًا عن التحالفات الغربية بقدر ما يعبر عن فهم مختلف لمعنى الشراكة؛ شراكة تقوم على المصالح المتبادلة لا الاصطفاف التلقائي، وعلى حق الدولة في تحديد حدود انخراطها العسكري بما يحفظ أمنها الداخلي ويجنبها التحول إلى طرف مباشر في صراعات لا تمس أمنها القومي بصورة مباشرة.
وقد بدا القرار الإسباني وكأنه تذكير عملي بأن التحالف لا يعني بالضرورة التبعية، وأن الدولة تستطيع الاحتفاظ بعلاقات استراتيجية وثيقة مع واشنطن دون أن تتحول أراضيها إلى منصة مفتوحة لإدارة الحروب. وعند إسقاط هذا المشهد على الواقع العربي، تتبدى مفارقة شديدة التعقيد؛ إذ اختارت دول عربية عديدة خلال العقود الماضية بناء جانب معتبر من منظوماتها الأمنية على الوجود العسكري الأمريكي أو الارتباط الاستراتيجي الوثيق به، في سياق تاريخي ارتبط بتهديدات إقليمية وصراعات مزمنة وحاجة ملحة إلى مظلة ردع خارجية.
غير أن التحولات الدولية الراهنة كشفت أن هذه المعادلة، التي وفرت قدرًا من الاستقرار لفترات طويلة، قد تحمل في طياتها كلفة استراتيجية متزايدة مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، لأن وجود قواعد أو تسهيلات عسكرية أجنبية يجعل أراضي الدول المستضيفة جزءًا تلقائيًا من حسابات أي مواجهة محتملة، حتى وإن لم تكن راغبة في الانخراط المباشر فيها. وهنا يظهر الفارق بين نموذجين في إدارة العلاقة مع القوة الكبرى؛ نموذج يسعى إلى الاستفادة من التحالف مع الاحتفاظ بهامش قرار مستقل، ونموذج آخر يجد نفسه أكثر التصاقًا بمواقف الحليف، بما يقلص قدرته على المناورة السياسية أو لعب أدوار الوساطة التي تحتاجها المنطقة العربية بشدة في زمن الاستقطاب الحاد.
فالدولة التي ترتبط منظومتها الأمنية بطرف دولي واحد تصبح أقل قدرة على اتخاذ مواقف متوازنة، وأقرب -بحكم الواقع- إلى الاصطفاف في صراعات تتجاوز مصالحها المباشرة. ولا تتوقف الخسائر المحتملة عند البعد الأمني وحده، بل تمتد إلى الاقتصاد والاستقرار طويل المدى؛ إذ إن أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة يهدد الاستثمارات وحركة التجارة والطاقة والسياحة، ويضع خطط التنمية الوطنية تحت ضغط دائم من عدم اليقين.
كما أن الارتباط الواضح بمحاور الصراع ينعكس على الصورة الذهنية في الوعي الشعبي العربي، خاصة في ظل الحروب الجارية وما ولدته من احتقان سياسي وعاطفي واسع، وهو ما قد يخلق فجوة متنامية بين السياسات الرسمية وتطلعات الشعوب. المفارقة الأكثر دلالة أن إسبانيا، البعيدة جغرافيًا عن بؤر الصراع في الشرق الأوسط، استطاعت أن ترسم لنفسها مساحة استقلال داخل التحالف الغربي ذاته، بينما تجد دول تقع في قلب العالم العربي نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا بين متطلبات الحماية الخارجية وضرورات السيادة السياسية. أخطر صفقات القرن! الدرس الإيراني ومستقبل العرب؟! فالقوة في عالم اليوم لم تعد تعني فقط امتلاك السلاح أو استضافة القواعد، بل امتلاك القرار المتعلق بكيفية استخدامهما ومتى يجري استخدامها.. الدرس الإسباني مهم جدًا للعرب إن كانوا يريدون الاستقلال والاستقرار! ولا يعني ذلك تجاهل التحديات الأمنية الحقيقية التي تواجهها الدول العربية أو التقليل من أهمية التحالفات الدولية، غير أن التحولات نحو عالم متعدد الأقطاب تفرض مراجعة تدريجية لفكرة الاعتماد الأمني الأحادي، والاتجاه نحو تنويع الشراكات وبناء قدرات ذاتية تجعل الأمن نابعًا من الداخل بقدر ما يستند إلى العلاقات الخارجية. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا