هل تفتقد صحافتنا الشجاعة أم المهنية والإبداع؟! هذا السؤال تدفق إلى ذهني وأنا أطالع بدهشة واستياء ما يتردد مؤخرًا من تسريبات ووثائق جديدة تتعلق بشبكة رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، والتي أعادت القضية إلى واجهة الجدل العالمي، ليعود السؤال القديم ليطرق أبواب الوعي من جديد: كيف يمكن أن تختبئ جرائم بهذا الحجم خلف ستار النفوذ والمال لسنوات طويلة؟ وكيف استطاعت بعض الأصوات الصحفية وحدها أن تزيح هذا الستار بينما صمتت مؤسسات كاملة؟ ومن قلب هذا المشهد تبرز تجربة الصحفية الأمريكية جولي براون بوصفها نموذجًا حيًا لدور الصحافة حين تتحول من ناقل للأحداث إلى قوة كاشفة للتاريخ المخفي. لم تكن الصحافة يومًا مجرد مهنة لالتقاط الأخبار أو إعادة تدوير الوقائع، بل كانت في جوهرها سلطة معنوية خفية، تقف بين الحقيقة ومحاولات طمسها، بين صوت الضحية وصمت المؤسسات. ومن هذا المعنى خرجت الصحفية الأمريكية جولي ك. براون بوصفها نموذجًا حديثًا لما يمكن أن تفعله الكلمة حين تتحرر من الخوف، وما يمكن أن يفعله الصحفي حين يتحول من ناقل للحدث إلى صانع لمسار العدالة. لقد أعادت جولي براون الاعتبار لفكرة الصحافة الاستقصائية التي لا تكتفي برواية ما حدث، بل تبحث عمّا حاول الأقوياء دفنه. حين فتحت ملف جيفري إبستين، لم تكن أمام قضية جنائية عادية، بل أمام شبكة معقدة من النفوذ والمال والعلاقات السياسية والإعلامية. كانت القضية في ظاهرها قد طويت بصفقة قانونية مريبة، لكنها في وجدان الضحايا ظلت جرحًا مفتوحًا. هنا ظهر الدور الحقيقي للصحافة؛ لا كصدى لما تقوله المؤسسات، بل كصوت لما تحاول المؤسسات إخفاءه. لقد حفرت جولي براون في طبقات الصمت سنوات طويلة، جمعت الشهادات، وأعادت الاستماع للضحايا الذين تجاهلتهم المنصات الكبرى، وأعادت ترتيب خيوط القضية حتى صنعت ثقبًا في جدار الحصانة الذي احتمى به إبستين طويلًا. لم يكن إنجازها مجرد كشف فضيحة، بل كان استعادة لثقة المجتمع في قدرة الصحافة على أن تكون ميزانًا للعدالة. لقد أثبتت أن الصحفي حين يتحلى بالشجاعة والضمير، يستطيع أن يهز منظومات كاملة، وأن يعيد تشكيل الرأي العام، وأن يدفع المؤسسات القانونية للتحرك حتى لو كانت قد آثرت الصمت سابقًا. ومن هنا تبدو المقولة بأن الصحفي الشجاع قد يكون أكثر تأثيرًا من ألف برلماني أو ألف حزب معارض، مقولة ليست من باب المبالغة البلاغية، بل من صميم الواقع السياسي والاجتماعي. فالبرلمانات تخضع لتوازنات المصالح، والأحزاب تحكمها حسابات الشعبية والانتخابات والتحالفات، بينما يقف الصحفي الحر حين يكون كذلك خارج هذه الحسابات، لا يملك سوى سلاح الحقيقة. الحقيقة التي قد تسقط حكومات، أو تفتح ملفات فساد، أو تحرك ضمير أمة كاملة. إن البرلمان قد يسن القوانين، لكن الصحافة الحرة هي التي تكشف الحاجة إليها، وهي التي تراقب تطبيقها، وهي التي تفضح من يلتف حولها. غير أن السؤال الأكثر إيلامًا ليس عن صعود نماذج شجاعة مثل جولي براون، بل عن تراجع القمم الصحفية التي عرفها العالم العربي، حين كانت أسماء مثل محمد حسنين هيكل، ومصطفى أمين، وعلي أمين، وأحمد رجب، والتابعي، تشكل مدارس كاملة في الفكر والأسلوب والتأثير. هؤلاء لم يكونوا مجرد كتّاب، بل كانوا صناع وعي، ومهندسي خطاب عام، يملكون القدرة على الجمع بين المعلومة العميقة والأسلوب الأدبي المؤثر، وبين التحليل السياسي والرؤية الحضارية. تآكل هذه القمم لا يعود إلى نضوب نهر الإبداع بقدر ما يعود إلى تغيّر طبيعة البيئة التي تصنع الإبداع ذاته. فالصحافة التي كانت يومًا مشروعًا فكريًا وثقافيًا، أصبحت في كثير من الأحيان أسيرة سرعة النشر ومطاردة التفاعل اللحظي. تحولت الكلمة من نص يُبنى بعناية إلى منشور يستهلك سريعًا. كما أن الضغوط الاقتصادية والسياسية والإعلانية قلّصت مساحة الاستقلال التي كانت تسمح للصحفي بأن يكون شاهدًا حرًا لا موظفًا في ماكينة الخبر. ثم جاءت الثورة الرقمية لتفتح أبواب التعبير للجميع، وهو إنجاز ديمقراطي مهم، لكنه في الوقت ذاته خلق ضجيجًا هائلًا غطّى على الأصوات العميقة. صار الجمهور يبحث عن الخبر السريع لا التحليل العميق، وعن الإثارة لا المعرفة، وعن الرأي المتطرف لا الفكرة المتزنة. وفي مثل هذه البيئة يصبح إنتاج القمم الفكرية أكثر صعوبة، لأن القمة تحتاج زمنًا للتأمل، بينما العصر الرقمي يفرض إيقاعًا لا يعترف إلا باللحظة. ومع ذلك، فإن الإبداع لا ينضب، بل يغيّر مساراته. فكل عصر يخلق نماذجه الخاصة من الصحفيين الشجعان، وربما كانت جولي براون واحدة من هذه النماذج التي تؤكد أن الصحافة لا تموت، بل تمرض أحيانًا، ثم تستعيد عافيتها حين يظهر من يؤمن بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة. قنطار ذهب أم قنطار مسئولية؟! حليم ودياب وبينهما إبراهيم عيسى! إن رمزية جولي براون لا تكمن فقط في كشفها قضية خطيرة، بل في إعادة تذكير العالم بأن الصحافة الحقيقية تبدأ حين يخاف الآخرون من الاقتراب، وحين تصبح الحقيقة مكلفة، وحين يدرك الصحفي أن رسالته ليست إرضاء السلطة ولا الجمهور، بل حماية حق المجتمع في المعرفة. وفي اللحظة التي يستعيد فيها الصحفيون هذا المعنى، يعود وهج صاحبة الجلالة، ويعود نهر الإبداع إلى الجريان، لأن الحقيقة مهما حوصرت تجد دائمًا من يكتبها. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا