ما إن انتهى عمر سليمان عبر كلمته المتلفزة القصيرة فى يوم 11 فبراير، المعروفة بخطاب التنحى وكان وراءه (الراجل اللى ورا عمر سليمان)، والتى أعلن فيها تخلى حسنى مبارك عن الحكم وتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة شؤون البلاد، حتى دبت الفرحة فى ميدان التحرير وميادين وشوارع مصر كلها من الإسكندرية إلى أسوان. فقد ذهب الطاغية.. وانقشع الاستبداد. ونجح الشعب المصرى فى إنجاز ثورة عظيمة بهرت العالم خلال ال18يوما السابقة.. وأصبح ميدان التحرير قبلة تريد شعوب العالم -قبل قياداتها- زيارته. وانطلق شعار رائع فى الميدان ردده الجميع وانتقل إلى الشوارع المحيطة وإلى مصر كلها، بل إلى الخارج، وهو «ارفع راسك فوق إنت مصرى».. وانتقل كسلوك عام للمصريين فى الخارج.. وبدأت النظرة السلمية التى أطاحت بأسوأ حكام العالم، وكانت الشعلة التى أضاءت وجدان شعوب عربية وعالمية للثورة على أنظمتها.. فكانت ثورة الليبيين ضد القذافى فى 17 فبراير، والتى لم ينتظر الناس قدوم 17 فبراير حتى خرجوا يوم 15 فبراير فى بنغازى.. وكانت الثورة اليمنية.. والثورة السورية. ومثل شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» الذى تناقلته الشعوب العربية ضد طغاتها ومستبديها وحكامها الفاسدين فى ميادينها وشوارعها، والذى أخذته من الثورة المصرية التى رفعته من أول يوم فى 25 يناير .. وهو ما كلل بالنجاح.. بدأت الشعوب المنتصرة فى رفع شعار «ارفع راسك فوق»، وشاهدنا فى احتفال تحرير ليبيا من طغيان واستبداد القذافى، الذى استمر خلال 42 عاما، وهم يرددون «ارفع راسك فوق إنت ليبى حر»، ونتمنى أن نسمع قريبا اليمنيون وهم يرددون «ارفع راسك فوق إنت يمنى».. والسوريون وهم يرددون «ارفع راسك فوق إنت سورى حر». لقد قرر عدد كبير من المصريين بالخارج العودة والمشاركة فى الحياة السياسية، بعد أن زالت الغمة التى كبست على الشعب المصرى بفساده لمدة 30 عاما.. بعد أن رفعوا رأسهم فوق، ورغم المعاملة الأخرى من التقدير والاحترام من شعوب العالم لهم فإنهم فضلوا التفكير فى العودة إلى مصر المحررة.. وبناء مصر الجديدة بالديمقراطية واحترام الإنسان وتداول السلطة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. وأعلنت دول كثيرة استعدادها للاستثمار فى مصر وتقديم المساعدات فى جميع المجالات، تقديرا للمصريين الذين أعطوا للعالم نموذجا إنسانيا محترما فى ثورة 25 يناير العظيمة. ولكن بمرور 8 أشهر من المرحلة الانتقالية التى يديرها المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبحكومة ضعيفة لا تعبر بأى حال عن ثورة 25 يناير، بدأ التراجع فى بناء المجتمع المصرى الجديد وتحقيق أهداف الثورة فى ذلك، فقد حاول المجلس من البداية تبريد الثورة وتشتيت الشباب الذين دعوا إلى الثورة، وشارك فيها جميع فئات الشعب.. وذلك بالالتفاف على مطالب الثورة من وضع دستور جديد للبلاد، مكتفيا بترقيعات دستورية على غرار ما كان يفعله نظام مبارك.. وذلك من خلال استفتاء شعبى اعتبره استفتاء على شرعية وجوده فى السلطة، رغم أن الجميع بات يعلم الآن أنه لم يكن لهم أدنى دور فى الثورة.. وإنما تولوا السلطة بناء على ثقة الشعب بهم.. لكن بأفعالهم اليومية يفقدون هذه الثقة يوما بعد يوم. فعلى مدار الأشهر الثمانية الماضية لم يحدث أى تغيير يذكر يناسب الثورة العظيمة التى حدثت وألهمت الكثير من الشعوب. فما زال الناس يعيشون حالة انفلات أمنى، وكأنه لا أحد يقدر على ضباط العادلى فى الداخلية الذين ما زالوا حتى الآن يتحكمون فيها.. وما زالت البلطجة تسيطر على الشارع.. وزادت فى الفترات الماضية بفعل تغذيتها من فلول الحزب الوطنى وعصابته التى تريد الانتقام من هذا الشعب الذى قام بهذه الثورة.. ولم تتم محاسبة أحد من الفاسدين الذين أفسدوا الحياة السياسية.. وكذلك رجال الأعمال والنصابين الذين استولوا ونهبوا أموال الدولة وأراضيها.. اللهم إلا بعض المحاكمات الهزلية، التى لم ينتج عنها شىء! ولم يتم حتى الآن استعادة أى من الأموال التى نهبها أفراد عصابة النظام السابق.. أو استعادة أى متر من الأراضى التى حصل عليها محظيو نظام مبارك بتراب الفلوس. وحدث ولا حرج عن قوانين مسيئة صدرت خلال الفترة الانتقالية، وعلى رأسها قانون الانتخابات الذى سيمنحنا برلمانا -إذا تمت الانتخابات- أسوأ من برلمانات حسنى مبارك.. برلمان فيه قوى تحاول الانقضاض على الثورة مثل حزب السيد البدوى وأحزاب أمن الدولة وأحزاب فلول الحزب الوطنى.. وقوى كانت ضد الثورة فى الأساس وتحرم الخروج ضد الحاكم! ومع هذا ستظل الرأس مرفوعة حتى ولو كره الحكام الجدد!