وضع مأساوي لمسقط رأس العندليب الأسمر بمحافظة الشرقية.. والأهالي: كانت القرية المثالية الأولى وحالياً لا نجد من يهتم بنا أو يفتكر عبدالحليم ويحيي ذكراه. «الحلوات».. اسم ظل على مسمى لقرية في أقصى شمال محافظة الشرقية، وبالتحديد مركز ومدينة الإبراهيمية قبل نحو خمسون عامًا، وقتها كانت القرية هي المثالية الأولى على مستوى المحافظة بعدما ساهمَّ وجود ابنًا من أهلها بين صفوة نجوم الصف الأول في الغناء بمصر والعالم العربي، لتحجز مكانًا سبق قرى المحافظة مجتمعة، كونها أول بلدة تدخل إليها الكهرباء وخط المياه، قبل أن يتم تدشين وحدة صحية في القرية بحضور رجال الدولة برئاسة الفريق علي صبري، رئيس وزراء مصر آنذاك، إلا أن ما آلت إليه القرية من تهميش بات مثارًا للتساؤل: هل يستحق مسقط رأس عبد الحليم إهمالًا هكذا؟. قرية الحلوات لافتة كانت يومًا تحمل اسم القرية بدأت دلالات الإهمال لمسقط رأس العندليب، وتبعَّ ذلك طريقًا غير ممهد يجاور مصرفًا يضم أوبئة تناشد المسئولين بتغطيتها، إلا أن الرد كان حاضرًا على لسان شادية مصطفى عبداللطيف، رئيسة الوحدة المحلية بالقرية، والتي أكدت على أن كل شيء سيتم لكن بعد الانتهاء من توصيل قرية الحلوات لافتة كانت يومًا تحمل اسم القرية بدأت دلالات الإهمال لمسقط رأس العندليب، وتبعَّ ذلك طريقًا غير ممهد يجاور مصرفًا يضم أوبئة تناشد المسئولين بتغطيتها، إلا أن الرد كان حاضرًا على لسان شادية مصطفى عبداللطيف، رئيسة الوحدة المحلية بالقرية، والتي أكدت على أن كل شيء سيتم لكن بعد الانتهاء من توصيل مرفق الغاز للقرية، مُعللةً ذلك بأن «بتوع الغاز لسه بيحفروا»، قبل أن تتطرق للحديث عن الساحة المجاورة للوحدة الصحية، والتي تضم حديقة يتوسطها تمثال الفنان الراحل: «هنطورها ونعمل فيها نجيلة وبلاط إنترلوك». «كنا أحسن قرية على مستوى المحافظة».. قالها أشرف المصري، أخصائي الإعلام بمدرسة «خالد ابن الوليد» للتعليم الأساسي بالقرية، وأضاف ل«التحرير» بأن حال القرية اختلف كثيرًا عما كانت عليه وقت حليم، إذ إن الفنان ساهم في أن يتم افتتاح وحدة صحية بالقرية لعلاج المرضى والمصابين ب«البلهارسيا»، سبق ذلك دخول الكهرباء والمياه، لكن القرية حاليًا لا ترقى إلى أن تكون مسقطًا لرأس واحد بقيمة وقامة عبدالحليم حافظ. الإهمال كان بمثابة جرس إنذار ضربته الأولى مر عليها أكثر من خمسة عشر عامًا، بحسب مصطفى الجابري، عضو جمعية «أبناء الحلوات الجديدة»، والذي أشار إلى أن الحفلات التي كانت تُقام في القرية نهاية مارس من كل عامًا احتفاءً بذكرى رحيل العندليب، توقفت نهاية عام 2003، دون أسباب مُعلنة. احتفالات ال7 ليالي الجابري عاد بحديثه إلى فترة معاصرته للعندليب الراحل، مؤكدًا على أنه كان يأتي للقرية ثلاث مرات في السنة، يتسامر فيها مع أهل بلدته على أن يكون في الصيف ليلة هي الأشهر طوال حياة العندليب بالنسب لأهل البلدة، والتي كانت شاهدة على حضور الفنانين إلى مسرح «عبد الحليم حافظ» بوسط القرية، يحيون فيها الغناء وما يسمعه الأهالي عبر التليفزيون أمامهم مباشرةً، فيما لم تتوقف القاعة المجاورة للمسرح عن استقبال مناسبات أهل القرية وقتها، قبل أن تنضم إلى قطاع الشباب والرياضة، ويتم هدم المسرح بقرار يُدلل على الجهل بقيمة التاريخ. احتفالات الذكرى السنوية التي توقفت دون أسباب كانت تحمل سعادة كبيرة لأهل القرية، على حد قول بهاء الدين سعدون، أحد شباب قرية العندليب، والذي أوضح أن الجميع كان يذكرها ب«احتفالات ال7 ليالي» وكانت تضم فرقة للفنون الاستعراضية ومطربون يرددون أغاني العندليب الأسمر في ذكراه، بالإضافة إلى مبتهلين من إذاعة القرآن الكريم، منهم المبتهل الشيخ إبراهيم راشد. تمثال وميدان بهاء الدين تطرق في الحديث إلى تمثال الفنان الراحل، والذي يتوسط مدخل القرية أمام الوحدة الصحية، منوهًا بأنه تم تدشينه بالجهود الذاتية من شباب وأهل قريته، وذلك قبل أكثر من ثلاث سنوات، وقتها أصر رئيس مركز ومدينة الإبراهيمية على أن يظل التمثال في ميدان «الموقف» بوسط المركز، قبل أن يتم نقله أخيرًا إلى مسقط رأس حليم بين أهالي قريته، وذلك قبل شهرين فقط، إلا أن الحديقة لا تزال بحاجة إلى التطوير لتكون جاهزةً لاستقبال من يزور التمثال أو يشاهده، فيما وعدت رئيس الوحدة المحلية بتطوير المكان برُمته، لكن بعد «دخول الغاز» إلى البلدة. وعلى بُعد أمتار قليلة من التمثال يقبعَّ بيت الحاج شكري داؤود، آخر أقارب عبدالحليم حافظ ممن كانوا على قيد الحياة في القرية قبل أن يتوفاه الله يوم الثلاثاء 19 سبتمبر 2017، تاركًا بيتًا عتيق بقفلٍ كُتبت جواره عبارة «منزل المرحوم الحاج شكري» بطباشير محاه الزمن إلا قليلًا، وعن ذلك يقول محمد منصور سلامة، نائب رئيس المركز: «الله يرحمه كان هوَّ اللي بيتكلم في كل ذكرى والقنوات بتيجي تصور وتمشي.. راح وساب ذكرى حلوة». منصور تحدث عن أسبوع «الاحتفالات» الذي توقف قبل سنواتٍ عدة، موضحًا أن «الدنيا كلها» كانت تأتي للقرية لمدة أسبوع تحتفل وتحتفي بذكرى العندليب الراحل، ما يتسبب في حالة من الإزدهار ولو على الصعيد النفسي لأهل القرية، والذين يعودون إلى اهتمامات المسئولين ولو لمدة أيامٍ سبعة، لكن بتوقف الاحتفالات انقطع الاهتمام وبدأت القرية منحنى الإهمال، لتزيد الطلبات والمناشدات يومًا بعد الآخر، ترجو أن يهتم المسئولين، وعلى رأسهم محافظ الشرقية، بعودة الاحتفالات ولو ليومٍ واحد، مع الاهتمام حتى قليلًا بمسقط رأس الفنان وأهل بلدته. زمن ناصر الموت الذي غيبَّ الحاج شكري داؤود، ومن قبله الفنان الراحل، تركَّ خلفه عجوزًا طاعنًا في السن، وصفَّ نفسه قائلًا: «اسمي عبدالعزيز علي السيد الغمري، مواليد 4 أكتوبر 1931»، قبل أن يتابع حديثه ل«التحرير»: «الموت يا ولدي ما بياخدش غير الناس المحترمة زي عبدالحليم وعمك شكري، لكن اللي زي حالاتي بيعيش شوية علشان يتعب في الدنيا». عبارة الرجل الساخرة من حال الأيام، تبعتها إبتسامة ونظرة تأمل: «زمن عبدالحليم والزعيم عبدالناصر كان هوَّ الزمن اللي بجد، دلوقتي الرئيس السيسي ربنا معاه ويكرمه بيعمل كتير علشان البلد»، قبل أن يتندر على حال القرية الذي ساء كثيرًا من بعد «حليم»، فمن يُصدق أن قرية حضر إليها كبار رجال الدولة لافتتاح وحدة صحية يصل بها الحال لأن تتسول العطف والاهتمام من جانب المسئولين. الحكومة هناك في آخر القرية ونهاية الرحلة فيها كان السيد علي أحمد داؤود، 70 عامًا، أحد أقارب الفنان الراحل من ناحية والدته، يجلس بجوار البيت الذي عاش فيها حليم في أوجَّ شهرته، حيث استقبل الرجل «التحرير» بحفاوة شديدة، تبعها بعبارات نابية يريد بها الثأر لتاريخ الفنان المُهمل في مسقط رأسه: «معادش له أهل يخلدوا ذكراه.. المفروض الحكومة هيَّ اللي تخلد ذكراه وتهتم بيه»، مُدللًا على ذلك بالقصر الذي أصبح مخزنًا ل«دقيق الطحين» أُغلق بالأقفال، فور قيام أحد رجال القرية بشرائه قبل عقودٍ من الزمان، فيما تم تخصيص جزءً منه ليكون «فرن عيش»، ولم يبقى من البيت سوى أطلال وذكرى بالكاد تتردد على ألسنة الأهالي بأن البيت كان يومًا ما ملكًا لعبدالحليم حافظ. حديث السيد عاد بذاكرته إلى سنوات شراء عبدالحليم حافظ لمنزل وحديقة بمركز ومدينة فاقوس، ليوضح الرجل أنه ذهب إلى «الفيلا» هناك وعمل بالفلاحة، حيث كان الفنان الراحل شديد التعلق بالزراعة ويُحب البطيخ والورود، قبل أن يختتم حديثه بالثناء على حليم وذكراه العطرة، مطالبًا الدولة بالاهتمام وإحياء ذكراه لئلا ينسى شباب قريته تاريخه وهم أولى الناس به. رد المحافظة من جانبها، قالت الدكتورة أسماء عبدالعظيم، المتحدث الرسمي باسم محافظ الشرقية، إن الاحتفالات مستمرة ولم تنقطع، قبل أن توضح ذلك بأن قرية «الحلوات» تشهد ندوات ثقافية واحتفالية بمركز الشباب، بالإضافة إلى احتفال سنوي يُقام بقصر الثقافة، قاصدةً بذلك القصر الموجود بمدينة الزقازيق أمام الديوان العام للمحافظة. المتحدثة باسم محافظة الشرقية أشارت ل«التحرير» إلى أن الاحتفالات هذا العام، تُقام بقصر ثقافة العاشر من رمضان، نظرًا لعدم إتاحة قصر ثقافة الزقازيق وانشغال المسرح الموجود به، على حد قولها، قبل أن تشير إلى أن الدعوة دائمًا كانت توجه كل عام إلى الحاجة علية شبانة، شقيقة الفنان الراحل، إلا أنها توفيت، وكان يتم التواصل مع محمد شبانة، نجل شقيق حليم، حتى العام قبل الماضي، وقتها كان يُقام معرضًا للصور التذكارية على هامش الاحتفالية.