كثيرة هى الدروس المستفادة على مدار العامين الماضيين، وتحديدًا منذ إجراء الانتخابات البرلمانية التى فاز فيها تيار الإسلام السياسى بنحو 70٪ من المقاعد، ثم الانتخابات الرئاسية التى فاز بها مرشح الجماعة «الاحتياطى» محمد مرسى. فالتجربة كشفت بوضوح عن أن جماعة الإخوان المسلمين هى جماعة إيديولوجية مغلقة، لديها هيراركية أو تسلسل تنظيمى صارم، تمتلك خريطة تنظيمية محكمة، يتحرك أنصارها بالأمر أو الإشارة، يلتقطون الأوامر فلا يناقشونها، بل ينفذونها حرفيًّا، لديهم شبكة ضخمة من العلاقات وخطوط الاتصالات، لديهم خبرات هائلة فى الحشد الجماهيرى وتحديدًا فى الانتخابات، بمقدورهم شراء الأصوات وحشد المؤيدين من مختلف الفئات بمن فيهم المجرمون وقطاع الطرق. وبنفس المنطق لديهم القدرة على إثارة الفوضى والاضطراب فى أى وقت، يعتمدون على عناصرهم التى تجيد تلقى الأوامر وتنفيذها دون مناقشة، لديهم من الأموال ما يكفى لشراء المواقف والسلاسل البشرية فى مجتمع فقير قرابة ال40٪ من سكانه تحت خط الفقر وحوله. نعم للجماعة قدرات كبيرة على الحشد والدعم ولديها خبرة متراكمة فى شراء الأصوات الانتخابية والمواقف والسلاسل البشرية لزوم الحشد، والدعم والتأييد والاحتجاج. مقابل هذه القدرات والمزايا، كشفت خبرة العامين الماضيين عن افتقار الجماعة إلى القدرات والمهارات والكفاءات اللازمة لإدارة مؤسسات دولة بحجم ووزن مصر، فقد كشفت خبرة البرلمان عن غياب القدرة على إدارة التعدد والتنوع، وعن فقدان قادة الجماعة للخيال والإبداع، وعن امتلاكهم فقط قدرات فى الغش والخداع، والكذب والمناورة، لكل ذلك فشلوا فشلًا ذريعًا فى إدارة البرلمان، فقد أدار قادتهم البرلمان بطريقة إدارة المجالس المحلية وتعامل نوابهم مع البرلمان باعتباره مجلسًا محليًّا، فقدراتهم محدودة وعالمهم توقف عند حدود القرى. الأمر نفسه تكرر مع موقع الرئاسة، فقد استخدموا التنظيم الجامد فى حشد وشراء الأصوات، ووظفوا علاقاتهم التحتية مع جماعات مسلحة فى التلويح بإثارة الفوضى فى البلاد، حصلوا على منصب الرئيس دون أن يكون لديهم شخص مؤهل لإدارة دولة بحجم ووزن وارتباطات مصر، أدار مرسى البلاد بطريقة إدارة القرى، فضل الأهل والعشيرة وأخذ فى هدم مؤسسات الدولة لصالح التنظيم، حاول تغيير هوية مصر وتطويعها لرغبة الجماعة ورؤيتها، فتصدت له الدولة المصرية ولفظه الشعب فكانت ثورة الثلاثين من يونيو 2013 التى أنهت حكم المرشد والجماعة. هنا عادت الجماعة إلى الموقع الذى تجيده، موقع المعارضة وإثارة الشغب، مكانة المقهور والمظلوم ومن ثم الشكوى من الظلم والقهر، وهنا تكمن قوة الجماعة، فللجماعة قدرات هائلة على تمثيل دور المظلوم والمضطهد، ولدى التنظيم الدولى من المال ما يكفى للوصول إلى وسائل الإعلام الدولية. بعد الثالث من يوليو عادت الجماعة إلى لعب دور المعارضة المظلومة والمقموعة، وبدأت تستخدم الأدوات التى تملكها فى إثارة الفوضى والاضطراب، بدأت باستخدام العنف والإرهاب، والجماعات الإرهابية المسلحة فى شمال سيناء، وخبرات وقدرات الجماعة الإسلامية فى التخريب والتفجير والقتل، وبعد إبطال مفعول هذه الأدوات لجأت إلى تسيير الحشود والمسيرات لقطع الطرق وتعطيل المواصلات العامة وتخريبها، ومع تصدى الدولة بقوة لهذه المسيرات لجأت الجماعة إلى الحشد النسائى كما حدث فى الإسكندرية، وانتهى الحال بالجماعة إلى ورقة الطلبة، وهى ورقتها الأخيرة، فالجماعة تدرك قدرتها على حشد نسبة كبيرة من طلبة جامعة الأزهر وأساتذتها، فللجماعة وجود قوى داخل الأزهر، ووجود ضعيف فى الجامعات الأخرى ك«القاهرة» و«عين شمس»، ونجحت الجماعة فى اصطياد أخطاء الحكومة -قانون التظاهر- فحشدت طلبة من غير الإخوان على النحو الذى نراه اليوم فى الجامعات. مرة أخيرة نقول إن الطلبة هم ورقة الجماعة الأخيرة فى تعطيل خارطة الطريق وإثارة الفوضى والاضطراب فى البلاد، وهذه الورقة ستكون عديمة الجدوى فى حال اقتصارها على طلبة الجماعة، وهو أمر يمكن تحقيقه عبر إعادة النظر فى قانون التظاهر، وتحديدًا المادة الخاصة بالحصول على ترخيص للتظاهر وإبلاغ الأمن بالاجتماعات العامة، فإن هاتين المادتين لا علاقة لهما بمظاهرات الإخوان وقد أسهمتا بشكل مباشر فى إثارة القوى الثورية من ناحية، والطلبة بصفة عامة من ناحية ثانية، لكل ذلك أحسب أنه بات على الحكومة التوقف عن العناد والمكابرة ومن ثم إعادة النظر فى هاتين المادتين لإبطال مفعول ورقة الإخوان الأخيرة وهى طلبة الجامعات.