"السلطان أردوغان يستحقها"، هكذا بدأ الكاتب البريطاني الشهير روبرت فيسك مقاله، اليوم في صحيفة "الاندبندنت" البريطانية تعليقا على أحداث محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي قامت بها مجموعة من ضباط وأفراد الجيش التركي. فيسك أوضح أن الجيش التركي لم يكن ليبقى متوافقا، في الوقت الذي يحول فيه الرجل، الساعي لإعادة الإمبراطورية العثمانية، جيرانه إلى أعداء وبلاده إلى محل سخرية من نفسها. وأضاف "لكنه سيكون من الخطأ الفادح أن نفترض أمرين، أولا: أن إخماد الانقلاب العسكري هو أمر وقتي وبعدها سيبقى الجيش التركي مطيعا للسلطان. ثانيا: اعتبار أن موت 161 شخصا على الأقل وأكثر من 2839 معتقل هو أمرا بمعزل عن انهيار الدول القومية في الشرق الأوسط". الكاتب البريطاني يرى أن أحداث عطلة نهاية الأسبوع في اسطنبولوأنقرة ترتبط ارتباطا وثيقا بفكرة انهيار الحدود والإيمان بالدولة، وهو الاعتقاد بأن دول الشرق الأوسط لديها مؤسسات دائمة وحدود، والتي ألحقت هذه الجروح ببلدان العراقوسوريا ومصر ودول أخرى في العالم العربي. وأوضح فيسك أن عدم الاستقرار أصبح الآن "أمرا معديا مثل الفساد في المنطقة"، وخاصة بين الملوك والطغاة، وهي فئة من الاستبداد التي أصبح أردوغان ينتمي إليها منذ إعلان نيته لتغير الدستور لمصلحته الخاصة وإعادة الصراع الشرس مع الأكراد. "فلا داع للقول أن رد الفعل الأول لواشنطن كان توجيهي. والأكثر إيلاما، هو أن نذكر نفس رد الفعل الحكومي وقت إسقاط الرئيس محمد مرسي، المنتخب ديمقراطيا، في مصر في عام 2014 ، عندما لم تطلب واشنطن من الناس دعم الرئيس وسرعان ما أعلنت دعمها لانقلاب الجيش الأكثر دموية من محاولة تركيا الأخيرة. فإذا كان الجيش التركي قد نجح، فتأكد أن أردوغان كان سيلقى نفس الرفض الذي تعاملت به واشنطن مع سيئ الحظ مرسي". وتابع فيسك حديثه مستنكرا "ولكن ماذا تتوقع عندما تفضل الدول الغربية الاستقرار على حساب الحرية والكرامة؟". واعتبر أن هذا هو السبب في أنهم مستعدون لقبول انضمام القوات الإيرانية والميليشيات العراقية الموالية لها في المعركة ضد "داعش"، فضلا عن قبولهم اختفاء ال 700 سني بعد الاستيلاء على مدينة الفلوجة، وأيضا السبب في تجاهل فكرة رحيل بشار الأسد. "القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى دمرت الإمبراطورية العثمانية، الأمر الذي كان واحدا من مقاصد الصراع بين 1914-1918 بعد أن وقع الباب العالي في خطأ فادح بانحيازه لألمانيا، وأنقاض تلك الإمبراطورية تم تقطيعها إربا من قبل الحلفاء وتم تسليمها إلى الملوك الطغاة والجنرالات. أردوغان والجزء الأكبر من الجيش الذي قرر الحفاظ عليه في السلطة، حتى الآن، يندرج في نفس هذه الفئة من الدول المحطمة". روبرت فيسك ذكر أن علامات التحذير كانت موجودة هناك لأردوغان والغرب، فقط إذا استدعوا تجربة باكستان. "عندما استخدمت بوقاحة من قبل الأمريكيين لإمداد المجاهدين، الذين كانوا يقاتلون الروس، بالصواريخ والمدافع، فقط تحولت إلى دولة فاشلة، مدنها محطمة بالقنابل وجيشها الفاسد والمخابرات يتعاونوا مع أعداء الروس، بما في ذلك طالبان، ثم تم اختراقه من قبل الإسلاميين الذين يهددون الدولة نفسها نهاية المطاف. "عندما بدأت تركيا في لعب نفس الدور لصالح أمريكا في سوريا، بإرسال الأسلحة والمتمردين، فإن أجهزتها الاستخباراتية الفاسدة تعاونت مع الإسلاميين الذين يحاربون القوات الحكومية في سوريا، فأخذت نفس مسار الدولة الفاشلة. فتقطعت مدنها بالقنابل المدمرة، وأصبح ريفها مخترق من قبل الإسلاميين". وأضاف الكاتب البريطاني "الفرق الوحيد هو أن تركيا قد دخلت أيضا في حرب مع الأكراد في الجنوب الشرقي من البلاد، حيث أصبحت أجزاء من دياربكر مدمرة مثلما هو الحال في حلب وحمص. أردوغان اكتشف متأخرا جدا ثمن الدور الذي اختاره لبلاده. فعندما لم يعد ممكنا لك أن تثق في جيشك، فهناك الكثير من القضايا التي عليك معالجتها". وأوضح فيسك أن الأعداد التي تم اعتقالها على خلفية الانقلاب تشير إلى أن هناك أعداد أكبر في الجيش تؤمن بأن أردوغان يدمر البلاد. "والسؤال الحقيقي يتمثل في مدى شجاعة الرئيس، بسبب هذا النجاح الوقتي، لإجراء المزيد من المحاكمات، وحبس المزيد من الصحفيين، وإغلاق المزيد من الصحف، وقتل المزيد من الأكراد، إنكار إبادة الأرمن عام 1915". واختتم فيسك مقاله بالقول "سلسلة هائلة من الأحداث جرت في نهاية هذا الأسبوع. من حدود الاتحاد الأوروبي، عبر تركياوسورياوالعراق وأجزاء كبيرة من شبه جزيرة سيناء المصرية ومنها إلى ليبيا، ونيس، وتونس، فأصبح هناك سلسلة من الفوضى والدول الفاشلة. بدأ كلا من السيد سايكس والمسيو بيكو تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية، بمساعدة من السيد بلفور، لكنه لا يزال حتى يومنا هذا. في هذا الإطار التاريخي القاتم يجب أن ننظر إلى انقلاب الذي لم يكن في أنقرة. مستعدين إلى آخر في الأشهر أو السنوات القادمة".