كتبت - راندا التوني ورنا عبد الصادق بخطوات هادئة، وعيون فَرِحة يشوبها ترقب، ينتقل مصطفى وسالى من محل إلى آخر، يقفان فى أحدهما قليلا، وآخر لا يأخذ منهما سوى نظرات عابرة لا تتعدى لحظات، وفى النهاية يقرران أن يدخلا محلا استقرا على وجود ما يريدانه به، وقبل الدخول استقرا أيضا على ما يريدان أن يسألا عليه، وقبل الجلوس أمام أحد البائعين فى المحل سأل مصطفى: «سعر الجرام النهارده كام؟»، وذلك بعدما أشار إلى «سلسلة» أعجبتهما. مصطفى وسالى حفل خطبتهما ثالث أيام العيد، لذا ذهبا إلى «الصاغة» فى حى الحسين لمشاهدة أشكال الذهب وأسعاره، لتحديد ما يمكن شراؤه بالمبلغ الذى استقرا عليه، فعيد الفطر بشكل خاص هو وقت مناسب لكثيرين لإقامة حفلات الخطوبة والأفراح، لذا يعد هذا الوقت من كل عام وهو نهاية شهر رمضان واستقبال عيد الفطر موسما لشراء الذهب. مفيش زباين شارع ضيق لا يزيد عرضه على مترين، على ناصيتيه محل يضوي من المعروض في فاتريناته المرصعة بالذهب والمصوغات، وأمام بعضها يقف أحد البائعين به مستجلبًا زبونًا قد يقف أمام المحل. وعلى الرغم من كثرة المحال وضيق الشارع، فإنَّ الهدوء غالب عليه، فليس هناك أحد يقف أمام المحلات إلا قليلاً، ويبدو أنًّه أيضًا لا يوجد بداخل كثير منها زبائن، فقط بعض المارة، ذلك هو شارع الصاغة أشهر مكان لشراء وبيع الذهب فى مصر، كما أنَّه مكان لورش كثيرين من صانعي الذهب، لكنَّ تلك الصورة كانت مغايرة لما عُرف عن هذا الشارع، خصوصًا فى هذا الوقت من كل عام، فهو موسم بالنسبة إليهم. "المفروض كان دلوقتي الشارع ده ماتعرفيش تمشي فيه"، هكذا قال الدكتور واصف أمين واصف صاحب محل مجوهرات، رئيس شعبة المصوغات والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، موضِّحًا أنَّ شارع الصاغة كان يعج بالزبائن خلال شهر رمضان من كل عام، خصوصا في نهايته، حيث يقترب العيد، ومعه الأفراح، يأتي إليهم الزبائن من كل المحافظات لشراء الشبكة، أو لتغيير الذهب واستبداله، لارتدائه في الأعياد والمناسبات، ولكن هذه الصورة لم تعد موجودة منذ أربع سنوات تقريبًا، وبالتحديد منذ ثورة يناير، مضيفًا: "الناس دخلها أقل، والسيولة أصبحت أقل، والأسعار ارتفعت". واصف أوضح: "مع هذه الظروف استغنى المصريون عن شراء الذهب، ولم يعد من اهتماماتهم، حتى الشبكة أصبحت رمزية «دبلة ومحبس، لا تتعدى خمسة آلاف جنيه، على العكس قبل ذلك، حيث كان معظم طبقات المجتمع يحرص على شراء أطقم الذهب". هذا الحديث أكده حسام حسن، بائع في محل بشارع الصاغة، قائلاً: "على الرغم من هبوط أسعار الذهب في الفترة الأخيرة، فإنَّ ذلك لم يؤثر في حركة البيع والشراء، فلم يعد يتابع أحد أسعار الذهب، لأن شراءه أصبح خارج اهتمامه، الصاغة في هذه الفترة من كل عام كان ينتظرها الزبائن أمام المحل من الساعة التاسعة صباحًا، حتى يستطيع الشراء قبل أن تزدحم بالزبائن، والآن تقترب الساعة من الثانية ظهرًا والشارع خال من الزبائن، بالليل بييجى ناس في شارع المعز علشان الفطار والحفلات، لكن مفيش حد بيدخل محلات الذهب". تفاوت أسعار "سعر جرام الذهب عيار 21 يسجل 261 جنيهًا، وعيار 18 يبلغ 223 جنيهًا"، تلك كانت أسعار الذهب، حسب عاطف، أحد التجار، الذي بث شكواه من الأسعار التي تعرضها شاشات التليفزيون وتنقلها الجرائد، مؤكدًا أنَّ كل أسعار الذهب التي تنشر في الصحف والتليفزيون والإذاعة خاطئة، موضحًا أنَّها تعلن السعر الرسمي ولكن السوق لا تعترف إلا بسعر البورصات العالمية، التي ترفع عن السعر الرسمي بأكثر من سبعة جنيهات، إلا أنَّ كل زبون يقرأ هذا السعر وينزل يشتري على أساسه، وهو ما يتسبب في مشكلات عديدة بين أصحاب المحلات والزبائن. وأضاف: "سعر الذهب انخفض في الفترة السابقة في الأسواق العالمية، ولكن هذا الانخفاض لم نشعر به في مصر بشكل كاف، بسبب ارتفاع سعر الدولار، مما تسبب في رفع الذهب". رحاب محمد، التي جاءت لتغير خاتمها، ترى أنَّ المصريين ما زالوا يحبون ارتداء الذهب، على الرغم من ارتفاع الأسعار، فهي عادات وتقاليد لا يمكن أن تتغير، قائلةً: "محدش يقدر يتجوز من غير ما يجيب على الأقل دبلة وخاتم دهب لعروسته، والدهب برضه لسه الناس بتهادي به بعض، حتى لو كانت حاجات بسيطة وخفيفة، فالمولود الجديد يلجأ كثير من المصريين إلى شراء خاتم دهب له، لو كان ولدًا أو حلق لو كانت بنتا، وكذلك في عيد الأم يشتري كثير من الناس هدايا من الذهب لأمهاتهم". وعن أسعار الذهب ترى هي الأخرى أنَّها مرتفعة للغاية، وأنَّ ذلك تسبَّب في الإقبال الضعيف على الشراء، خصوصًا مع ارتفاع أسعار كل السلع. مفيش مواسم عن استعدادات محلات الذهب والمصوغات لموسم عيد الفطر، والإجراءات التي يتم اتخاذها كل عام في هذا التوقت، قال صلاح عبد الهادي رئيس شعبة الذهب بغرقة تجارة القاهرة: "لا توجد أي استعدادات خاصة لعيد الفطر، ولا أي إجراءات ستتم، أو من المفترض اتخاذها، فكل شيء يسير بشكل طبيعي، مفيش موسم علشان يكون له استعدادات". وذكر: "شراء الذهب لم يعد من اهتمامات المواطن، وهذا بدأ منذ عشر سنوات، وزاد مع ثورة يناير، وقلة دخل المواطن، مما أدَّى إلى ركود تام في سوق الذهب، وهذا لا ينطبق على عيد الفطر فقط، لكنه يمتد إلى كثير من المناسبات التي كانت تعد بالنسبة للعاملين في مجال الذهب مواسم كعيد الأم، ومحلات الذهب كانت بتشتغل قبل عيد الأم بشهر، دلوقتي لو محل جاله زبونين أو تلاته بيكون باع". رئيس شعبة الذهب أوضح أنَّ موسم "الشبكات" كان من المفترض أن يبدأ بعد إجازات الجامعات، ممتدًا إلى عيد الفطر وحتى عيد الأضحى، لكن ذلك لم يعد يحدث منذ أربع سنوات، فطوال هذه الفترة لم يعد هناك إقبال ملحوظ على شراء الذهب، كما قال إنَّ اعتماد المصريين أيضًا على شراء الذهب من أجل الادخار، لم يعد موجودًا بالمرة. العيد والدولار ضربا أسواق الذهب
وعلى عكس المتوقع والمعتاد كل عام خلال المواسم والأعياد، كشف أصحاب محلات الذهب عن حدوث ركود في سوق البيع، خلال أيام عيد الفطر، وأكدوا في تصريحات ل"التحرير" أنَّ تدني الحالة الاقتصادية السبب الرئيسي وراء تراجع مبيعات الذهب. ورجَّح التجار أسباب ارتفاع أسعار الذهب في مصر إلى وجود أزمة في الدولار، تدفع المستوردين للجوء إلى السوق السوداء للحصول عليه بأسعار مرتفعة، ما يتسبَّب في رفع سعر الذهب في السوق المحلية، إذ سجَّل الجرام من عيار 21 سعر 250 جنيهًا، بينما استقر عيار 18 عند 214 جنيهًا، وحقق عيار 24 نحو 285.57 جنيهًا، أمَّا عيار 14 فوصل إلى 166 جنيهًا، وسجَّل جنيه الذهب عيار 24 سعر 2282.5 جنيهًا، وعيار 21 سجَّل 1998 جنيهًا، و18 سجل 1712 جنيهًا. وأكد فاروق بطرس رئيس شعبة الذهب بغرفة تجارة القاهرة ل"التحرير" أنَّ أسعار الذهب شهدت ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة زيادة أسعار صرف الدولار الأمريكي إلى جانب ارتفاع الأسعار العالمية، وأوضح أنَّ سوق الذهب أصبحت تعاني حالة كبيرة من الركود التام في الوقت الحالى نتيجة تراجع الطلب، على الرغم من موسم عيد الفطر المبارك، وما كان يتبعه في العادة من احتفال كثيرين بالخطوبة والزواج، إذ لجأ كثيرون منهم إلى الذهب الصيني كبديل للأصلي لما يتمتع به من كل المواصفات والأشكال المناسبة المشابهة للذهب المصري، وسعره رخيص في متناول الجميع، لافتًا إلى تقدم الشعبة بمذكرة لهشام رامز محافظ البنك المركزى بسرعة احتياجاتهم من الذهب الخام، مضيفًا: "ارتفاع الدولار 20 قرشًا بالبنوك، وزيادة الأسعار العالمية، ساهم في زيادة أسعار الذهب محليًا، والتجار يحصلون على الذهب بنحو 7.90 جنيهات للدولار، حسب السوق السوداء، خصوصًا أن البنوك لا توفره لهم"، موضحًا أن هناك توقعات بحدوث زيادة في الأسعار خلال الفترة المقبلة بسبب الدولار. من جانبه، أشار عزت العريان نائب رئيس شعبة الذهب بغرفة تجارة القاهرة إلى عزوف المواطنين عن شرائه، نظرا للحالة الاقتصادية، وبالتالي قرروا استبدال أولوياتهم في الشراء إلى منتجات أخرى تتناسب مع تدهور الحالة الاقتصادية، لذلك فإن نسبة الإقبال على الشراء ضعيفة.