1 يبدو أن مقصدار القوانين الحالى لم يتدرب بما يكفى، أو يشرب الصنعة من خبراء المهنة، فهناك فرق كبير بين «خبراء القانون» وأولئك الذين يقصون ويفصلون القوانين حسب الطلب والمقاس وهوى الزبون الذى فى يده الأمر كله، وهم نوع شهير فى الدولة المصرية القائمة على «إعادة تقييف الدولة الحديثة لتناسب طغاتنا بمذاقهم الشرقى الحار». 2 ولأن الدولة المصرية ما زالت متوقفة عند حدود «تقييف» نفسها، فإن هؤلاء الخبراء فى تفصيل القوانين أصبحوا سلالة تسمى بأسماء مختلفة، أشهرها «ترزية القوانين»، لكنها تسمية غائمة، أحبّ بدلا منها «المقصدار»، دلالة على قِدم المهنة، وتوغلها فى تاريخ دولتنا، ومعبرة عن استمرار الزمن فى الحاضر وعبوره إلى المستقبل، ذلك الاستمرار الذى يعنى فى ذهن العامة والحكام على السواء «الاستقرار»، وهو تسمية مريحة لما يمكن تسميته الركود أو أكثر قليلا من محاولة تثبيت أن «الاستبداد قدرنا». 3 هذا يعنى بمزيد من التمحيص والتنقيب أن وجود مقصدار القوانين لم يعد وظيفة محترمة فى إرساء دعائم «تقييف» الدولة، ومن بين أهدافها ترسيخ فكرة عميقة، «الاستبداد بالقانون»، لكنها وظيفة تتعرض إلى تدهور بالغ وصل بها إلى موقع منخفض فى التسلسل الهرمى داخل المطابخ الملحقة بالسلطة، لم يعد «المقصدار» بهذا الرونق المعروف كما رأيناه فى عصور سابقة كانوا فيها أقرب إلى «كبار المصممين» فى بيوت الأزياء الكبيرة، لكنهم ينحدرون الآن، وكما يصفهم أحد الأصدقاء الساخرين إلى مستوى «كباسى الأزرار» التى تعلق بالخيط والإبرة فى المعاطف القديمة. 4 أين هؤلاء مثلا من الدكتور مفيد شهاب آخر المقصدارية المحترمين، إذا جاز الأمر؟ ولأنه لا بد أن يكون لنا فى سِير الأولين عبرة، فإننى سأذكركم بقصة الدكتور مفيد، المقصدار الأخير فى عهد مبارك، الذى ترقّى من موقعه فى ظلال السلطة إلى موقع بين كبار طهاة النظام، وكانت بدايته فى مجموعة «الولاء للنظام» التى احتلت منظمة الشباب (والتى كان يعد فيها كوادر الحكم المخلصة) أيام عبد الناصر، وكان من بينهم الانتهازى الباحث عن سلم للصعود السياسى، ومنهم الرومانسى الحالم بالانخراط فى جيش الثورة السياسى. النوع الأخير مخلص وكما حكى عبد الغفار شكر ذات مرة فإنهم خرجوا فى تظاهرات بعد هزيمة 1967 ليطالبوا عبد الناصر بالتحقيق ومحاسبة المقصرين. الدكتور مفيد كان من مجموعة «الولاء»، ومن مهمتها تطهير المنظمة من العناصر غير المنضبطة (هى نفسها العناصر الرومانسية التى خرجت فى تظاهرات النكسة). من يومها والدكتور مفيد محترف تطهير ومطارد للمنفلتين من قبضة النظام، «سواء أكان اشتراكيا أو رأسماليا أو بين بين). حصل دائما على مكافآت مناسبة لكل عصر، فى عهد الاشتراكية والعروبة والشباب المتحمس عيّن رئيسا لتحرير جريدة «الشباب العربى»، ثم عضوا فى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى. وفى عهد مبارك كان الولاء صفة أساسية، والتطهير مهمة أساسية، سواء وهو رئيس لجامعة القاهرة أو وزير للتعليم العالى. لم يحصل مفيد شهاب على موقع كبير الطهاة فى مطبخ مبارك، الذى لم يكن له كبير الطهاة متساوو الرؤوس، وكل منهم يقترب حسب المزاج أو القدرة على قتل المتنافسين، الدكتور مفيد طمح إلى مواقع فى السلطة التشريعية، لكن هناك طهاة أقوى، شكلوا حواجز رهيبة أمامه، وبقى له فى الفترة الأخيرة لمبارك مهمة طهو القوانين السريعة. فى هذه الرحلة كانت القيمة العلمية للدكتور مفيد تقل كلما اندمج فى وظيفته، فمن العريضة القانونية التى استعادت بها مصر طابا فى معركة التحكيم الدولى مع إسرائيل إلى صياغات ركيكة لمواد التعديلات الدستورية ولقوانين أخرى لا يفخر بها أصغر عارف بالقانون. وعلى النقيض تماما كانت مهارات الدكتور شهاب فى التطهير تبرع وتتخذ أبعادا شرسة، فالرجل الذى يبدو للوهلة الأولى لا ينفعل ولا يتفاعل مع مجريات الأمور بدا فى جولات الدفاع عن قوانينه ومواده المطهية على بخار الخلود الرئاسى شرسا وعنيفا ومتوحشا، بدأ مدافعا عن طبخته قبل أن يذوقها. 5 من أين تأتى شراسة «مقصدار القوانين»؟ عرفنا سرها مع الدكتور مفيد لكننا سنعرفها مع «المقصدار» الحالى عندما تتكشف أسرار هذه الأيام الصعبة.