عندما قال لنا الواد سيد أبو ضبيّع ونحن نلعب السيجة إنه رأى عفريتا فى البئر التى تجاور المسجد لم نصدّقه، أمسك الواد عباس أبو إسماعيل حفنة من التراب، وعفّر بها وجه سيد الرفيع الذى يشبه الفأر، وكذلك طاقيته المتسخة، نفّض سيد جلبابه، وبعثر طوب السيجة، سبّ وشتم، وأقسم بالطلاق أنه رأى عفريتا يشبه الخفير أبو محمدين، لكنه أطول منه بمترين، وعاد وأقسم بالبخارى أن العفريت أحمر اللون، عريان وعيونه تطقّ شرارا، كل مياه الدنيا لا تطفئ ناره. كنا فى السقيفة ساعة عصارى، أربعة: سيد وعباس والداهش وأنا، الداهش أكبرنا فى الرابعة عشرة، وأنا أصغرهم فى التاسعة، عباس وسيد «فوق روس بعض»، بين العاشرة والحادية عشرة، جمعنا الطوب الصغير، وملأ الداهش حِجْر جلبابه بالتراب، جعله كومة هائلة، قام سيد وعباس بتسويتها وتخطيطها، حفرا تسع خانات للسيجة، تبادلنا اللعب، فى الدور الأخير بينى وبين سيد حكى هو دون مناسبة عن العفريت، لعن الداهش الشيطان الذى جعل عباس يكذّب سيد أبو ضبيع، اعتبرها من علامات الساعة أن يخسر بعضنا بعضا من أجل عفريت، «وبعدين الميّه تكدّب الغطاس، الليلة نروح نشوف عفريت أبو محمدين فى البير، إياك حد يزمج، اللى يزعل نسلخ وشّه، واللى يكره الحق مش راجل». انكمشتُ فى جلبابى، ذهبتُ مرة أو مرتين إلى البئر، ولكن فى عز النهار، تدلّت الصفيحة ذات الخشبة بالحبل، وخرج الماء محمولا على كتف الريس جاد، سكبه أمام الباحة المقابلة ليهدئ الغبار، ربط جلبابه حول وسطه، بينما تعرّق نصفه العلوى، وابتلت فانلته الحمالات، ضحك جاد من حكاية العفاريت، ولكنها ضحكة عصبية متوترة، بدا هو أيضا برقبته النحيلة الطويلة، وتفاحة آدم، وساقيه الرفيعتين مثل فتلتين، أقرب ما يكون إلى عفريت نراه أمامنا تحت أشعة الشمس. وقفنا ننفّض الجلاليب، نظرتُ إلى سيد فوجدته أصفر الوجه، نظر إليه عباس بشماتة، أمسك الداهش طوبة صغيرة، قذف بها كلبة فأخذت تعوى بصوت مرعب، «بعد ما نسمع جابر أبو حسين فى الراديو نتقابل فى نفس المكان، يبقى عيّل اللى يدسّى ومايجيش، قتلوا الغفير من سنتين بحرى البلد، لازم ح يطلع عفريته فى مكان ضلمة، حاجيب كلوبّ معايا، ولو طلع كلام سيد كدب، ح ابعتر كرامته»، الطوبة التالية التى قذفها كانت من نصيب بطة سوداء عابرة، مشت فى كبرياء ولم تلتفت. قلت لجدتى وأبى إننى نسيت الشال فى السقيفة، طلبتُ لمبة فتايل، وخرجتُ مصحوبا بتحذيرات أن لا أتأخر، صنع نور اللمبة الصغيرة التى تشبه الشمعة هالة محدودة من النور، قبل أن أعبر العتبة كانت قد ظهرت ثلاثة وجوه على ضوء كلوب، شياطين الإنس. رسم الداهش خط السير بدقة، سنأخذ طريق الدرب الضيّق الذى لا يسمح إلا لشخص واحد بالمرور، سيد فى المقدمة، والداهش الأخير حاملا الكلوب وكاشفا الجميع، لا حسّ ولا صوت، فى نهاية الدرب تلوح البئر، نفض عباس جلبابه بعصا رمان رفيعة أحضرها معه، ضرب الداهش زجلته فى الأرض، فتقلّص قفا سيد، تمنيت لو أحضرت معى عصا ثالثة، أو سيف أبى زيد، سيف الهلالى سلامة. انطلق الطابور، شعرت أن الداهش خلفى يعدّ أنفاسى، هل يمكن أن لا أعود؟ انحشرنا بين منازل تكاد تتلامس، لا شىء نسمعه إلا وقع أقدام مكتومة على التراب والقش، تطلّعت إلى نصف القمر المعلّق، فوكزنى الداهش بالزجلة حتى أسير إلى الأمام، سمعت بقرة تخور من خلف باب زريبة عبارة عن ألواح متجاورة قصيرة، قبل خطوتين من البئر، أصدر الداهش أوامره بالوقوف، تخطانا جميعا فأصبح فى المقدمة، انعكس نور الكلوب على ثلاثة عيون متجمدة، كان الهواء دافئا، ولكنى شعرت به يلسع ظهرى المبتل بالعرق. استدار الداهش ناحية البئر صاعدا درجة قصيرة من الأسمنت تحيط به، مط سيد عنقه الرفيع الذى لم يصل إلى منتصف ظهر الداهش، ثم ارتقى الدرج فأصبح بجانبه، استكملت أنا وعباس إحاطة البئر مثل السوار، سقط ضوء الكلوب فى الفراغ المعتم، بدت فى العمق مياه سوداء مرتعشة ينعكس عليها نصف قمر، طلب الداهش أن نجلس على الحواف صامتين، بعد قليل أمسك حجرا وألقاه، سمعنا طرطشة مكتومة، أعقبها صمت. قال عباس بعد نصف ساعة: «مافيش حاجة يا راجل، سيد بيمزع، طول عمره كداب وجخّاخ». زمجر سيد متحفزا. أمّنتُ على كلام عباس. كنت أريد أن أعود سريعا من هذه المغامرة السخيفة، اختلطت أصواتنا، فضرب الداهش زجلته فى جدار البئر، عندها فقط اندفع شريط من الدخان من قلب الماء، مثل زوبعة معلّقة استمر فى الدوران إلى أعلى، تراجعنا لا إراديا إلى الوراء، انفجر جسد ممطوط أحمر مُزيحا الدوامة الزرقاء، تشكلت على لوحة الهواء ملامح رجل عار تحيطه النيران، سقطنا على الأرض مرعوبين، جرينا مثل الذى لسعه ثعبان، ارتطم الكلوب بجدار فانفجر. اعتقد أبى أننى محموم، أسبوع كامل أرتعش وأنضح عرقا، لم أقابل الداهش وسيد وعباس إلا بعد شهر، لم نتحدث أبدا عن المغامرة، ولم نقترب من البئر، انهمكنا فى لعب السيجة. كلما شاهدتُ الريس جاد، نظر إلىّ بشماتة، ولا يمشى إلا بعد أن يترك خلفه ضحكته المتوترة.